icon
التغطية الحية

الكنز المنسي.. هل تصبح الصناعة السورية قاطرة التنمية المنشودة؟

2025.03.30 | 05:19 دمشق

آخر تحديث: 30.03.2025 | 05:21 دمشق

55555
هل تصبح الصناعة السورية قاطرة التنمية المنشودة؟
تلفزيون سوريا - عبد العظيم المغربل
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تواجه الصناعة السورية تحديات كبيرة مثل العقوبات الاقتصادية، وضعف البنية التحتية، وأزمة التمويل، وهجرة الكفاءات، مما يؤثر على النمو والابتكار.
- تمتلك سوريا موارد طبيعية غنية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، مما يوفر فرصاً لتطوير الصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية وجذب الاستثمارات.
- لتعزيز الصناعة، يجب صياغة سياسات اقتصادية فعّالة تشمل تأمين التمويل، تقديم حوافز ضريبية، تطوير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم الفني والتدريب المهني.

تُعدّ الصناعة أحد أهم الركائز الاقتصادية التي تعتمد عليها الدول لتحقيق النمو والتنمية المستدامة، وفي الحالة السورية، يكتسب هذا القطاع أهمية استثنائية في ضوء الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد، والاحتياج المُلح لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني. وبالرغم من ما تعرضت له الصناعة السورية من تحديات جسيمة ودمار هائل خلال السنوات الماضية، بدءاً من فقدان البنى التحتية، مروراً بتضرر المصانع والمنشآت، ووصولاً إلى تراجع كبير في حجم الإنتاج الصناعي، فإنها لا تزال تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تلعب دوراً محورياً في نهضة سوريا الاقتصادية من جديد.

وعليه، فإن البحث في واقع هذه الصناعة، وتشخيص تحدياتها، وتحديد فرص تطويرها، بات ضرورة حتمية لوضع استراتيجية فعّالة تجعل من الصناعة السورية قاطرةً حقيقيةً لعملية التنمية الشاملة في البلاد، وأساساً متيناً للانتعاش الاقتصادي في المستقبل القريب.

تحديات الصناعة السورية في المرحلة الراهنة

تواجه الصناعة السورية في الوقت الحالي واقعاً صعباً ومليئاً بالتحديات التي تعيق نموها وتعافيها بشكل واضح؛ حيث تُشكّل العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا من قبل عدة دول إحدى أبرز هذه التحديات وأشدها تأثيراً، إذ تسببت هذه العقوبات في تقييد حركة التجارة الخارجية، وعرقلة استيراد المعدات الصناعية اللازمة للإنتاج، كما حدّت من قدرة المصانع السورية على تسويق منتجاتها في الأسواق الخارجية. ويُضاف إلى ذلك ضعف كبير في البنية التحتية الصناعية، خاصةً في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع تنافسية المنتج السوري محلياً وخارجياً.

في هذا الإطار، يقول الباحث في العلاقات الدولية حسن الشاغل في مقابلة حصرية مع تلفزيون سوريا: "إن من أبرز التحديات أمام القطاع الصناعي هو عدم وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب قيام الصناعات الجديدة أو جذب الصناعيين القدماء المهاجرين في دول الجوار من الوطن من أجل إعادة تفعيل مصانعهم".

كذلك، يعاني القطاع الصناعي من أزمة حادة في التمويل وصعوبة واضحة في الوصول إلى مصادر الاستثمار المحلية أو الأجنبية، بسبب عدم استقرار الوضع الاقتصادي وغياب الدعم الحكومي المباشر للقطاع الصناعي.

وفي هذا الإطار، يقول الشاغل: "إن أحد التحديات المهمة هو أن الإجراءات القانونية لعمليات الاستيراد والتصدير ما تزال غير واضحة؛ حيث تعمل الحكومة على إعادة تشكيل هذه الإجراءات حالياً حتى تسير عملية الصناعة".

كما تُشكّل ظاهرة هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة تحدياً إضافياً بالغ الخطورة، حيث خسرت الصناعة السورية عدداً كبيراً من المهندسين والفنيين والحرفيين المؤهلين الذين يمثلون العنصر البشري الأساسي للإنتاج الصناعي، ما أثّر بشكل مباشر على القدرة التشغيلية للمنشآت الصناعية وأضعف إمكانيات الابتكار والتطوير، وزاد من صعوبة إعادة تأهيل هذا القطاع المهم على المدى المنظور.

ومن التحديات البارزة، وفقاً للشاغل، هو "التحدي الأمني المرتبط بشكل كبير بالاقتصاد؛ حيث إن التنمية الصناعية تحتاج إلى استقرار أمني في البلاد، بجانب استمرار حالة عدم الاستفادة من الموارد الطبيعية الموجودة في مناطق قسد، خصوصاً النفط والغاز والقمح والقطن، والتي تحتاج إلى وقت للاستفادة منها في خدمة الصناعة السورية".

مقومات الصناعة السورية وفرص التطوير

تتمتع الصناعة السورية بمقومات حقيقية يمكن البناء عليها لتحقيق تطور ملموس وانتعاش اقتصادي واضح، حيث تمتلك سوريا موارد طبيعية غنية ومتنوعة توفر المواد الأولية اللازمة للكثير من الصناعات، وعلى رأسها المنتجات الزراعية مثل القمح، والزيتون، والحمضيات، والخُضر، والقطن، وهي منتجات تتيح المجال واسعاً أمام إقامة صناعات غذائية ونسيجية وتصديرية منافسة.

ويقول حسن الشاغل: "إن مقومات الصناعة السورية مرتبطة بقطاعين، الأول هو الزراعة وما يرتبط بها، والثاني هو الصناعة النسيجية وما يرتبط بها".

إلى جانب الوفرة الزراعية، تزخر الأراضي السورية بثروات ومعادن مهمة مثل الفوسفات الذي يدخل في صناعات الأسمدة والمخصّبات، إضافةً إلى المواد الأولية التي تدخل في صناعات البناء كالرخام والبازلت والإسمنت.

كما يتميز الموقع الجغرافي لسوريا بكونه نقطة تقاطع استراتيجية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يؤهل البلاد لأن تكون مركزاً لوجستياً وتجارياً قادراً على استقطاب الاستثمارات والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى.

يقول حسن الشاغل لتلفزيون سوريا: "تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً مهماً يساعد الصناعة السورية؛ حيث تتوسط سوريا موقعاً بين الدول المستهلكة، خصوصاً الدول العربية، والدول المنتجة".

إضافةً إلى ذلك، تملك سوريا إرثاً صناعياً تاريخياً يتمثل بخبرات تراكمية طويلة في مجالات الصناعات التقليدية المتميزة مثل النسيج، وصناعة السجاد، والألبسة الجاهزة، والمنتجات اليدوية التراثية، فضلاً عن الصناعات الغذائية الشهيرة كالحلويات، وزيت الزيتون، والأجبان، وهي صناعات تمتاز بجودتها وشهرتها الإقليمية والدولية.

ما المجالات الصناعية الواعدة للنهوض الاقتصادي؟

تمتلك الصناعة السورية العديد من القطاعات الواعدة التي يمكن الاعتماد عليها لتصبح ركيزة أساسية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود، ومن أبرز هذه القطاعات يأتي قطاع الصناعات الغذائية والزراعية، والذي يشكّل القاعدة الأولى للنهوض بالاقتصاد الوطني، نظراً لما تملكه سوريا من وفرة زراعية مميزة وتنوّع كبير في المنتجات والمحاصيل؛ حيث إن التوسع في صناعات تعتمد على تحويل المحاصيل الزراعية الأساسية كالقمح، والذرة، والبقوليات، إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة عالية مثل المعكرونة، والخبز، والبسكويت، ومنتجات الكونسروة المختلفة كالمربيات، ورب البندورة، والخُضر المعلّبة، يمكن أن يحقّق الاكتفاء الذاتي ويقلّل من الاعتماد على الاستيراد، فضلاً عن فتح آفاق واسعة للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

كذلك تتمتع سوريا بتنافسية واضحة في قطاع الصناعات النسيجية، وهو القطاع الذي عُرفت به تاريخياً، خاصةً في صناعة الأقمشة، والسجاد، والملابس الجاهزة، والمنسوجات التراثية التقليدية التي تحمل الهوية السورية. ولعل إعادة إحياء هذا القطاع الحيوي من خلال إدخال تكنولوجيا حديثة، وتوفير تسهيلات حكومية وتشجيعات استثمارية، سيساهم في زيادة فرص العمل وإعادة فتح الأسواق التي كانت في السابق تفضّل المنتج السوري بسبب جودته العالية وأسعاره المنافسة.

إضافةً إلى ذلك، تتميز سوريا بوجود قاعدة متينة في مجال الصناعات الدوائية التي أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها على توفير منتجات دوائية ذات جودة عالمية بأسعار تنافسية؛ حيث إنّ تطوير هذا القطاع المهم عبر تعزيز البحث العلمي، وزيادة الاستثمار في التقنيات الدوائية الحديثة، والتوسع في تصنيع الأدوية والمستلزمات الطبية، سيجعل سوريا قادرةً على تأمين احتياجات السوق المحلية وتقليل فاتورة الاستيراد، بل وتوفير فائض كبير للتصدير إلى الأسواق الخارجية، لا سيما في الدول المجاورة التي تُشكّل سوقاً استهلاكية كبيرة.

تَبرز الصناعات التحويلية والتكنولوجية الحديثة كقطاع استراتيجي وواعد يمكن أن يكون رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي، خاصةً في ظل التطورات المتسارعة للاقتصاد الرقمي عالمياً؛ حيث إنّ بناء قاعدة صناعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا، كالصناعات الإلكترونية المتقدمة، وتطوير البرمجيات، وصناعة التطبيقات التقنية، والتصنيع الذكي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يفتح المجال واسعاً أمام سوريا لمواكبة التحولات الاقتصادية الدولية. وفي الحقيقة، إنّ الاستثمار في هذه المجالات الحديثة سيمكّن الشباب السوري من اكتساب مهارات متقدمة وفرص عمل نوعية، ما يؤدي إلى تحفيز بيئة الابتكار والإبداع، وتحقيق مردود اقتصادي طويل الأمد.

ما السياسات الاقتصادية المطلوبة لتعزيز الصناعة السورية؟

لتمكين القطاع الصناعي السوري من استعادة دوره كقاطرةٍ أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، يتطلب الأمر صياغة وتطبيق حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية الفعّالة والمدروسة من قبل الحكومة السورية والمختصين. وتتمثل أولى هذه السياسات في تأمين التمويل الكافي وتسهيل الوصول إلى مصادر رأس المال عبر إنشاء صناديق ائتمانية وتنموية حكومية متخصصة، تكون مهمتها الأساسية تقديم القروض الصناعية الميسّرة للمشروعات الإنتاجية ذات الجدوى الاقتصادية، مع التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لما تمتاز به من قدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.

كما ينبغي أن تترافق هذه الخطوة مع حزمة من الحوافز الضريبية والتسهيلات الجمركية الواضحة، كخفض أو إعفاء الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الصناعي والآلات والتجهيزات المستوردة، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بتأسيس وترخيص المنشآت الصناعية الجديدة، بهدف تشجيع رؤوس الأموال الوطنية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاع الصناعي.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، تَبرز ضرورة تطوير وإعادة تأهيل البنية التحتية الصناعية بشكل شامل، وبالأخص ما يتعلق بشبكات النقل والمواصلات، وتحديث منظومة الموانئ والمرافق اللوجستية، وتوفير مصادر مستدامة وآمنة للطاقة الكهربائية من خلال الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة والطاقة البديلة، أو خصخصة المحطات الكهربائية. فهذا يسهم في تخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة تنافسية المنتج الوطني على المستوى الإقليمي والدولي.

الأهم من ذلك هو الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال وضع استراتيجيات واضحة للتعليم الفني والتدريب المهني تتماشى مع احتياجات سوق العمل الصناعي، وإقامة شراكات متينة بين المؤسسات التعليمية والتدريبية والقطاع الصناعي الخاص، بهدف تأهيل الكوادر الفنية والهندسية والتقنية، وتوفير مهارات تتوافق مع التطورات الصناعية والتكنولوجية المعاصرة، ما يؤدي إلى سد الفجوة الحاصلة بسبب هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة.

استفادة الصناعة السورية من تجارب صناعية دولية ناجحة

إنّ النهوض بالصناعة السورية يتطلب أيضاً الاستفادة من تجارب دولية ناجحة في المجال الصناعي، عبر دراسة نماذج عالمية تمكّنت من تحويل قطاعاتها الصناعية إلى محركات حقيقية للتنمية الاقتصادية، بما يتوافق مع البيئة السورية وظروفها الحالية. في هذا الإطار، تبرز تجربة ماليزيا التي اعتمدت على إنشاء مناطق صناعية متخصصة، وتركيز الدعم الحكومي على الصناعات التكنولوجية والتحويلية، وتقديم حوافز كبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر، ما أسهم في خلق نقلة اقتصادية نوعية خلال فترة قصيرة.

كما تُعدّ التجربة التركية في تطوير الصناعات الغذائية والنسيجية نموذجاً يمكن الاقتداء به، إذ ركزت تركيا على زيادة جودة منتجاتها وتحقيق تنافسية عالية في الأسواق العالمية من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واعتماد برامج تدريب وتأهيل متقدمة للعمالة الصناعية.

وتُقدّم التجربة الكورية الجنوبية مثالاً آخر في تطوير الصناعات التكنولوجية والرقمية الحديثة، حيث قامت كوريا الجنوبية بالاستثمار في التعليم الفني والتقني، وتشجيع الابتكار الصناعي عبر مراكز بحث وتطوير متخصصة، ما مكّنها من احتلال مكانة رائدة عالمياً في صناعات الإلكترونيات والتقنيات الذكية.

وبناءً على هذه التجارب، يمكن لسوريا أن تتبنى رؤية صناعية واضحة ومستدامة من خلال إقامة مناطق صناعية متخصصة، وتقديم الدعم الكامل للصناعات التي تملك فيها سوريا ميزة نسبية، والاستثمار في التعليم التقني والتدريب المهني، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير لتشجيع الابتكار والتميّز الصناعي؛ حيث إنّ القدرة على تكييف هذه النماذج الناجحة مع الواقع السوري، بما يراعي خصوصية الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحلية، ستكون عاملاً رئيسياً في إنجاح الجهود الرامية إلى إعادة إحياء الصناعة السورية وتحويلها إلى قوة اقتصادية حقيقية قادرة على قيادة التنمية الشاملة في المستقبل.

تؤكد جميع المعطيات الحالية أن الصناعة السورية تمثل المفتاح الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة إحياء الاقتصاد الوطني من جديد. فرغم التحديات الكبيرة التي تواجهها هذه الصناعة اليوم، فإنّ الفرص والمقومات المتاحة أمامها تظلّ واعدة، إذا ما تم استثمارها وتوظيفها بشكل علمي ومدروس. ولذلك، فإنّ صياغة رؤية اقتصادية وطنية متكاملة تقوم على معالجة العقبات الهيكلية، وتوفير التمويل والدعم الحكومي، وتطوير البنى التحتية، والاستفادة من الموارد المحلية، والاهتمام بالكفاءات والابتكار، هي ضرورة عاجلة ينبغي العمل عليها من دون تأخير.

كما أن دراسة التجارب الدولية الناجحة وتكييفها مع الواقع السوري، يمكن أن تسرّع من وتيرة التعافي، وتضع القطاع الصناعي السوري على الطريق الصحيح نحو استعادة مكانته التنافسية. يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بإرادة وطنية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وتعاون كل الجهات المعنية، لتحقيق الهدف الأهم المتمثل في جعل الصناعة السورية قاطرة حقيقية للاقتصاد السوري، وبوابةً لاستعادة سوريا دورها الاقتصادي الرائد في المنطقة.