icon
التغطية الحية

الفيلم الوثائقي "بروفة ليوم القيامة" في عرضه الأول بدمشق

2026.02.13 | 22:40 دمشق

56655
لمى طيارة
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه السوريون تحديات كبيرة في البحث عن الأمان والاستقرار، سواء داخل سوريا أو خارجها، مع تأثير الكوارث الطبيعية مثل زلزال تركيا عليهم بشكل كبير.
- السينما العالمية تستلهم من الكوارث الطبيعية، بينما تفتقر السينما العربية إلى هذا النوع من الأفلام بسبب تكاليف الإنتاج العالية وعدم ضمان العائد.
- فيلم "بروفة ليوم القيامة" للمخرج زيد مستو يُعد تجربة فريدة في توثيق الكوارث الطبيعية، حيث يوثق البحث عن والدته المفقودة ويعرض لأول مرة في المكتبة الوطنية بدمشق.

لجأ بعض السوريين إلى شتى بقاع الأرض بحثا عن الأمان وهرباً من الموت المحتم، بينما هرب بعضهم الآخر ليحصل على فرصة أفضل في التعليم والعمل، لكن السوريين الهاربين من الموت لم ينجوا بدورهم منه، فبعضهم ابتلعه البحر، وبعضهم الآخر ابتلعته الكوارث الطبيعية التي حلت في أماكن وجوده كما حصل في زلزال تركيا، بالنتيجة بقي السوري داخل وخارج سوريا على حد سواء رهينة ظرفه السياسي والاقتصادي، والجغرافي أيضا، فإما أن ينجو أو أن يقضي نحبه.

والحقيقة أن الزلازل وغيرها من الكوارث، تعتبر مادة دسمة للسينما لدرجة أصبح هناك ما يطلق عليه (سينما الكوارث الطبيعية) وهي سينما لطالما أغرت الكثير من المخرجين العالمين سواء العاملين في الحقل الروائي أو الوثائقي، وأفلامها تلقى إقبالا جماهيريا وتقوم فكرتها على "التعافي من الكارثة ومعالجة آثارها"، وكانت السينما العالمية قد استوحت قصصا من الزلازل فأنتجت على سبيل المثال فيلم "الزلزال" وهو فيلم روائي من إخراج وسيناريو مارك روبسون في عام 1974 شارك في كتابته ماريو بوزو، وكان الفيلم قد بلغت تكلفة إنتاجه نحو 7 ملايين دولار بينما حقق أرباحا تقدر بـ79 مليون دولار تقريبا، وفيلم "سان أندرياس" الذي تدور أحداثه حول الزلزال الذي ضرب سان فرانسيسكو.

أما على الصعيد العربي فلا يوجد اهتمام جاد بسينما الكوارث وخاصة على صعيد روائي لأنها سينما، إنتاجياً تعتبر باهظة الثمن وغير مضمون عائدها. أما على صعيد وثائقي فالتجارب نادرة جداً، لذلك تعتبر الأفلام السورية التي وثّقت مؤخرا زلزال تركيا في شباط عام 2023 نقطة علّام في سينما الكوارث الطبيعية، وكان زلزال تركيا قد ضرب جنوبي تركيا ووصلت ارتداداته لشمالي وغربي سوريا (إدلب وحلب)، وحين انتهى بما حمله من ارتدادات، ظهرت الكارثة، فالضحايا كثر والفقد كبير.

يأتي في مقدمة تلك الأفلام فيلم المخرجة وعد الخطيب "موت بلا رحمة" وهو وثائقي طويل من 85 دقيقة، قامت بتصويره بعد عام من الزلزال أي بأثر رجعي، ورصدت من خلاله حياة عائلتين سوريتين، مستفيدة من التسجيلات التي صورها أقارب الضحايا وعائلاتهم والمقربين منهم، كما استعانت بالمواد الإعلامية الكثيرة التي غطت ذلك الحدث الجلل، ولقد سبق للفيلم وأن عرض مؤخرا في المكتبة الوطنية بدمشق.

أما (فيلم بروفة ليوم القيامة) 2025، وهو الفيلم الوثائقي الطويل والأحدث عن الزلزال والذي أنتجه وأخرجه الصحفي السوري زيد مستو، فيرافق يوميات المخرج في فترة ما بعد الزلزال مباشرة وأثناء البحث عن مفقودين، ليسجل عبر كاميرته جزءاً من الكارثة، تحديداً ضمن منطقة سكنية بعينها، وكان مستو الصحافي السوري الأميركي المقيم في واشنطن، قد عاد لتركيا حيث عائلته تقيم  للبحث عن والدته المفقودة في الزلزال، حاملا كاميرته ليسجل كل ما تلتقطه من صور وأحداث ومشاهدات، ومواقف إنسانية تجلت فيها الابتسامة مكان البكاء على الرغم من قساوة الموقف.

45645

في الفيلم يتوقف مستو عند البناء الذي سقط وقضى على عدد كبير من العائلات، إلا من رحم ربي، وكانت والدته واحدة من العالقين مجهولي المصير، ليتحول تدريجيا من ابن يلهث للبحث عن والدته ومعرفة مصيرها إلى متطوع يساعد فريق الإنقاذ في نقل جثث الموتى إلى المقابر وذلك بعد أن تعرض الفريق لنقص حاد في سيارات الإسعاف، كل ذلك دون أن يفقد حماسه في البحث عن والدته أو ينسى دوره كصحفي يحركه دافع توثيق عمليات الإنقاذ الجارية.

ومع تقدم رحلته، يتلاشى واجب مستو الشخصي وينغمس في القصص المأساوية المحيطة به، بما في ذلك قصة جار والدته، أبو نايف، الذي ينتظر بقلق أخبار عن مصير زوجته وأطفاله الثلاثة، بما فيهم أبنه البالغ من العمر خمسة أشهر، حيث يصبح هذا الطفل محور القصة، حتى يعود بحزن إلى حياته اليومية.

ورغم أن مستو كان يحمل كاميرته ويصور كل ما يراه، لم يكن هدفه في ذلك الوقت إنجاز فيلم عن تلك الكارثة التي حلت ليس فقط بتركيا وإنما بالسوريين أنفسهم الهاربين من الموت، يقول مستو: "كنت أصور وأصور ولا أعرف لماذا أفعل هذا، وبعد فترة اكتشفت أن لدي 4 ساعات ونصف من التسجيل، وفكرت بتحويلها لفيلم وثائقي، ولأنني صحفي بالدرجة الأولى استعنت بالمخرج سليم صباغ حيث قمنا بتجميع المقاطع المصورة لنبني منها قصة، وكان هناك دور كبير للمحرر (المونتير) وسيم عثمان الذي حول تلك المقاطع المصورة بجهاز الهاتف المحمول  لتكون مناسبة وكأنها صوّرت بكاميرا احترافية.

أعتمد الفيلم على طريقة السرد سواء من خلال الكاميرا أو من خلال صوت المخرج الذي رافق الأحداث وفسر جزءاً منها، بحيث بدا الفيلم مؤثرا من ناحية، ومفسرا وموضحا من ناحية أخرى، وهي طريقة مُثلى لهكذا نوع من الأفلام حيث السردية تختزل وتوضح تفاصيل قد لا ينتبه لها المشاهد، كل ذلك بطريقة تبدو غير مباشرة. 

والفيلم الذي أنتجته شركة "أكيوراسي برودكشنز" وهي الشركة التي أسسها مستو لإنتاج أفلام وثائقية بعد تجارب سابقة في أفلام وثائقية قصيرة، سيعرض لأول مرة في 16 شباط في المكتبة الوطنية بدمشق، وسيتزامن عرضه مع الذكرى الثالثة لهذه الكارثة، وسيكون المخرج حاضرا لمناقشة الفيلم والإجابة على كل الأسئلة.

 الجدير ذكره أن مستو كان يعمل مراسلاً حربياً واستقصائيا ويقوم بكتابة الأخبار والتحقق من المعلومات وخاصة في المناطق الساخنة، كما يملك تجربة ميدانية واسعة في مناطق النزاع في كل من سوريا والمغرب والنرويج والولايات المتحدة الأميركية، وهي تجارب ساعدت على صقله في الصحافة وصناعة الأفلام لاحقاً، ويقيم حاليا في واشنطن العاصمة حيث يتابع دراسته للحصول على درجة الماجستير في الصحافة الاستقصائية من الجامعة الأميركية.