الكابوس

تاريخ النشر: 27.02.2018 | 14:02 دمشق

لنفترض أن ما جرى في سوريا، في السنوات السبع المنقضية، هو مجرد كابوس سيستيقظ منه السوري في الصباح، ويبدأ نهاراً جديداً.

نهاراً جديداً ؟.. يبدو الأمر، لغير السوري، كأنه الضوء في نهاية نفق الكابوس الليلي الذي أقلق نومه. لكن السوري يعرف أن الأمر ليس كذلك. هو ليس يوماً جديداً، بل يوم آخر في حياة ليست كالحياة. أو قل يوم آخر في كابوس مديد لكنه حقيقي، بعكس الكابوس الليلي الذي مضى وانتهى بابتسامة وبلا خسائر.

كابوس السوري في حياته الحقيقية هي (كانت) وقائع محسوسة وليست أحلاماً وهلوسات سرعان ما يبددها ضوء النهار. وقائع وعلاقات قوة/ خضوع غاشمة لا ترحم: سلطة كلية الحضور عبر أجهزة مخابرات سرطانية، تتبعها شبكة مخبرين واسعة متغلغلة في الجسم الاجتماعي، تحصي على الناس أنفاسهم، تذلهم، تبتزهم في أرزاقهم وأمنهم وكل

"مضى الابن على مألوف أبيه، بل زاد عليه في فجور القوة الغاشمة ووقاحتها، وفي جشع الثروة المنفلت من بعض ضوابط الأب."

مجالات حياتهم. هذه هي (كانت) "الحكومة" الحقيقية في سوريا، تعمل في خدمة طغمة حاكمة – مالكة، في مركزها عائلة الأسد ورأسها. أكمل الدكتاتور حافظ الأسد ثلاثين عاماً في الحكم المطلق، ولم يترك موقعه إلا حين مات، لابنه الذي أعده لوراثته.

مات الدكتاتور، إذن، لكن الكابوس لم ينته، فقد تناسل، بعد موته، في ابنه، محولاً النظام الجمهوري إلى حكم وراثي. ومضى الابن على مألوف أبيه، بل زاد عليه في فجور القوة الغاشمة ووقاحتها، وفي جشع الثروة المنفلت من بعض ضوابط الأب.

ربما يجب إعادة صياغة العلاقة بين الكابوس واليقظة كما يلي: في آذار 2011 استيقظ السوريون من نوم طويل، امتد على مدى عقود، مملوء بالكوابيس و(ظنوا أنهم) فتحوا عيونهم على نهار جديد مشرق. أزالوا الصدأ عن حناجرهم وصرخوا، للمرة الأولى في حياتهم، بما يشبه صرخة الوليد لحظة خروجه من رحم الأم. استغرب كثيرون صوتهم الخاص، وقالوا إنهم يسمعونه للمرة الأولى، في المظاهرات التي ملأت شوارع المدن والبلدات السورية.

شجعتهم الثورات الشعبية السلمية في تونس ومصر، حيث استسلم دكتاتورا البلدين خلال أسابيع قليلة، فقالوا لماذا لا نفعل ما فعله التونسيون والمصريون إذا كانت النتائج مضمونة إلى هذه الدرجة من الوضوح؟ نستطيع أن نفعل مثلهم وأكثر. لدينا من الأسباب والدوافع ما يفوق ما لدى الشعبين في تونس ومصر، وليبيا واليمن، والبحرين والأردن والسودان..

لم يمض وقت طويل على ثورة السوريين التي حطمت أصنام حافظ وداست على صور بشار، حتى تبين أن النظام يملك في جعبته الكثير من أوراق القوة، ولم يتردد في استخدامها جميعاً، بعدما اختار قرار المواجهة إلى النهاية مهما يكن الثمن، واتضح أنه ما من شيء يمكن أن يردعه عن خياره العدمي هذا إلا القوة المحضة القادرة على كسر قوته.

"كل دول الغرب انتقلت تدريجياً من اللامبالاة بآلام مخاض حرية السوريين، إلى تركهم لمصيرهم، إلى التدخل النشط لإفشالهم، وصولاً إلى التمسك بالنظام بدعوى الخطر الأصولي."

لم تقتصر أوراقه الرابحة على استخدام القوة العارية، وآلة الكذب الفعالة، والترسانة العسكرية المهولة، وتفخيخ المجتمع من داخله، وتحطيم روحه.. فكل ذلك لم يكف لإخضاع السوريين الذين (ظنوا أنهم) استيقظوا من الكابوس الأسدي المديد. لأن آلته القمعية أخذت تتفكك، وبلغ التحلل النواة الأمنية العليا (خلية إدارة الأزمة)، فاستعان بإيران وحزب الله لملء فراغ أدوات البطش، وصولاً إلى استقدام الجيش الروسي لحمايته من السقوط.

على الضفة الأخرى، وجد ما يغري به "خصومه" المفترضين، فكان أول الغزل لإسرائيل. "أمن إسرائيل من أمن النظام" قالها رامي مخلوف في أيار 2011. ومن وراء إسرائيل، كل دول الغرب انتقلت تدريجياً من اللامبالاة بآلام مخاض حرية السوريين، إلى تركهم لمصيرهم، إلى التدخل النشط لإفشالهم، وصولاً إلى التمسك بالنظام بدعوى الخطر الأصولي.

وهكذا تحول الاستيقاظ من الكابوس الأسدي المديد، إلى كابوس آخر أشد إيلاماً، لا يبدو أن نهايته قريبة. كل محاولات "المجتمع الدولي" السياسية تدور حول نقطة مركزية واحدة: إعادة السوريين إلى الكابوس الأول القديم، من خلال إقناعهم بوسيلة إيضاح لا تخطئ : الكابوس الثاني أشد هولاً من الأول! أما الاستيقاظ على شمس الصباح، فانسَوه أيها السوريون، لأنه لا يليق بكم.

هذا هو الدرس الأسدي – الامبريالي الذي يراد تلقينه للسوريين: أنتم غير جديرين بالحياة البشرية الطبيعية. عليكم أن تتمسكوا بعبوديتكم إلى الأبد!  

لكن محمد عبد الوهاب كان قد أعلنها منذ سنوات: "أنا إنسان، مالي حيوان، وكل هالناس متلي!".

إرادة مقابل إرادة.

هذه خلاصة التراجيديا السورية.