الكهرباء الإيرانية في سوريا.. نوع جديد من "إبر التخدير"

تاريخ النشر: 19.04.2021 | 05:12 دمشق

حلب - ضياء قدور

لا ينفك مسؤولو النظام من الانتهاء من ضخ حزمة إبر مخدرة في وسائل إعلامهم الرسمية، أملاً منهم في لجم غضب واستهجان شريحة كبيرة من المؤيدين الذين أصبح أكبر حلم لديهم رؤية ساعتين متواصلتين من الكهرباء، حتى ينتهي مفعول هذه المسكنات بانتظار سلسلة جديدة من الأكاذيب التي أصبح الوهم فيها دواءً لعجز النظام وحلفائه الإيرانيين والروس على حد سواء.

من زيادة ساعات التقنين بسبب النقص في حوامل الطاقة سواء في الغاز أو الفيول أو بسبب عدم وجود الكابلات أو عمال صيانة، وتدمير أكثر من 50 في المئة من المنظومة الكهربائية السورية، إلى إغلاق قناة السويس بسبب جنوح سفينة فيها... إلى غيرها من الحجج والأعذار التي وإن كان معظمها سبباً رئيساً في استمرار أزمة الكهرباء إلا أن البحث في حيثياتها يظهر أنه لا حلول جذرية لها لدى النظام وداعميه على المنظور القريب والمتوسط.

أولاً: النفط الإيراني المقسط للنظام لا يسد الرمق

تشير التحقيقات إلى وجود تاريخ حافل من شحنات النفط الإيراني المُقَسَّط إلى النظام السوري، الذي اعتمد خلال السنوات العشر الماضية على واردات النفط الإيراني (نحو 70 ألف برميل يومياً) لسد نصف احتياجاته النفطية.

ورغم تقلب كمية هذه الشحنات النفطية خلال السنوات الماضية، حيث وصلت في عام 2019 إلى 59 ألف برميل نفط في اليوم (ما يعادل 8٪ من إجمالي صادرات النفط الإيرانية في العام نفسه)، وفي عام 2020 إلى نحو 90 ألف برميل يومياً، إلا أن هذه الكميات لم تداوِ أزمة المحروقات السورية التي كانت تضرب البلاد بين الفينة والأخرى، في ظل فقدان نظام أسد سيطرته على معظم الحقول النفطية وحاجته الملحة إلى أكثر من 200 ألف برميل يومياً حتى يتمكن من تسيير آلته الحربية وتشغيل شبكة الكهرباء المتهالكة ضمن التقنين الوسطي المعهود.

وفي الوقت الحالي، رغم أن ملايين البراميل من النفط الإيراني (نحو 3.5 مليون برميل) قد وصلت إلى سوريا محمولة على أربع ناقلات (أرمان 114 وهي ذاتها غريس 1 أو أدريان دريا 1 وسام 121 وداران ورومانيا)، إلا أن معادلة حسابية بسيطة تظهر أن هذه الكمية من الشحنات النفطية لن تكفي النظام لأكثر من أسبوعين.

في خضم ذلك، تبقى ملاحظة أن عمليات الشحن النفطي من إيران إلى سوريا هي عملية معقدة وطويلة (تستغرق أكثر من 20 يوما) محفوفة بالمخاطر في ظل اندلاع ما سمته بعض وسائل الإعلام حربا غير مباشرة بين إيران وإسرائيل على ثلاث جبهات، كان أحد محاورها حرب الناقلات التي ظهرت ملامحها إلى العلن في الآونة الأخيرة بنتيجة 14 إسرائيل - 3 إيران حتى الآن.

لكن بغض النظر عن التأخير الذي يمكن أن يحدث في وصول الشحنات النفطية الإيرانية إلى سوريا بسبب الظروف وحالة التوتر السائدة في البحر الأحمر والخليج العربي، تبقى هذه الشحنات عبارة عن شحنات إسعافية أو مسكنات آلام لا تقدم حلولاً جذرية لأزمة المحروقات السورية، بسبب حاجة إيران الشديدة إلى القطع الأجنبي، مما دفعها إلى تفضيل المشترين الآسيويين على سوريا التي كانت تشتري نصف النفط الإيراني المصدر إليها بالتقسيط في العامين الماضيين.

ما يؤكد هذا الواقع هو ثبات كمية الشحنات النفطية المرسلة إلى سوريا على معدل (أقل من 3.5 مليون برميل شهرياً)، في ظل الإحصائيات الجديدة التي تتحدث عن ارتفاع صادرات إيران النفطية خلال العام الجاري الذي شهد بدء مفاوضات فيينا لإحياء الاتفاق النووي مع طهران.

وبحسب التقارير، فإن هذه الزيادة ترجع إلى الواردات الصينية التي زادت المشتريات من طهران إلى 600 ألف برميل يومياً (أي ما يعادل قرابة خمسة أضعاف النفط المصدر في الأشهر التسعة الأولى من عام 2020).

ثانياً: المشتقات النفطية الإيرانية إلى سوريا لن تدوم

بمراقبة الناقلات النفطية المرسلة إلى سوريا خلال السنوات السابقة، يظهر دائما أنها تحمل كميات من المشتقات النفطية (المازوت والبنزين) إلى سوريا، الأمر الذي يفصح عن حقيقتين جليتين لا تخفيهما المواقع الإيرانية الرسمية: الأولى هي ضعف وتراجع إنتاج المصافي السورية (مصفاتي بانياس وحمص)، اللتين تنتجان في الوقت الحاضر قرابة 40 ألف برميل من المشتقات النفطية، مما يجعلهما غير قادرتين على سد حاجة السوق السورية.
والثانية هي حصول فائض في المشتقات النفطية الإيرانية، خاصة مادة البنزين، بسبب قرار الحكومة رفع أسعارها ثلاثة أضعاف في نوفمبر من عام 2019، والقيود التي فرضها فيروس كورونا، وحالة الحجر الصحي، التي قللت من تحرك وسائل النقل العامة والخاصة، مما خفض من كمية الاستهلاك الداخلي للبنزين الإيراني من 100 مليون لتر إلى 65 مليون لتر يومياً.

لكن على الرغم من أن أزمة كورونا قد أحدث طفرة غير مسبوقة في سوق صادرات المشتقات النفطية الإيرانية التي تجاوزت في بعض الأحيان الصادرات النفطية، يبقى هذا الازدهار طفرة زائفة ستزول بمجرد رفع القيود التي فرضها وباء كورونا، وحينذاك ستعود طاقة المصافي الإيرانية إلى معدل الاستهلاك الداخلي أو أقل في ظل وجود زيادة سنوية تصل إلى 8 في المئة في استهلاك البنزين الداخلي في إيران التي كانت قبل عامين أحد مستوردي مادة البنزين.

ثالثاً: الظلام سيبقى سيد الموقف

في الوقت الذي تحدث وزير الكهرباء في حكومة النظام، غسان الزامل، عن توقيع عقود من "دولة صديقة" لإعادة إعمار شبكة الكهرباء المتهالكة، منها عقد مع إيران بقيمة 124 مليون يورو لتأهيل عدد من المحطات الكهربائية، تعيدنا الذاكرة تلقائياً سنتين إلى الوراء، حيث أعلن وزير الكهرباء السابق محمد زهير خربوطلي
عن بدء شركة مبنا الايرانية تنفيذ مشروع محطة لتوليد الكهرباء بمنطقة الرستين في اللاذقية، والتي يبدو أنها لم تنته من أعمالها الإنشائية حتى الآن.

وعلى الرغم من أن المشاريع الخدمية تعتبر في المفهوم الاقتصادي مشاريع رابحة مئة في المئة، لم يستطع النظام السوري وحليفه الإيراني الدخول في مشاريع إعادة إعمار للشبكة الكهرباء التي تتطلب إمكانات مالية واقتصادية ضخمة لا يملكها الطرفان في ظل العقوبات الأميركية المشددة، التي سببت انهياراً غير مسبوق في عملتي البلدين وأضرت بشدة في اقتصاديهما.

لذلك بغض النظر عن الشحنات النفطية الإسعافية التي لا تسد رمق حاجة السوق السورية، لا يمكن في الوضع الحالي انتظار حدوث انفراجة قريبة في أزمة المحروقات والكهرباء التي تضرب مناطق النظام كل فترة، مما يكشف عن حقيقة مهمة تتجلى في أنه يمكن لإيران إرسال صاروخ دقيق لا تتعدى دقة إصابته عشرة أمتار إلى سوريا، لكنها عاجزة عن إنارة مدينة سورية واحدة.