القوى السياسية التقليدية في مواجهة الديمقراطية والتنمية

القوى السياسية التقليدية في مواجهة الديمقراطية والتنمية

01 آب 2019

رافق وعي الإنسان حياته ونما مع نموها وشكلت آلية تفكيره ونشاطه العام ثنائية جدلية متلازمة في تأثيرها وتأثرها المستمرين، وهي صاعدة في بحثها الدائب لا عمَّا يحلُّ مشاكل الإنسان ويتجاوز عقبات دروبه الشائكة فحسب، بل في سعيه للإجابة عن تلك الهواجس التي تملأ روحه وتعبِّر عن طموحه ورغباته.. وقد راكم، عبر رحلته الطويلة، ويراكم في ذهنه ومجمل أدوات وعيه كماً من الوعي ما يني يزداد ويتسع متبدِّياً في أنماط أنشطته كافة، منتقلاً بأحوال الناس من الأدنى إلى الأعلى، ومن البسيط إلى المركب في عملية تشمل مفردات حياته كافة..

حين الدخول إلى حياة الإنسان السياسية في بلادنا، ورؤية مدى علاقتها بالإيديولوجيا وبالمنظومة الفكرية التي يستند إليها السياسي المعاصر في تعبئة أنصاره عبر خطبه وأدبياته وبرامجه تراها مشبعة بالفكر الديني والقومي بشقيه: "السوري القومي" و"القومي العربي" ثم الطبقي الاجتماعي.. لكن المدقق عن كثب يرى غيابها الكلي عن التحقق لدى مؤاتاة الظروف السياسية للقائلين بهذا الفكر أو ذاك..!

فما السر ولمَ لا تتجلى تلك الإيديولوجيا على الأرض ممارسة وتطبيقاً..؟!

رافقت الإيديولوجيا الإمبراطوريات الإقطاعية الرِقِّية ديناً يمكِّن للأسياد الإقطاعيين استعبادهم بمعونة الكهنة الوثنيين ومباركتهم مع فسحة للمفكرين والمبدعين في حقول الفلسفة والفنون.. ومع مجيء الأديان السماوية منح الإنسان جرعات من الحرية وفيض روحي تجلَّى في إطار من النصح والوصايا، والقليل من التشريعات التي تناسب بساطة تلك الحياة وتفصل بين الخير والشرِّ بعقوبات حاضرة، ومكافآت مؤجلة، ولتبقي الإنسان في دائرة عبودية أرباب الأرض، ووفق تلك التشريعات وتضييق على الفكر الآخر فناً وأدباً وفلسفة.. إذ إنَّ الحرية الحقيقية تعليل وانتظار إلى ما بعد الحياة الدنيا.. وبقي الأمر كذلك إلى أن تهتكت قلاع الإقطاعية بفعل الآلة الرأسمالية في العصور الحديثة، ومجيء المفكرين العلمانيين والمهتمين بشؤون بناء الدول والمجتمعات.. وليأتي كارل ماركس مبشراً بتحرير مفهوم الحرية ذاته من عبودية الملكية الفردية. لكن الأحزاب الشيوعية التي نابت عن ماركس في ذلك الفعل قد قتلت روح الإيديولوجيا بتأطيرها وفق رؤية السياسي ومصالحه، وبالتالي فشلها  المريع، ولتبقى الحرية حلماً للإنسان يتجدد مع تجدد بنائه على الأرض..

وإذا كان لنا أن نفصِّل قليلاً في تعاطي القوى السياسية للإيديولوجيا التي تبنتها في سوريا خصوصاً وفي البلاد العربية عموماً ومارستها في الواقع فيمكن رؤية ما يلي:

فيما يتعلق بالإسلام السياسي، يمكن تسجيل ملاحظتين أولهما:

لا بد من الفصل بينه وبين التدين الفردي الذي يملأ حياة الإنسان الروحية، ويجيبه عن أسئلته الوجودية، ويحقق له توازناً نفسياً يعينه على استمراره في حياته متماسكاً متفائلاً، إضافة إلى دوره في ترسيخ العديد من القيم الأخلاقية التي راكمها الإنسان عبر تاريخه الطويل، وتأكيد دورها في الواقع المعيش.. فالمقصود بالإسلام السياسي هو تلك الشعارات التي ترفع باسم الدين الإسلامي، وتتخذها الأحزاب والتيارات السياسية إيديولوجية لها وتمنح بالتالي، نفسها وأحزابها قدسية خاصة تطاول قدسية الدين نفسه بنيابة شخصياتها عن الله بالذات..؟!

أما الأمر الثاني فانطلاقة الإسلام السياسي مما خلفه فقهاء الدين لا من علماء العرب والمسلمين ومفكريهم الكبار المستنيرين بضوء العقل من أمثال الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن رشد، وابن باجة، وابن عربي، والمعري، وأبو بكر الرازي إلخ.. ورغم ذلك فقد نشأ هذا التيار السياسي أول ما نشأ على يد مفكرين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أيْ لدى إلغاء الخلافة الإسلامية مع نهاية الإمبراطورية العثمانية، وكانت له جمعياته الدينية ونواديه التي تحولت إلى أحزاب وتيارات سياسية في منطقتنا العربية مثّلها مفكرون حاولوا الإجابة على سؤال ما العمل؟! أو ما الحل لمشكلات هذه البلاد المتراكمة؟! وكيف لنا أن نواكب حضارة اليوم؟!

رفع السياسيون الإسلاميون المتأخرون شعار: "الإسلام هو الحل"

وعلى ذلك فقد رفع السياسيون الإسلاميون المتأخرون شعار: "الإسلام هو الحل". لكنهم، كما أشرت، نظروا إلى الفكر الإسلامي في سكونه واكتماله مهتمين أكثر بالجمهور الواسع كنصير لهم في وجه التيارات الأخرى اللهم إذا استثنينا "تركيا" و"ماليزيا" اللتين أخذتا بجوهر حضارة اليوم وروحها، وبنظم إداراتها العلمانية، وحافظت على فضائها الإسلامي فنهضتا، لتغدوَا قدوة ومثالاً..!

يقود الحديث عن مصطلح أو مفهوم الإسلام السياسي إلى التمعُّن في مسألة الإيديولوجيا عموماً كمرجعية سياسية أو منهج من جهة، وإلى الدين من جهة ثانية كفلسفة روحية لا تعتمد المعايير السياسية الدقيقة، ولا تقاس بمقاييسها التي تأخذ بالمصالح المادية اليومية لهذه الجماعة السياسية أو تلك، لهذا الحزب أو ذاك.. ولعلَّ وجود هذه الحال اليوم لا تنطبق من بين الأديان كلها إلا على الدين الإسلامي الذي تناول فقهاؤه شؤون الحياة كلها فلم يتركوا مجالاً لم يدسوا اسم الدين فيه حتى إن بعضهم أخذ يحاول إخضاع بعض النظريات العلمية في مجالات الطب والهندسة والفيزياء وسوى ذلك من العلوم إلى الدين متلمسين لها وجوداً ما في هذه الآية أو تلك إضافة إلى إسناد الكثير من الظواهر المدهشة التي تنتظر عالماً ما يفسرها.. وليست المشكلة هنا فحسب، فقد ينطوي هذا الأمر، في إطاره الواسع، على شيء من الصحة، بيد أنَّ جوهر المشكلة يكمن، في الخلافات التي تنشأ حول أمور دنيوية كثيرة.. وبالتالي يجري التنازع، ويجري التطاول على النص المقدس قسراً وتطويعاً وتحميلاً لرأي هذا الفقيه أو ذاك بعيداً، في أحيان كثيرة، عن القواعد المتبعة في التفسير والاستدلال وليس من باب المبالغة القول:

إن كل الخلافات الدينية التي جرت عبر التاريخ الإسلامي وما تولد عنها من مذاهب وطوائف تعود، في أصولها، لآراء سياسية لا دينية، بدءاً من اجتماع "سقيفة بني ساعدة" إلى ما جرى ويجري حالياً في سوريا من أمثلة حية تؤكد ذلك، ويمكن الإشارة، دون الدخول في أية تفاصيل، إلى داعش التي حاربت الفصائل الإسلامية كلها كمهمة أولى لها قبل التصدي للاستبداد السياسي الحاكم على أنه العثرة في وجه حضارة اليوم بابتعاده عن الديمقراطية كمناخ يفتح طاقات الشعوب لا بل إنها قد تحالفت معه كلياً أو جزئياً تجاه هذه القضية أو تلك وليست داعش وحدها في هذا الأمر فكثير من التنظيمات كفَّرت تنظيمات أخرى وحاربتها بناء على فتاوى يطلقها هذا الأمير أو ذاك..!

ومن جهة أخرى، وللهدف ذاته أيضاً، وجد بعضهم الآخر في ماضي العرب، وحضارتهم مجالاً لبعث تاريخهم العربي المجيد، واستعادته لبناء دولة قومية موحدة على المساحة الجغرافية التي سادها العرب وخاصة البلاد الواقعة في غرب آسيا وشمال إفريقيا.. ومن القوميين من رآها في غرب آسيا، أي في سوريا الكبرى فحسب..! وهكذا ذهب كل من هؤلاء للنبش في ماضي الأمة القريب منه والبعيد، ووضع النظريات، دون الأخذ بحركة الحياة والتاريخ، ودون النظر في تباين مستوى التطور بين دولة عربية وأخرى، وجرت محاولات لقسر الواقع الحالي بحسب أفق هذا الحاكم القومي أو ذاك رغم اختلاف الواقع على غير صعيد..!

وإذا كان الإسلاميون والقوميون قد استوقفوا الزمن قبل مئات القرون فإنَّ الأحزاب الماركسية التي ظهرت في زمننا الحديث قد وجدت في التجربة السوفيتية نموذجها الأمثل الذي يمكن أن يطبق في العالم كله.. فعملت على تسريع الزمن متجاوزة المكان بإغماضها العين عن تمايز البلدان في تطورها الاجتماعي والاقتصادي أو ما تقول به الماركسية ذاتها بـ"مستوى تطور القوى المنتجة"، وأتى منظرو أحزابها بفكرة ما يسمى بالقفزات الثورية التي استتبعت لدى فشلها بيروقراطية تعالت على الشعب، وقطعت مع الواقع ما أدى في النهاية إلى تخلف قاد إلى انهيار التجربة برمتها.. ورغم ذلك ظلت تلك الأحزاب وبخاصة في بلداننا العربية تمضغ تلك الإيديولوجيا بنسختها الأولى وتتخذ مواقف على أساسها ومن هنا جاءت مواقفها في مواجهة الربيع العربي بكل ما ينطوي عليه من آمال في الحرية وروح المواطنة الحقة والتنمية الشاملة إذ كان ممثلو تلك الإيديولوجيات في صفِّ عسكر الاستبداد القومي من جهة، وفي مواقع التطرف الإسلامي من جهة ثانية..

ويبقى السؤال، بل الأسئلة تنتظر إجاباتها.. هل ستبقى أمور بلداننا ومجتمعاتها، بعد كل هذه المآسي، على أوضاعها المزرية نخباً سياسية وحكاماً أم سيهتدي الجميع إلى أنظمة يتوافقون عليها، ويتقاطعون عندها..؟! أنظمة تفضي إلى تصالح مع حضارة اليوم روحاً ومفردات سبيلاً إلى بناء مجتمعات تشبه هذا العالم الذي نحيا فيه ولا يحيا فينا أعتقد بأنهم سيهتدون.. ويبدو لي أنَّ تلك التضحيات لن تذهب هدراً، فما هي إلا قرابين لذلك البناء الجديد المرتقب..!

مقالات مقترحة
النظام يلغي حظر التجول الليلي ويسمح بالسفر بين المحافظات
كورونا.. 20 إصابة جديدة في مناطق سيطرة "النظام"
16 إصابة جديدة بـ كورونا في مناطق سيطرة النظام
تسجيل 948 إصابة بفيروس كورونا في تركيا خلال يوم
ارتفاع إصابات ووفيات كورونا في السعودية والأردن ولبنان
حصيلة المتعافين من كورونا في تركيا تتجاوز الـ 120 ألفاً
طائرة مسيرة تغتال قائداً ميدانياً في الجبهة الوطنية جنوب إدلب
ماذا وراء تصريحات روسيا عن خرق "هيئة تحرير الشام" لاتفاق إدلب؟
فصائل المعارضة تحبط محاولة تسلل لقوات النظام في جبل الزاوية