القصة المنسية لمخيمات اللجوء الأوروبية في سوريا والشرق الأوسط

تاريخ النشر: 03.03.2020 | 18:49 دمشق

آخر تحديث: 04.03.2020 | 13:54 دمشق

تلفزيون سوريا - ترجمة ربى خدام الجامع

نزح آلاف اللاجئين هرباً من الحرب، وارتحلوا في عموم أرجاء شرق المتوسط، في رحلة محفوفة بالمخاطر، إلا أن حلمهم بملاذ آمن على الطرف الآخر كان كبيراً للغاية.

كلا، هذا ليس البلاء الذي يعيشه اللاجئون السوريون الذين أصابهم اليأس بعد عدم تمكنهم من الفرار بعيداً عن الخراب الذي لحق بموطنهم وإيجاد حياة أفضل وأكثر أمناً في أوروبا، بل إن هذه القصة تدور حول القضية الغريبة التي أصبحت منسية الآن لآلاف الناس من أوروبا الشرقية ودول البلقان الذين تم إيواؤهم في عدد من المخيمات التي أقيمت في مناطق مختلفة ضمن الشرق الأوسط، ومن بينها سوريا، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية.

إذ مع تدفق آلة الحرب النازية والسوفييتية نحو أجزاء من أوروبا الشرقية ودول البلقان، تم تهجير عدد كبير من المدنيين إثر ذلك. وفي المناطق التي احتلتها القوات الفاشية، تعرضت المجتمعات اليهودية وغيرها من الأقليات غير المرغوب بوجودها لأقسى المجازر وأعنفها، ولكن بالنسبة للآخرين لاسيما هؤلاء الذين دارت الشكوك حول دعمهم للمقاتلين الموالين لأحزاب وطوائف أخرى، فقد تعرض هؤلاء أيضاً لهجمات استهدفتهم وأجبرتهم على إخلاء مناطقهم.

وفي خضم تلك الاضطرابات، كان طريق الهروب الأوضح بالنسبة لبعض اللاجئين الأوروبيين هو الطريق المتجه جنوباً وشرقاً، فقد فر العديد من الكروات من سكان البلاد الأصليين الذين يعيشون على ساحل دلماسيا نحو جزيرة فيز في البحر الأدرياتيكي، أما اليونانيون المقيمون في جزر دوديكانيسيا المنتشرة في بحر إيجة، فقد وجدوا بأن طريقهم للحصول على الحماية البريطانية يمر من قبرص.

وقد ساعد المخطط الذي ترأسته بريطانيا والذي يعرف باسم إدارة الشرق الأوسط للإغاثة واللاجئين والذي تم إطلاقه في عام 1942 وعمل على تسيير أموره موظفون يقيمون في القاهرة، بإعالة ما يقرب من 40 ألف بولندي ويوناني ويوغوسلافي (وبحلول عام 1944 وضعت هذه المبادرة تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة أي المصطلح الرسمي لعصبة الأمم". فقد توزع اللاجئون خلال تلك الفترة بين المخيمات التي أقيمت في مصر وجنوب فلسطين وسوريا، أجل سوريا، فحلب التي تعتبر مركزاً حضارياً منذ القدم كانت تعيش مرحلة ازدهار عندما تحولت إلى محور حقيقي لاستقبال اللاجئين والمنفيين والجواسيس خلال أربعينيات القرن الماضي.

imrs.jpg

وبحسب ما ورد في دراسة حول هذه المخيمات نشرتها محطة بابليك راديو إنترناشيونال في نيسان عام 2016، فقد استقطبت الجهود المبذولة في هذا السياق العديد من مجموعات ومنظمات الإغاثة الدولية ودفعتها للانخراط بالعمل في تلك البقعة، فساعدت في تأمين الغذاء والمأوى للاجئين وكذلك في تعليم مئات الأطفال من اللاجئين، وقد وصفت تلك المحطة عملية توطينهم تلك بما يلي:

"بمجرد التسجيل، يخضع الوافدون الجدد لفحص طبي شامل، حيث يتوجه اللاجئون نحو ما كان يعرف باسم مشاف مؤقتة ميدانية، وهي عبارة عن خيم في بعض الأحيان، أو أبنية فارغة في أغلب الأحيان تمت إعادة تجهيزها لتعمل على توفير الرعاية الطبية، وهناك يتعين على اللاجئ أن يخلع عنه ملابسه وحذائه ثم يستحم إلى أن يتيقن الموظف المسؤول أنه حصل على قدر كاف من التعقيم".

بعض اللاجئين ومن بينهم اليونانيون الذين وصلوا إلى مخيم حلب من جزر دوديكانيسيا في عام 1944 كانوا يخضعون لفحص طبي بشكل يومي.

 وبعدما يتأكد الموظفون العاملون في المجال الطبي بأن هؤلاء اللاجئين يتمتعون بصحة جيدة تخولهم الانضمام إلى بقية اللاجئين في المخيم، يتم توزيع هؤلاء اللاجئين على أماكن المعيشة المخصصة للعائلات، وتلك المخصصة للأطفال الذين أتوا دون صحبة أحد، وأخرى مخصصة للعزاب من الرجال، وكذلك مثلها للعازبات من النساء. وبمجرد أن يتم فرز اللاجئ إلى قسم معين ضمن المخيم، يحصل اللاجئ على حق الخروج لبعض الوقت من المخيم، إذ كان بوسع اللاجئين الخروج في معظم الأحيان تحت إشراف الموظفين المسؤولين عن إدارة المخيم.

وعندما يقوم لاجئ من مخيم حلب بالتوجه في رحلة إلى المدينة التي تقع على بعد بضعة أميال، يمكنه أن يذهب إلى السوق لشراء بعض الحاجيات الأساسية، أو لمشاهدة فيلم في دور السينما المحلية، أو الاستمتاع بالتلهي بعيداً عن رتابة الحياة في المخيم. وبالرغم من أن المخيم الذي أقيم في منطقة عيون موسى (بمصر) يبعد عن الصحراء مسافة تتجاوز 100 فدان، أي أنه لم يكن على مسافة يمكن قطعها سيراً على الأقدام وصولاً إلى المدينة، ومع ذلك كان يسمح للاجئين أن يمضوا بعض الوقت يومياً عبر السباحة والاستحمام في مياه البحر الأحمر القريب من تلك المنطقة.

5454.JPG

كانت الظروف سيئة، لكنها لم تكن تعيسة بالمجمل، إذ أقيمت ملاعب ومسارات خصصت لممارسة الرياضة وللاستمتاع بشيء من الترفيه والتسلية، كما كان بوسع المقيمين الذين يرغبون بكسب قوت يومهم أو بممارسة مهنة ما أن يقوموا بذلك بكل بساطة، بل كان بوسعهم تعلم تلك المهن عبر تلقي تدريب مهني. وفي حالات أخرى، كان اللاجئون يضطرون لممارسة مهن وضيعة. وفي بعض الأحيان كان يتم تقنين الطعام، بيد أنه كان بوسع اللاجئين شراء مستلزماتهم من المتاجر المحلية. وكان المسؤولون عن إدارة المخيم يقومون بعرض مسرحيات وغيرها من الحفلات والفعاليات الترفيهية.

وغالباً ما كانت سياسة الأوطان تظهر من خلال ظروف المنفى التي يعيشها اللاجئون، فبحسب إحدى الروايات حول مخيم الشط في صحراء مصر، سيطرت كوادر يوغوسلافية متعاطفة مع الشيوعية على عملية تسيير أمور المخيم، فأخذ هؤلاء يمارسون حالة من التنمر ضد من لم ينضموا لصفوفهم على الفور، كما حاولوا أن يلقنوا الكثير من الأطفال مبادئ دعوتهم وأفكارهم.

ولكن بالعموم كان بوسع الأطفال أن يحصلوا على تعليم أولي على أقل تقدير، فبحسب التفاصيل التي أوردتها محطة بابليك راديو إنترناشيونال فإنه:

"بالنسبة للجزء الأكبر، فإن الصفوف الدراسية في مخيمات اللاجئين التي أقيمت في الشرق الأوسط كان فيها عدد ضئيل من المعلمين مقابل عدد هائل من الطلاب، إلى جانب النقص في المستلزمات والازدحام الشديد والمعاناة الناتجة عن ذلك. إلا أن هذا الوضع لا يمكن تعميمه على كل المخيمات. ففي مخيم النصيرات على سبيل المثال قام لاجئ فنان برسم الكثير من اللوحات ونشرها على كل جدران روضة الأطفال التي أقيمت داخل ذلك المخيم، مما أضفى على الصفوف شيئاً من الإشراق والبهجة. وكان الموسرون من السكان في تلك المنطقة يتبرعون بالألعاب والدمى لتلك الروضة، الأمر الذي دفع أحد المسؤولين عن إدارة ذلك المخيم بالتعقيب على ذلك بأنه: "يمكن مقارنته بشكل إيجابي مع ما يفعله كثيرون في الولايات المتحدة".

5555.JPG

وفي تلك الفترة، قامت إيران بموجب خطة مماثلة بالمشاركة في توطين الآلاف من البولنديين الذي هربوا من المذبحة النازية ومخيمات العمل السوفييتية، إذ يعتقد أن عدداً يتراوح ما بين 114 ألف و300 ألف بولندي قد وصلوا إلى إيران بين عامي 1939 و1941، وذلك عندما وصلت موجات من المهاجرين اليائسين والمصابين في أغلب الأحيان بأمراض شديدة لسواحل إيران على بحر قزوين.

ويصور الفيلم الإخباري الأمريكي الرائع هذا الذي تجدون صوراً منه أعلاه مخيماً للاجئين البولنديين عمل الصليب الأحمر الأميركي على تجهيزه في شمال إيران، حيث عمل البولنديون الفارون من الحرب على المحافظة على لغتهم وعاداتهم كما هي وهم يحرثون في الوقت ذاته التربة القديمة لبلاد فارس، ويتلقون تدريباً وهم يصطفون في طوابير تمثل الجيش البولندي الجديد المعادي للفاشية.

إذ بالنسبة للكثير من البولنديين كان الوصول إلى إيران يبعث فيهم الكثير من الراحة النفسية، حيث يمضون فترة راحة يستريحون فيها من صدمتهم بالفظائع التي ارتكبت على يد النازيين والسوفييت. وكان الشعب الذي يضيفهم يستقبلهم بالأحضان، إذ بحسب ما أورده أستاذ مدرسة بولندي من ذكريات حول إقامته في مدينة أصفهان، فإن: "الشعب الفارسي الودود احتشد حول الحافلات وأخذ يهتف بما ينبغي له أن يهتف من كلمات الترحيب وهو يرمي بعطايا من التمر والجوز والبازلاء المحمصة مع الزبيب وفاكهة الرمان الغضة من النوافذ المفتوحة".

وفي نهاية الأمر، وبعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، عاد أغلب اللاجئين الأوروبيين الذين أقاموا في إيران ومناطق أخرى في الشرق الأوسط إلى بلادهم أو انتقلوا إلى مكان آخر. غير أن الذكريات الإيجابية حول إقامتهم في الشرق الأوسط لا تذكر إلا قليلاً في أي حوار معاصر يجري اليوم حول تدفق المهاجرين المسلمين نحو أوروبا في الوقت الراهن، ما دفع الحكومة اليمينية البولندية لمعارضة فكرة إيواء أي لاجئ سوري بشدة.

ووفقاً لمقالة نشرتها أسوشيتد برس عام 2000، مازال هناك 12 ناجيا ممن فروا خلال النزوح الكبير من بولندا يعيش في إيران، وقد عاش هؤلاء حياتهم بشكل طبيعي وتزوجوا من أبناء وبنات تلك البلاد، ولم يكن لهؤلاء وشائج قربت بينهم بشكل خاص، إذ بحسب ما ورد في تلك المقالة فإن هؤلاء: "يجتمعون في مناسبات مثل عيد الميلاد في سفارة بلادهم أو في حفلات لم شمل تقام نادراً"، ويعقب كاتب تلك المقالة على ذلك بالقول: "لعل هؤلاء يرغبون بنسيان المأساة التي تجمع بينهم".

المصدر: واشنطن بوست

مقالات مقترحة
كورونا يواصل انتشاره في الهند وتحذيرات من موجة ثالثة "حتمية"
 تركيا.. 10 ملايين شخص تلقوا جرعتين من لقاح كورونا
قرار جديد للداخلية التركية حول الأسواق فترة الحظر يثير جدلاً