القاسم المشترك الغائب واليقظة الواجبة

تاريخ النشر: 05.01.2020 | 16:45 دمشق

آخر تحديث: 05.01.2020 | 23:03 دمشق

عندما يرحل المرء عن هذه الدنيا، لا يأخذ معه إلا ذكراً يبقى في التاريخ، وذاكرة الناس. الفرق شاسع بين من يترك جروحا وآلاماً لا يشفيها الزمن؛ ومن يترك ذكراً عطراً وبلسماً للجراحات ذاتها. نجوى قاسم، و قاسم سليماني يجمعهما اسم "قاسم"، ويتقاسمان الموت؛ ولكن لا "قاسم مشترك بينهما". وهنا يبقى السؤال: لماذا يفرح معظم السوريين لموت قاسم سليماني، ويحزنون حزناً شديدا لرحيل نجوى قاسم؟!

قاسم سليماني نبش بأفعاله الإجرامية ونكأ جروحاً عمرها قرون بين الفرس والعرب، وأضاف إليها مساهمة بتشريد ملايين السوريين، وتهديم بيوتهم، وباعتقالهم، وتحكيم المستبد بهم.. جلب الجنرال الفارسي آلاف المرتزقة ليستبيحوا حياة السوريين قتلاً وتدميرا. هو الذي قاد أشرس معارك عسكرية كان المدنيون السوريون ضحيتها الأبرز كمعركة حلب الشرقية: هو مَن أدخل وأشرف على ميليشيات "حزب الله" وكتائب "أبو الفضل العباس" في أشرس معارك ارتُكِبَت فيها جرائم حرب في الزبداني وداريا والقصير والغوطة الشرقية. إنه السبب الأبرز في حدوث أكبر عمليات تهجير قسري ممنهج نتج عنها تغيير ديمغرافي حقيقي. لقد عمّق سليماني الشروخ الطائفية داخل المجتمع السوري، وغيّر الهوية الديمغرافية لكثير من المناطق السورية. لقد استغل التجويع والإهانة التي خلقها نظام الاستبداد وفاقمها بمغريات عيش لميليشيات من الداخل السوري بتشكيل كتائب قتل رديفة تحمي الاستبداد وتمكنه من الاستمرار بإجرامه.

تمكن سليماني من المنظومة الحاكمة، وجعلها طوع بنانه؛ فألغت كل صوت مخالف، يمكن أن يخمد النار السورية؛ وما القضاء على ما سُمِّي "خلية الأزمة" إلا مثالاً صارخاً على ذلك؛ وقد ثبت بالدليل مساهمة إيران بنسفها. سليماني هو من برمج وأقنع هذا النظام الهزيل بأن بقاءه لا يكون إلا باستخدام القوة الغاشمة في قمع أي صوت معارض، وأن التوتر هو شريان حياته؛ فبفضل سليماني كانت أي فرصة لحوار أو مفاوضات لإيجاد حل سياسي للقضية تتواقت مع توتر عسكري أو فعل إرهابي يزيح الأنظار والاهتمام عن حل للمأساة السورية. 

كان قاسم سليماني رأس حربة المشروع الفارسي في المنطقة

لقد كان قاسم سليماني رأس حربة المشروع الفارسي في المنطقة. حمل لقب "قائد فيلق القدس"؛ ولكن لم يكن له علاقة بالقدس إلا بالاسم. فلا يمكن تحرير القدس بقتل الفلسطينيين والسوريين أصحابها.

بالمقابل تجاوز السوريون مهنية وحرفية نجوى قاسم، وتجاوزوا أنها كانت "حدث اليوم" والأمس وغداً كإعلامية تجاوزوا معايير تألق المحاور المجتهد المتمكن من مادته، الخبير بقضايا يطرحها؛ والتفتوا إلى البعد الإنساني والأخلاقي في شخصها، التفتوا إلى حسها المرهف تجاه عذاباتهم ودموعهم وأوجاعهم والظلم الذي وقع عليهم من خلال تفاعلها الطيب مع قضيتهم ومأساتهم.

تصعب الإحاطة بما قاله ملايين السوريين عنها كأسطورة إعلامية وكفراشة بحسها الإنساني، وكصقر بجرأتها الأخلاقية. رأوها ضميراً حياً تماهى مع أنينهم.

سيتذكّر السوريون أنه عندما خاطبها يوماً ضيف إسرائيلي: بـ"عزيزتي نجوى"، قد قاطعته قائلة: {صعب أن أكون عزيزة على إسرائيلي}، فنجوى تتجاوز المحطات وإداراتها ومموليها ومنافقيها. نجوى هنا الأصيلة، العلامة الفارقة،  صاحبة الوجدان والضمير الحي؛ نجوى هنا  المقاومة والممانعة لمغتصب الارض والحقوق وراعي الدكتاتوريات. 

كانت نجوى قاسم كما قال بعض السوريين أكبر من مذيعة، وأكبر من إعلامية

سيتذكرها السوريون عندما تختم لقاءها مع ضيفة سورية، وتسمع آخر كلماتها عندما تقول: /لا تنسونا!/؛ فتعلق نجوى قاسم: لم يعد لدي كلام؛ ارتبك؛ أعجز؛ أحزن؛ قلبي يبكي يتمزق. وشخصياً، لا أنسى ما حييت تلك الغصة وتلك الدموع، عندما أسمعتها تسجيلاً لسورية تستغيث. لقد كانت نجوى قاسم كما قال بعض السوريين أكبر من مذيعة، وأكبر من إعلامية.

تناول أصدقاء على صفحاتهم ما سمّوه "الفرحة الناقصة والغصة" في عدم إذاعة نجوى قاسم لخبر نفوق هذ الوباء على منطقتنا، قاسم سليماني. كتب أحدهم: "نجوى قاسم؛ كم كنت أتمنى أن تذيعي مقتل قاسم سليماني بنفسك.. لروحك الرحمة والسلام؛ ولقاسم سليماني جهنم وبئس المصير". وهذا فعلاً الشيء الطبيعي لإنصاف المظلومين ولجبر خاطر الأحرار. لقد رحلت نجوى قاسم قبل أن ترى القضايا، التي بكت دموعاً على أهلها، تنتصر. سيبقى  صوتها حاضراً حنيناً ورحمة وإنسانية بثنايا قضية السوريين.

هناك مَن يرى أن فرح الكثير من السوريين بمقتل سليماني مبرر، لأن ذاك المجرم كان جزءاً أساسياً من مأساتهم. آخرون يرون هذا الفرح غير مبرر لأن سليماني -كما صوُّرَ لهم- كان يقاوم المؤامرة. ولكن يبقى ذلك لا أخلاقياً، لأن مقاومة المؤامرة لا تستلزم قتل إخوتهم السوريين. أما غضبُ البعض على حزن السوريين لموت نجوى قاسم؛ فلأنها -كما يتصورون- كانت تؤجج الحالة السورية عاطفياً. الفرق أن نجوى كانت تؤجج عاطفياً ضد القاتل، ولا تقتل؛ بينما سليماني يؤجج دموياً، ويقتل. باختصار إنها مفارقة رقص فريق على دموع فريق آخر.

أكثر ما يعنينا في الحالتين المتداخلتين المتناقضتين هو هذا الهيجان العاطفي المعطل للعقل أحيانا. هناك حالة من التمزق السوري تجاه الأشخاص المؤثرين بقضيتهم سلباً أو إيجابا. سيكون لهذا التشظي تبعات وعقابيل  يصعب الشفاء منها. الخطير أيضاً أن هذا الانقسام يستفحل، وإيران ماضية بمشروعها الإجرامي الخبيث؛ والاستعمارات التي تسبب نظام الاستبداد باستجلابها تتمدد.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
تركيا.. عدد متلقي جرعتين من لقاح كورونا يتجاوز 68 في المئة
"محافظة حماة" تغلق صالات التعازي حتى إشعار آخـر
"الإنقاذ" تغلق المدارس وأماكن التجمعات في إدلب بسبب انتشار كورونا