الكرتونة الحديدية

تاريخ النشر: 31.07.2021 | 05:09 دمشق

"الباص تصحين الرستن"..

 هكذا تقول العبارة المكتوبة على جانب الباص، وأهل الرستن أهل فصاحة.

توقّفَ صحن الرستن عند أحد الحواجز، وصعد عسكري لتفتيش بضائع الركاب العائدين إلى سوريا من لبنان، فالكهربائيات والدخان وبعض أنواع الطعام ممنوعة مع أن الشعارات تقول: شعب واحد في بلدين.

فتش العسكري الحقائب الكبيرة والصغيرة، وصادر علب دخان أجنبي، وبعض القطع الكهربائية، حرصًا على  الكهرباء السورية من أن ترضعها بضائع إلكترونية غير شريفة، وبلغ المقعد ما قبل الأخير، فوجد رجلًا على مشارف الأربعين من عمره يحضن كرتونة، فأمره أن يفتحها، هزَّ المسافر رأسه بإباء وشمم لم يعرفه العسكري طوال خدمته على الحاجز من مسافر، شتمه العسكري شتيمة لا يمكن ترجمتها إلى اللغة الصينية، وأمره أن يفتحها وإلا فتح شيئا آخر هو أعز ما لدى الإنسان، فردّ عليه المسافر بشتيمة يصعب ترجمتها إلى اليابانية، جعلت صحن الباص المصنوع في الرستن نفسه يقشعر من هولها، خاف العسكري الذي يقضي خدمته الإلزامية على الحدود وارتعد، وخيّم الصمت على الركاب، وحبسوا أنفاسهم وهم يرون الباص وقد طُرِّز بأعضاء الشرف والتناسل، فشرقوا بريقهم وانتظروا نهاية الملحمة، أما العسكري الذي كان ينتعل جزمة أكبر من مقاس قدمه، فقد هرع  إلى مكتب سيادة المقدم في الغرفة مسبقة المصنع، تعيقه جزمته، وكأنه رأى عفريتًا، وضرب له تحية بجزمة شارلي شابلن، فاختضّ فيها المخض عن الزبد وأبلغه ما حصل.

كان سيادة المقدم يشرب المتة، مصّ مصةً لها قبع خنوص مخنوق، وأمره أن يحضر ابن الكلب مسحولًا هو وأغراضه، وإلا فعل بأمه وأخته كذا وكذا، وذكر شتائم لا يمكن ترجمتها إلى أي لغة من اللغات الحية، فتلعثم العسكري واضطرب، والمسافرون يسمعون، عاد العسكري وصعد إلى صحن الرستن الذي له عجلات، كان المسافر جالسًا وقد أشعل سيجارة، فتقدم إليه العسكري المسكين متوجسًا خائفًا من أن يلتهمه، وذكر له تهديد سيادة المقدم، فأمره المسافر أن يبلغ المقدم بأنه سيفعل بأمهما وأختهما هو وسيادة المقدم كذا وكذا من أفعال ناقصة.

تقهقر العسكري وولّى دبره، بانت له بالبراهين أنه في يوم مشهود من أيام خدمته العسكرية فعاد إلى المقدم ومعه ذريعة قد تجعل سيادة المقدم ينهض إلى الميدان بنفسه، فضرب له التحية، فاختضت جزمته العسكرية وتلاطمت فيها الفراغات المتعفنة، وأبلغه: عدم المؤاخذة سيادة المقدم، الرجل يسبّكم ويشتمكم وقال كذا وكذا... عدم المؤاخذة سيدي.

نهض المقدم الذي لم يواجه في خدمته التي بلغت ثماني عشرة سنة في الخدمة مثل هذا الموقف، وتوجه إلى الباص، ودخل جوف الباص وشتم شتائم لا يتبادلها لعّيبة (لاعبو) ورق الشدّة الخاسرون والرابحون، من هو هذا الكلب ابن الكلب، و قال إنه سيفعل بزوجته وأمه وأخته من الأفعال الناقصة كأفعال تامة كاملة يثاب عليها في الوطن المعطاء، وذكر أوضاعًا لم ترد في كتاب جنسي عربي أو مترجم، كان صاحب الكرتونة لا يزال يدخن، كان دخان سيجارته يتلوى مثل أفعى كوبرا من غير مزمار، وقال بهدوء، وبصوت رخيم كأنه يغني موالًا، بل إنه سيفعل به نفسه كذا وكذا، ثم ذكر أفعالًا يصعب ترجمتها إلى أي من لغات الأرض الحية أو المندرسة.

سكت المقدم لحظة، وتدبّر الشتيمة، وكأن أفعالها قد وقعت حقًا، وتغيّر لونه، وقال في نفسه: إن الأمر خطير، فهو يعرف المسافرين المساكين الذين يهرّبون بضع علب دخان وسخانات كهربائية إلى سوريا الأسد، وأحيانًا تلفزيونات بعد الاتفاق مع الحاجز على دفع ما يلزم من رشوة. لان صوت المقدم وارتخى، ورجا صاحب الكرتونة أن يترجل متفضّلًا، كان سيادة المقدم يفكر في أن المسافر الوحش لم يكن يتحدث باللهجة العلوية، فمن يكون هذا الزعيم.

مدّ المسافر يده إلى جيبه وأخرج ورقة صغيرة مجعدة، عليها أربعة أرقام هاتفية وقال له أن يتصل بالقصر الجمهوري

دفع فارس الكرتونة كرتونته بقدمه أسفل مقعده ونهض ورمى عقب سيجارته على أرض الباص المصفحة بالمعدن ومعسها حتى سحقها، وبلغ الباب وقف برهة على العتبة يتأمل الكون والخليقة وأحوال النشأة، استقبله المقدم وطلب بلهجة المضيف أن يشرفه بشخصه ضيفا في مكتبه، فهو مقدّم ويحرس الاقتصاد الوطني وينفذ أوامر القيادة.

مدّ المسافر يده إلى جيبه وأخرج ورقة صغيرة مجعدة، عليها أربعة أرقام هاتفية وقال له أن يتصل بالقصر الجمهوري.

هنا أُسقط في يدّ المقدم، فكرر المشهد الذي أدّاه حجاج عبد العظيم في فيلم "معالي الوزير"، والمشهد الذي أدّاه طلعت زكريا في فيلم "التجربة الدانماركية"، فتقلص وسقطت نجوم كتفه وتبعثرت مثل حبات خرز، وتوسل إليه أن يستره.

كان فارس الكرتونة لا يزال واقفًا ينظر إلى الأفق البعيد مثل هارموني (كلينت استود) بطل فيلم من "أجل حفنة دولارات"، رجاه المقدم أن يشرفه ضيفا في مكتبه، ففعل صاحب الكرتونة، وحاول المقدم أن يزن خطواته وأن يشم ريحه فلعله سكران،  فهذه جرأة سكران أو شيطان، ثم قاده إلى المبنى القريب، ووجد ما حوت مغارة علي بابا من أمتعة وكنوز وبضائع؛ تلفزيونات، سخانات، أجهزة فيديو، أفلام إباحية، مجلات فيها أفعال ناقصة مصورة بكاميرا مجهرية، ثلاجات صغيرة، أباريق، ثريات، أحذية أوروبية، دراجات للأطفال وأخرى للكبار لها أشكال عجيبة، دراجات نارية، سوبر ماركت قال له: خذ منها ما تشاء، فلتحمّلها كلها على ظهر الباص إن شئت، كلها لكم سيدي بس استرونا.

لم يقل صاحب الكرتونة شيئًا، وابتسم رابط الجأش والنهي، ثابت القلب والقدم، فانفرجت أسارير المقدم بأسنان فارس الكرتونة التي أشرقت من الغيب.

صعد إلى الباص، وأمر سيادة المقدم العسكري أن يعيد حاجات المسافرين المصادرة، ففعل، وأشار إلى الباص أن يمضي، وأوصى السائق أن يكرّم المعلّم، فوضع السائق يده على رأسه، وقال: على رأسي ومن عيوني الاثنتين، وانطلق الباص والركاب مسرورين بالسلام وبمصاحبة هذا الفارس الهمام والبطل المقدام، فقد شهدوا معركة لم يشهدوا مثلها من قبل، وأعيدت لهم بضائعهم المنهوبة.

بعد ساعة وصلوا إلى غايتهم، فنزل الركاب، وتأخر فارس الكرتونة في النزول، كان آخر المترجلين، حمل الكرتونة على كتفه كما حمل شوارزينغر التابوت في فيلم المبيد، الجزء الثالث. كان مسافرٌ شاب ينتظر نزوله، لحق به والفضول يكاد أن يقتله، فوجد حيلة كي يسأله: ممكن ساعدك في الشيل يا...  وقال له: إنه لا يعرف كيف يخاطبه، هل يناديه: يا معلم... يا أستاذ... أم يقول يا سيدي.

 تابع فارس الكرتونة سيره، فلم ييئس الشاب ووجد منه رضا وقبولًا، ومشى إلى جواره مستأنسًا به، وقال إنه يشكره باسمه واسم جميع الركاب، وإنه سيخلد في ذاكرته إلى الأبد، ويتمنى لو عَرف اسمه، فهل يسميه هارموني على اسم بطل فيلم من أجل حفنة من الدولارات أم كينغ كونغ أم الترمينتيور؟ توقف صاحب الكرتونة ووجد في الشاب ظرفًا، ونظر إليه نظرة رجل آلي، فوجد في يد الشاب كتبا، كانت ثلاثة دواوين شعرية فاز أصحابها بجائزة شعرية، لم يستطب الشاب جملة واحدة من ديوانين أما الثالث فكان عبارات في الحب وزعت على أسطر متباعدة للإيهام بشعريتها، ووجد أن حداد الرستن صاحب عبارة "تصحين الرستن" أشعر من المناكير الثلاثة.

أنزل صاحب الكرتونة كرتونته، ومزق اللاصق الذي يوثق أجنحتها فانبسطت، ظهر فيها عدة باقات من كاسات الشاي الصينية مصفوفة ومنضدة في عروات كرتونية

 قال فارس الكرتونة: أنت كردي؟

صاحب الكرتونة، صاحب فراسة، وحسن النظر، وقوي العارضة إلى جانب بسالته ومروءته.

هزّ الشاب رأسه مبتسمًا.

سأله عن موطنه، فذكره له.

أنزل صاحب الكرتونة كرتونته، ومزق اللاصق الذي يوثق أجنحتها فانبسطت، ظهر فيها عدة باقات من كاسات الشاي الصينية مصفوفة ومنضدة في عروات كرتونية، وكان الشاب يظن أنه سيجد فيها يورانيوم منضبا أو مفاعلًا نوويًا أو آثارًا فينيقية.

 أخرج منها هارموني نصف دزينة وناولها للشاب، رفع الكرتونة على كتفه مرة ثانية، ومضى من غير وداع في الزحام مثل شوارزينغر بطل فيلم الترمينتيور.

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين