"الكلوب هاوس" السوري.. بين النعمة والنقمة

تاريخ النشر: 11.05.2021 | 06:57 دمشق

في حياة الشتات السوري الاختياري أو الإجباري والتشتت السوري النفسي والاجتماعي، شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ظاهرة انتظر الجميع أن تكون إيجابياتها أكثر من سلبياتها. وفي بداية الثورة السورية السلمية وقبل أن تتحول إلى مقتلة، كُتبت الكثير من الدراسات العلمية الجادة حول الدور المهم الذي لعبته هذه الوسائل في تعزيز الترابط والتنسيق بين الناشطين الثوريين السلميين في مختلف أطراف البلاد السورية إضافة إلى تحقيق تواصل فعال مع أقرانهم خارج الحدود. وقد أسهم الاعتماد الجزئي عليها في توسيع رقعة تأثير الفعل المعارض وفي نشر الأخبار وفي التغطية على الانتهاكات الممنهجة التي تعرّض لها الأفراد في ظل الدولة الأمنوقراطية. ومع تطور المسار والتحول إلى العمل المسلح وتصاعد وتيرة العنف والقتل والتدمير، لعبت هذه الوسائل دوراً أساسياً في النشر وفي التعريف بمصداقية عالية أحياناً كثيرة وبمبالغة غير مجدية في بعض الأحايين.

مع اجتياح الوباء الفيروسي الفتاك، وهيمنة الحاجة إلى العزل والانعزال الصحي درءاً لتفشيه، فقد خلصت العقول المنتجة والساعية إلى تطوير الأساليب التقنية المساعدة في الاتصال والتواصل، إلى التجديد في منصات الحوار عبر الأثير كما في اختراع الجديد منها، وكان آخرها الكلوب هاوس.

بصراحة شديدة، ونتيجة التعب النفسي الذي تسببه أحياناً الوسائل الحديثة في التواصل من حيث احتواؤها على الغث والسمين من المعلومات، ومن حيث الجدل العنيف الذي يقع في جنباتها أحياناً حول أمور يمكن تناولها بحوار هادئ ورصين، فقد ترددت في إضافة التطبيق الجديد على الرغم من كل ما سمعته من انتشاره الواسع والقدرة على فتح غرف للنقاش بشكل حر ودون صور الزهور والأدعية والطبيعة الصامتة والتحذيرات الوهمية والعبارات المسيئة التي تمتلئ بها الوسائل السابقة.

جذبني هذا التطبيق رغم ترددي الذي تغلبت عليه بالالتفاف على السلبي المنتظر وتقديم الإيجابي المأمول

بالمقابل، ونتيجة الاهتمام بالشأن العام وتطور الرأي العام وسوسيولوجيا الحوار الذي يتبناه الناس بعامتهم وبنخبهم، وحيث تزول الفوارق ويمكن لأي كان، بمجرد امتلاكه لهاتف ذكي، أن يخوض نقاشات مفتوحة مع اختصاصيين أو مهنيين في أي جانب من جوانب الحياة، فقد جذبني هذا التطبيق رغم ترددي الذي تغلبت عليه بالالتفاف على السلبي المنتظر وتقديم الإيجابي المأمول. كما ساعدني تعليل وهمي اخترعته ليقدم خطوتي على أنها ضمن مجال عملي البحثي الذي يهتم بملاحظة وتحليل الجديد والحديث من وسائل التواصل وتأثيراتها على الرأي العام. فانضممت إذاً إلى هذا التطبيق الجديد.

وكان اللقاء الأول الذي تابعته حول الأزمة الأردنية الحادة منذ عدة أسابيع، فتوقعت أن أكون شاهداً على نقاشات حامية الوطيس يتخندق فيها الطرفان بشدة يمكن أن تترجم عبر العبارات القاسية والأصوات الشجية. إلا أنني فوجئت، إيجابياً، بمستوى الوعي المسيطر على ما تابعت من "غرف" ناقشت الخلافات الداخلية بهدوء وعقلانية على الرغم من أنها ضمت ممثلين عن طرفي المعادلة. فتشجعت على متابعة التجربة والذهاب باتجاه حوارات جديدة غلب عليها الشأن الأردني الذي من خلاله، تعلمت الكثير عن هذا البلد الذي كنت أظن الإحاطة به. وفي تجربة ثانية، وقعت على مجموعة من الإعلاميين العرب يلتقون مرة في الأسبوع لمناقشة حالة الإعلام العربي وحرية التعبير ومستقبل الإعلام التقليدي كما قضايا عديدة أخرى، فاستمتعت بالتنظيم كما بجزء لا بأس به من المضمون.

بعد هذه البداية الإيجابية نسبياً، لاحظت تعدد الغرف المهتمة بالملف السوري والتي يقوم عليها سوريون وسوريات، فشعرت بالغبطة وانتظرت تكرار التجربة الأردنية التي ناقشت ملفاً ملتهباً بهدوء نسبي، واعتقدت بأن غلبة الهوية المعارضة الواحدة لمن ينشط في غرف السوريين، عدا من يخوض بحر المعارضة سابحاً عكس التيار بشيء من التأييد والموالاة، والذي من الصعب على التجربة الديمقراطية النظرية حتماً والقصيرة فعلاً أن تسمح للمعارضين بقبول وجوده أصلاً، اعتقدت إذاً بأن التلاقي على الأساسيات سينفي إمكانية الاختلاف على التفاصيل، إلا أنني أصبت غالباً بخيبة عندما اقتربت أكثر ودخلت الغرف مستمعا ليس إلا. فالخلافات بين من هم مفترض أن يكونوا أصحاب اتفاق مبدئي على الأساسيات في العمل العام وفي الموقف من الاستبداد كانت مستعرة، كما افتقدت الحوارات إلى أية قواعد أجمعت عليها الحشود التي طالبت بالحرية وبالكرامة وبالعدالة. فلا حرية لمن يختلف ولو جزئياً مع الآخر صاحب الصوت الأعلى أو الحضور الأقوى. ولا كرامة تحترم لمن يخرج عن سرب التسبيح برجاحة تحليل المهيمن. ولا عدالة في تقاسم الوقت المخصص للكلام. إضافة إلى ظاهرة نادرة في هذا الفضاء وهي ترتبط بتجربة سورية رائدة في العمل العام، فكثيراً ما كانت الأحزاب تنقسم إلى عدة، والجمعيات إلى عدة، والنوادي إلى عدة، حسب خلافات أهواء القائمين عليها. واستمر هذا التقليد في الكلوب هاوس حيث بعد نجاح إحدى الغرف بمعالجة موضوع ما بهدوء وعقلانية، سنجد تفرعات عدة بأسماء قريبة لنسخ التجربة دون السعي إلى التجديد أو التغيير.

فرصة أخرى جديدة من الأجدى أن لا تضيع ومن الأفضل أن تستغل تسلية أو فائدة بِشكل لا يعمق الانقسام بين السوريين

إنها البداية وفي كل بداية تَعَثُّر. والسوريون ليسوا وحدهم في هذا بالتأكيد، إلا أنها فرصة أخرى جديدة من الأجدى أن لا تضيع ومن الأفضل أن تستغل تسلية أو فائدة بِشكل لا يعمق الانقسام بين السوريين ويساعدهم في تطوير تجربتهم الغضة في ممارسة الديمقراطية فيما بينهم قبل أن يتمكنوا، بعونه تعالى، من نشرها في مجتمعهم المستقبلي.