"الكبتاغون" السوري.. تجارة تدر المليارات بمشاركة حزب الله

تاريخ النشر: 26.09.2019 | 17:09 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:48 دمشق

تلفزيون سوريا - أسامة مكية

في يوم 26 من حزيران الفائت، خرج مدير إدارة المخدرات في وزارة داخلية النظام (رائد خازم) بتصريح لصحيفة "تشرين" الموالية وقال إن "سوريا نظيفة من صناعة وزراعة المخدرات"، ومبيناً في الوقت ذاته أن تجار المخدرات استغلوا الظروف التي تمر بها البلاد، ما أدى إلى زيادة تهريب وتجارة المخدرات.

لكن المفاجأة كانت بعد أقل من شهرين، ففي آب الماضي، ألقي القبض على اللواء خازم برفقة عدد من الضباط، بعد تورطهم باستبدال مواد مخدرة بأخرى غيد مخدرة، لتبرئة مجرمين، ومن ثم بيعها، إضافة إلى الاطلاع على زراعة الحشيش في أماكن سرية، لتنطبق بذلك مقولة "حاميها حراميها"، وتفتح الباب على الزراعة والإتجار بالمخدرات في سوريا، والتي تنامت في ظل الحرب بشكل كبير، لتصبح أحد أعمدة النظام الاقتصادية بمشاركة مع "حزب الله" اللبناني صاحب الباع الطويل في هذه التجارة منذ سنوات.

النظام وضع حزب الله في المقدمة، كون الحزب له باع طويل في هذه الأنشطة وجعله يسيطر على المناطق الحدودية لتسهيل تلك التجارة

قضايا و "لفلفة على السريع"

تعتبر قضايا المخدرات من أخطر قضايا الفساد، ورغم ذلك تتوالى الأخبار بشكل يومي عن إلقاء القبض على مروجي وتجار حبوب ومواد مخدرة، والتي تطول "تجاراً صغاراً" في غالب الأحيان، حيث يعتبر المقبوض عليهم أوراق ضغط بين المسؤولين والتجار الكبار.

ويحاول النظام من خلال “إدارة مكافحة المخدرات” باستمرار الكشف عن ضبط كميات من “الكبتاغون” في المناطق الخاضعة لسيطرته، دون الكشف عن مصدرها، وترى مصادر أن ضبط المواد المخدرة هو “إجراء شكلي” لا أكثر، وهو ماحدث فعلياً في قضية اللواء خازم، إذ تقول مصادر مطلعة لموقع "تلفزيون سوريا" إن "اللواء خازم قام برفقة عدد من الضباط بتبديل ضبط يحتوي على نحو 80 كيلوغراما من (الكوكائين) المخدر، ببودرة غير مخدرة، تبلغ قيمتها نحو 6 ملايين دولار".

المصادر أكدت أن "القضية في النهاية سيتم غض النظر عنها، والتكتم عليها، لأن تجارة المخدرات في سوريا ترتبط بالعائلة الحاكمة، والدليل على ذلك عدم إصدار سلطات النظام لأي بيان رسمي بخصوص ماحصل، واكتفت بسجنهم وتحويلهم للتحقيق، ففي تموز الماضي أيضاً تم ضبط شحنة مخدرات في مرفأ اللاذقية ضمن عبوات (المخلل)، والتي تعود لتاجر يعمل لصالح (حافظ منذر الأسد) ابن عم (بشار الأسد)، ومن بعدها لم يتم الحديث عن القضية".

شحنة واحدة بحجم صادرات سوريا عن عام !

خلال الأشهر الثلاثة الماضية تم الكشف عن شحنات المخدرات الكبرى في عدد من دول العالم كانت جميعها قادمة من سوريا، ففي شهر حزيران كشفت السلطات المصرية عن محاولة تهريب 480 كيلو حشيش ونحو خمسة ملايين ونصف حبة كبتاغون في ميناء دمياط مخبأة أسفل صناديق "تفاح"، كانت قادمة من ميناء اللاذقية السوري.

وفي تموز، كانت المفاجأة الكبرى، عندما ضبطت اليونان أكبر شحنة حبوب كبتاغون مخدر في العالم قادمة من سوريا، زاد عددها عن 33 مليون حبة، وتقدر قيمتها نحو نصف مليار يورو (660 مليون دولار)، حيث أشار موقع "أو زي واي" الأميركي أن "قيمة الشحنة المصادرة من اليونان، تزيد عن مجمل عائد الصادرات السورية لعام 2017 كاملاً".

والشهر الماضي، أحبطت "الإدارة العامة للجمارك" في الكويت محاولة تهريب نحو 4 ملايين حبة "كبتاغون" مخدر في ميناء الشيخ زويد قادمة من سوريا، حيث ضبطت الحبوب مخبأة داخل مواد بلاستيكية في حاوية تزن 7 أطنان".

وهذا يعني أن كمية الحبوب المخدرة التي تم الكشف عنها قد تصل لقرابة المليار دولار، من هنا يظهر لنا حجم هذه التجارة والعائدات المالية الضخمة التي تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، لكن السؤال أين وكيف تنتج المخدرات في سوريا؟ ومن المسؤول عنها؟

أحبطت "الإدارة العامة للجمارك" في الكويت محاولة تهريب نحو 4 ملايين حبة "كبتاغون" مخدر في ميناء الشيخ زويد قادمة من سوريا

مصانع مُصغرة ومناطق مغلقة!

لطالما تنفي سلطات النظام في سوريا علاقتها بشحنات المخدرات التي تضبط، وتؤكد أن سوريا بلد عبور وليست بلد إنتاج، وهو مالم يعد مقنعاً لأحد، خصوصاً مع التقارير الإعلامية والدولية وتقارير منظمة الصحة التي تؤكد "ازدهار صناعة وتجارة الحبوب والحشيش في سوريا"، بالتعاون مع ميليشيا "حزب الله" اللبناني الذي يسيطر على المناطق الحدودية بين البلدين.

موقع "تلفزيون سوريا" تواصل مع الناشط "أحمد التلي" في منطقة القلمون بريف دمشق وقال "تشكل المناطق الحدودية وتحديداً في قرى فليطة، ويبرود، وقارة مدينة صناعية مصغرة لحزب الله حيث يتم زراعة الحشيش في الأراضي الزراعية هناك بإشراف مباشر منهم، وسط تشديد أمني، حيث تمتد هذه المناطق إلى القصير بريف حمص وتحديداً في قرى المصرية وربلة وعرجون والنزارية، حيث يتم إرسال جزء من المحصول إلى الأراضي اللبنانية وبيع الجزء الآخر في سوريا أو يقوم بنقله براً باتجاه الأردن عبر معبر نصيب لإدخاله بطرق التهريب، وكل هذا بالاتفاق مع النظام".

وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد نشرت تحقيقاً بعنوان (صناعة الكبتاغون تزدهر في سوريا ولبنان) وأشارت فيه إلى أن "مواد أولية ثمنها بضعة آلاف كفيلة بتحقيق أرباح تقدر بملايين الدولارات".

وفيما يخص معامل تصنيع "الكبتاغون"، أوضح الناشط التلي أن "مصانع أو غرف إنتاج حبوب الكبتاغون منتشرة أيضاً في نفس المناطق، وتكون في أماكن نائية وبعيدة عن الأماكن السكنية، فهي لا تحتاج إلى معدات كبيرة ولا عمال كثر".

ويؤكد التلي نقلاً عن أحد العمال السوريين الذي كان يعمل سابقاً في معمل لتصنيع الكبتاغون بريف القصير أن “آلة إنتاج الكبتاغون هي نفسها الآلة التي تستخدم في صناعة (السكاكر) مع بعض التعديلات، ولا يحتاج تشغيلها إلى مهارة وخبرة كبيرة، وبإمكانها إنتاج حوالي 100 ألف حبة يومياً، وبمعدل 700 حبة في الدقيقة الواحدة".

ماعلاقة إيران ومرفأ اللاذقية؟

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن "موضوع تجارة المواد المخدرة لم يكن بجديد على سوريا، لكنه ظهر إلى العلن خلال السنوات القليلة، فالنظام بدأ يتعامل بهذه التجارة بوتيرة متسارعة منذ العام 2015، حين شعر بحاجته إلى الأموال بشكل كبير مع زيادة الإنفاق العسكري وانعدام باقي موارده التي يحصل من خلالها على القطع الأجنبي وبشكل أساسي بالتعامل مع حبوب الكبتاغون، التي تدر ملايين الدولارات بشكل يومي وبرأسمال بسيط".

خلال الأشهر الثلاثة الماضية تم الكشف عن شحنات المخدرات الكبرى في عدد من دول العالم كانت جميعها قادمة من سوريا

وأضاف الدكتور شعبو في حديث لموقع تلفزيون سوريا أنه "مع ازدياد الضغط الاقتصادي على النظام سارع النظام إلى زيادة التعامل بهذه التجارة، ما أدى لكشف عن عدد من العمليات الكبيرة بمئات الملايين من الدولارات خلال العام الجاري فقط، ما يدل على أهمية هذه التجارة وما تدره من عائد مالي كبير".

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن "النظام وضع حزب الله في المقدمة، كون الحزب له باع طويل في هذه الأنشطة وجعله يسيطر على المناطق الحدودية لتسهيل تلك التجارة، وبنفس الوقت عندما نتحدث عن حزب الله لا يمكن تجاهل إيران، فالعملية عبارة عن سلسلة مترابطة، حيث تسعى إيران للاستحواذ على مرفأ اللاذقية ليكون لها أول واجهة بحرية على البحر المتوسط، وهو ما يحدث حالياً من خلال الاتفاقيات التي وقعت مع النظام بخصوص إدارة وتشغيل المرفاً، وبالتالي تسهيل تجارة النفط والمواد المخدرة، فمعظم شحنات المخدرات التي تم ضبطها خلال الفترة الأخيرة كانت قد انطلقت من ميناء اللاذقية".