القبيسيات والمخابرات السورية

القبيسيات والمخابرات السورية

الصورة
03 تشرين الأول 2018

خالد المطلق

كاتب في الشؤون العسكرية والأمنية.

منذ استلام الأسد الأب للحكم في سوريا عمدت أجهزة المخابرات السورية على احتواء أي حزب أو تجمع أو ظاهرة لاسيما إن كانت دينية الطابع، وذلك لسببين رئيسين:

  • الأول إظهار النظام وكأنه يرعى الإسلام، وهو الذي طالما اتُهم بالطائفية نتيجة ممارساته في المجتمع السوري.
  • والثاني  الخشية من نشوء وانتشار تنظيماتٍ إسلاميةٍ معاديةٍ له لا يستطيع التحكم بها.

 لهذين السببين شجّعَ النظام السوري قيام حركات إسلامية "دعوية" غير سياسية، وسمَحَ لبعض المشايخ المقربين منه من أمثال المفتي السابق الشيخ أحمد كفتارو والشيخ سعيد رمضان البوطي بإقامة حلقات خاصة بتدريس الدين الإسلامي ضمن المعاهد الشرعية والمساجد.

 ومن رحم تلك الحلقات أسَّسَت منيرة القبيسي تجمعاً عُرف باسم القبيسيات خلال فترة السبعينات بدعمٍ من الشيخ كفتارو، ومنذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي شهد المجتمع السوري نوعاً من المدّ الإسلامي - الموصوف بالمعتدل -  في أوساطه، حيث اكتظت المساجد بالمصليين ولا سيما يوم الجمعة من فئة الشباب على وجه الخصوص، كما ازداد إقبال النساء والفتيات على الدروس والحلقات الخاصة بحفظ القرآن الكريم، وربما كان للفساد الاقتصادي والسياسي دورٌ في تغذية التيارات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة، بعدما قطع النظام السوري الطريق أمام أي انفتاح سياسي، ولا سيما بعد محاربته لجماعة الإخوان المسلمين، ليجد الشباب فرصتهم للانخراط ضمن هذه التيارات.

وكان التجمع محظوراً في سوريا، وقد تعرضت بعض عضواته للملاحقة والاعتقال، وظل الأمر كذلك حتى عام 2006 عندما رفع النظام السوري الحظر عنهن شريطة أن تقام حلقاتهن ضمن ما يسمى بالمعاهد الشرعية في المساجد، فاستطاعت القبيسيات التواجد داخل المجتمع الدمشقي لا سيما ضمن طبقاته الغنية، وساعدهن عاى ذلك الطابع الإسلامي لدى بعض الأسر، بالإضافة لانتماء القيادات النسائية ضمن التجمع للعائلات المعروفة، كما اشتهرن بافتتاح عدد من المدارس الخاصة، وكأن الهدف من ذلك استهداف الأطفال وتعليمهم أصول العقيدة الإسلامية – حسب الرؤية الصوفية - منذ الصغر بغية السيطرة عليهم وزرع الأفكار المدروسة بدقه في عقولهم، ومن خلال الشيخات المنتميات للطبقات الغنية في دمشق والمنخرطات في التجمع فقد نلّن ترخيص عدد من المدارس، وقد بلغ تعدادها مئتي مدرسة في سوريا، ما عبّد الطريق أمامهن لمزيد من التوسع والانتشار.

ويُقدر عدد المنتميات إلى الجمعية حاليا بأكثر من 90 ألف تلميذة في سوريا وخارجها، ويطلق عليهن في الأردن الطّباعيات نسبة إلى شيختهن فادية الطباع،

من الملفت للنظر في تركيبة هذا التجمع المركزية تمجيد الشيخة أو الآنسة كما يسمونها لدرجة كبيره جداً، اذ يجب أن تقّبل التلميذة يد شيختها وتجلس على الأرض منحنية أمامها وتشرب فضلات الماء من كأسها وأن تكون كالميتة بين يديها.

وفي لبنان السّحريات نسبة إلى شيختهن سحر حلبي، وفي الكويت يسمين بنات البيادر، ولهن بعض الانتشار في بلاد الاغتراب الأوروبية والأمريكية وفي أُستراليا بحكم زواجهن من مغتربين هناك، وعند التدقيق في هيكلية التجمع نجد أن بنيته التنظيمية تعتمد على الحلقات، وكل حلقه تتألف من مجموعات تتولى كل شيخة إدارة إحداها، وتلقب الشيخة بـ الخالة الكبيرة ولها احترام كبير من قبل الطالبات وأسرهن، ويأتي في مرتبة أقل منها مجموعة من المريدات أو الخالة أو الآنسة، ويتولين زمام قيادة حلقات القبيسيّات بنيةٌ سلطويةٌ نسائيةٌ سرّيةٌ خاصّةٌ على درجةٍ عاليةٍ جدّاً من القدرة والقوة والنفوذ، ومن الملفت للنظر في تركيبة هذا التجمع المركزية تمجيد الشيخة أو الآنسة كما يسمونها لدرجة كبيرة جداً، إذ يجب أن تقّبل التلميذة يد شيختها وتجلس على الأرض منحنية أمامها وتشرب فضلات الماء من كأسها وأن تكون كالميتة بين يديها.

وإذا ما خيّرت بين خدمة الجمعية وترك الزوج فعليها اختيار هذه الخدمة! غير أن ما يثير الدهشة هو اعتقاد الطالبات بمقدرات الخالة الكبيرة الروحية، إذ تعتقد الطالبات أن الخالة تستطيع قراءة أفكارهن وتعلم ما يتحدثن به في سرّهن وكما تعتقد الطالبات أن الله كشف الغيب عن الخالة الكبيرة، فقد اعتدن أن يشاورنها علّها ترشدهن لما سوف يأتي في الامتحانات النصفية والنهائية، حيث تقوم بإمساك المقررات المدرسية والجامعية ومن ثم تغمض عينها وتتمتم بعض الآيات لتفتح بعد ذلك تلك المقررات وتحدد الفقرات التي سوف تأتي منها الأسئلة! وهذا يدل على أن هذه الجماعة ومثيلاتها من التنظيمات الإسلامية " المصنّعة على عين النظام - تعتمد على غسيل عقول منتسبيها للسيطرة عليهم بشكل كامل خدمة لهدف قد يكون لا علاقة للدين به، وهذا ما ظهر بشكل واضح في موقف القبيسيات من الثورة السورية بما لا يدعو مجال للشك، إذ سيطر نظام الأسد على هذه الجماعة واستطاع توجيهها بما يخدم مصلحة الأسد وعصاباته.

وقد تجلى ذلك في بداية الثورة عندما عرف رأي القبيسيات بأنهن مع الصمت وعدم الدخول في السياسة بأي شكل من الأشكال من قبل الثورة وما بعدها، لكن الأمر اختلف وأصبحت الجماعة مؤيده لنظام الأسد من خلال الكثير من المواقف التي برهنت على تأييد هذه الجماعة لبشار الأسد المجرم الذي قتل شعبه ودمر بلاده، وكل هذا لم يحرك إحساس من يدعين الإسلام بل كنّ خنجرًا مسمومًا في صدر الثورة، وأداة لإظهار المجرم أمام العالم على أنه ضحية الإرهاب! وقد برز هذا الأمر بشكل واضح عندما ظهرن عبر وسائل إعلام الأسد وهنَّ يجتمعن مع المجرم بشار الأسد ووزير أوقافه عام 2012، ليستخدمهن النظام بإظهارهن وكأنهن المدافعات عنه والساكتات عن إجرامه بحق المدنيين، والأخطر إعطاء انطباع للعالم أن من قام ضد بشار الأسد ونظامه لا علاقة لهم بالإسلام المعتدل لأن هؤلاء ومشايخهن من يمثل الإسلام الحقيقي المعتدل! لتلصق تهمة الإرهاب بكل الشعب السوري الثائر، وقد وتكرر ذلك وبكل صلافة عام 2014 عندما نشر إعلام الأسد مقطعا" للقبيسيات يعلنّ فيه تحت قبة المسجد الأموي في دمشق ولائهن للمجرم بشار الأسد وتجديدهن البيعة له، وفي خطوة غزل وتملق بين القبيسيات ونظام الأسد صرّحت معاونة وزير الأوقاف سلمى عياش: أن النظام السوري في عهد بشار الأسد نقل العمل الديني النسائي من البيوت حيث الظلام والضبابية إلى المساجد حيث النور والضبط.

وسلمى عياش أول امرأة يتمّ تعيينها في منصب معاون وزير الأوقاف في سوريا وذلك في ربيع عام 2014، والتي تكلمت عن فقه الأزمة والذي أدرجه شيوخ النظام ووضعوا أسسه بشكل لا يمت لواقع الثورة ولا الدين بصلة، وهناك أيضًا من القبيسيات شخصيات مقربة جدًا من أصحاب القرار في سوريا من أمثال خلود خادم سروجي ‏المستشارة الإعلامية لوزارة الاوقاف السورية‏ ومسؤولة الدعوة والإرشاد‏ لدى الوزارة ومدرسة دينية وداعية في جامع العثمان‏ في مدينة دمشق‏ ومشرفة معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم‏ لدى ‏وزارة الأوقاف السورية‏، وفي الشهر الخامس من عام 2014 وبعد كل أنواع الجرائم التي قام بها الأسد الابن نشاهد خلود السروجي تتحدث من جامع بني أمية الكبير بدمشق وفي اجتماع حاشد لداعيات دمشق وريفها تخلله حفل أقرب أن يكون راقصًا بمناسبة الاستحقاق الرئاسي! عن الأجواء الديمقراطية التي تسود سورية بوصف سورية متقدمة على كل بلدان العالم الثالث بحضارتها وعطاء قائدها ومؤسساتها الدينية والتعليمية! مبينة أن بشائر النصر تلوح في أفق دمشق! وإن الاستحقاق الرئاسي هو تعبير عن وجودنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا!

وأيضا" الداعية سوسن فلاحة التي تحمل دكتوراة من كلية الدعوة والإعلام معهد الشام العالي مجمع الشيخ أحمد كفتارو‏ في ‏دمشق‏ وتحمل ‏إجازة في اللغة الانكليزية‏، والتي تحدثت في المناسبة نفسها في جامع بني أمية أن الاستحقاق الرئاسي في مثل هذه الظروف يتطلب أن نقول كلمة الصدق مع الله أولاً! ومع الوطن ثانياً! فنعم للوحدة الوطنية التي كانت وستبقى عنواناً لسورية الحبيبة ودعت فلاحة إلى اختيار من يتكلم بلسان أبناء الأمة ونبض شارعها ويحمل هموم الوطن وأبنائه ويدعم المقاومة والمقاومين بشار الأسد!! وأيضًا أميرة جبريل وهي شقيقة أحمد جبريل الزعيم اليساري الفلسطيني وأحد أهم أدوات الأجهزة الأمنية السورية، ومن هنا لا يمكن أن يقتنع أحد بأن هناك تنظيمًا ما سرياً داخل سوريا قبيل الثورة وحكم الأسد الأب والابن، فكل الحركات الإسلامية والأحزاب على اختلاف توجهاتها

من الممكن أن هذه الجماعة سرّية بالمعنى الشعبي أي أن الشعب لا يعرف الجماعة عن قرب، أمّا أجهزة مخابرات الأسد فهي تملك الكثير من المخبرين والمخبرات لن يخفى عليها هكذا أمرّ

اخترقت واكتشفت فكيف بحركة نسوية وفي قلب دمشق العاصمة؟  ذلك لمن يعرف النظام القمعي المخابراتي قبل الثورة يعلم أن الأمر لا يعدو أوهامًا في أن تكون هناك تنظيمات سرية، والأكثر تهريجاً أن تكون إسلامية وحتى لو لم يكن لها علاقة بالسياسة فحفل العرس وافتتاح محل للحلاقة يحتاج موافقة من أحد فروع شعبة الأمن السياسي!

أمّا عن ارتباط هذه الجماعة بالأجهزة المخابراتية فيبدو أن الأمر ليس واضحًا فهناك من يشير إلى أنها لم تكن علاقة مباشرة مع أجهزة المخابرات السورية، وقد اقتصر دور هذه الأجهزة على مراقبة ومتابعة الجماعة فقط دون التدخل في شؤونها إطلاقا وترك أمر توجيهها والتحكم بها الى المشايخ المتحكم بهم أصلاً من القصر الجمهوري، ومن الممكن أن هذه الجماعة سرّية بالمعنى الشعبي أي أن الشعب لا يعرف الجماعة عن قرب، أمّا أجهزة مخابرات الأسد فهي تملك الكثير من المخبرين والمخبرات لن يخفى عليها هكذا أمرّ وخصوصاً بعيد أحداث الإخوان المسلمين واعتقاله لمئات الألاف من الشعب السوري على مدار السنين من كل التوجهات وحتى من لا يملك أي توجه فكيف بجماعة صُنعت على عينها لتكون نسخة صوفية تشابه السلفية الجامية المدخلية التي تحرّم الخروج على الحاكم ولكنّها نسخة نسوية !

نستطيع القول: إنّ النظام السوري استطاع الدخول  إلى البيوت السورية بكل الطرق والوسائل، دخل مشتتاً لها ومدمراً للبنى الاجتماعية ومستفيداً من الخطاب الديني المصاحب له عالمياً ومحلياً، ولهذا لن يغفر الشعب السوري لأي كائن وقف مع النظام القاتل ولو بشطر كلمة، فالنظام الذي يضرب شعبه بالبراميل المتفجرة والكيماوي ودمر البلد على رؤوس أصحابها وهجّر الملايين ونكّل بهم واعتقل مئات الألوف وقتلهم تحت التعذيب الممنهج وجوعهم وحاصرهم وقطع عنهم كل سبل الحياة أياً كان صفته الدينية أو الاجتماعية فقول الحقيقة وكلمة الحق هو خير ما جاء به الإسلام والذي تتزين به القبيسيات وأي جماعة إسلامية أخرى على وجه الأرض، ويبقى الشقّ المهم الذي يحتاجه القارئ هو الشقّ العقدي لهذه الجماعة وهذا مرهون بضمائر العلماء والمشايخ الثقات الأفاضل .

شارك برأيك