الفوضى الخلّاقةُ ... مرّة أخرى !

تاريخ النشر: 20.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 31.01.2019 | 23:29 دمشق

ظهرَ مصطلحُ " الفوضى الخلاّقة " أوّلَ مرّةٍ في كتابات المؤرخ والأدميرال في البحرية الأمريكية " ألفريد تاير ماهان" عام 1902 ، وبعد مئةِ عام تقريباً عادَ للظهور والتطوّرِ إثرَ أحداثِ أيلول عام 2001 على يد "مايكل ليدين" العضو البارز في معهد" أميركا انتربرايز" المعروف بكونه قلعة المحافظين الجدد، ومايكل ليدن هو أحد أصحاب النفوذ في دائرة المحافظين الجدد، وارتبط اسمه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 بنظرية التدمير البنّاء وهو مشروع التغيير الكامل في الشرق الاوسط الذي يشمل إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية شاملة في كل دول المنطقة ، وهكذا أخذَ المصطلح  اسمَ الفوضى البنّاءةِ أو الهدمِ البنّاء.

لقد كانت الظروفُ العامّةُ مناسبةً لنشوء ونموّ هذا التطرّفِ الفكري ، فحالةُ النشوة الأمريكيّة بإعلان سقوط الاتحاد السوفيتي في 26  ديسمبر 1991 كإيديولوجيا وكقائد لحلف وارسو ... وما ولّده من فراغٍ كبيرٍ ترَكَهُ غيابُ قطبٍ تشاركَ الهيمنَةَ نصفَ قرنٍ على الساحة الدولية، وضرورةُ وجودِ عدوّ افتراضي كطواحينِ الهواء التي طالما حاربها ألفونسو سيرفانتس بسيف فارسه المهووس الدون كيشوت، ورخاوةُ منطقة الشرق الأوسط المحكومة بالديكتاتوريات العسكرية والملكيّات الأوليغارشيّة المفتوحة على احتمالات العبث وإعادة التشكيل،

بعدَ قلبِ أنظمةِ الحكم الدكتاتوريّة بالقوّة يمكنُ مساعدةُ الشعوب على بدء مسيرة البناء الديمقراطي من جديد بإرشادِ ورعايةِ القيادةِ الجديدةِ المنفردةِ للعالم الحرّ.

مهّدت لتصعيد البروفيسور في جامعة هارفارد الذي كانت تصفه بالمعلّم صامويل هانتغتون من نظرته الفوقيّة لشكل العلاقة بين الغرب والشرق وحتّى لدرجة ما بين الشمال والجنوب في نظريّته صراع الحضارات.

تمثّل التجسيدُ السياسيُّ لهذا التراكمِ النظري وفائضِ الإحساس بالقوّة والتفوّق في تبنّي وزيرةِ الخارجيّة الأمريكية ومستشارة الأمن القومي السابقة كونداليزا رايس في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن لمفهوم الفوضى الخلاّقة كوسيلة لتغيير الشرق الأوسط وإعادة بنائه من جديد تحت عناوين نشر الديمقراطية كهديّة لشعوب المنطقة.

قامت الفكرةُ أساساً على اعتبارِ أنّ العَبَثَ أو التدميرَ طريقٌ مناسبٌ لبدءِ عمليّات التغيير في هذه المنطقة، فبعدَ قلبِ أنظمةِ الحكم الدكتاتوريّة بالقوّة يمكنُ مساعدةُ الشعوب على بدء مسيرة البناء الديمقراطي من جديد بإرشادِ ورعايةِ القيادةِ الجديدةِ المنفردةِ للعالم الحرّ.

وتتويجاً لهذا الفكرِ، ونظراً لوجود البيئة المناسبة في تلك البلدان التي كانت أنظمتها مُنتجة للإرهاب وجماعاته ومصدّرة له ولهم حيث أرادت توظيفه، بدأت الحربُ على أفغانستان وتبعتها الحربُ على العراق وكادتْ أن تكونَ سوريا ثالثة الأثافي لولا أن تدخّلَ رئيسُ الوزراء الإسرائيلي وقتها أريئيل شارون لدى الإدارة الأمريكية طالباً تغيير سلوك النظام السوري لا تغيير النظام ذاته.

قد يبدو أمرُ تدخّل شارون لدى الإدارة الأمريكية لحماية من يُفترضُ أنّه العدوّ الأول لدولة إسرائيل والتوسط لتغيير سلوكه لا تغييره أمراً غريباً بل مستهجناً، لكنَّ واقع الحال أثبت بُعد نظر شارون وقتها باعتبار بقاء النظام السوري الضامن لبقاء إسرائيل وبالفعل فقد أوصلها لأقصى حالات القوّة والتمدد بعد أن دمّر بنية سوريا وبعد أن هجّر وقسّم شعبها وأرضها.

راوحت بعدّها المنطقةُ في صراعات بينيّةٍ وداخليّةٍ كان من نتيجتها اغتيالُ رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وانتفاضةُ الأرز التي فجّرها بعضُ اللبنانيّين بوجه وصاية النظام الأمني السوري إثر ذلك، وخروجُ الجيشِ السوري ذليلاً من لبنان، وحربُ تموز من عام 2006، وسيطرةُ إيرانَ على مقاليدِ الحُكمِ في العراق من خلال مندوبها نوري المالكي.

بقيَ الحالُ على ما هو عليه إلى أنْ جاءَ ربيعُ طهرانَ القصيرَ وانتفاضةُ الشباب بوجه نظامِ الملالي، فكانَ فاتحةَ عهدٍ جديدٍ من التغييراتِ اللامتوقّعةِ في المنطقةِ العربيّة ومحيطها.

رغمَ أنّ النظامَ الإيراني كان قد استطاعَ إخمادَ ربيعِ طهران، لكنَّ النارَ شبّتْ هذه المرّة من تُونس وتبعتها مصرُ ثم ليبيا واليمن، وأخيراً جاءَ دورُ سوريا، فالمنطقةُ بأسرها كانت على فوّهةِ بركانٍ يغلي.

 لقد كانتْ مُجملُ الظروفِ المحيطةِ تدعو للثورةِ على أنظمةٍ استبداديةٍ فشلتْ في ميادينِ الاقتصادِ والتنميةِ والبناءْ فاستثمرتْ في تفتيتِ الأوطانِ دينياً وطائفياً وقوميّاً، فكان مُنتجُها الوحيد العنف العاري المنفلت من أية ضوابطْ.

حسبَ دراساتِ العديد من مراكزَ البحثِ الرصينةِ ومقالاتِ الصحفِ العالمية الكبرى وحتى اعترافاتِ بعض أجهزةِ الاستخبارات الغربية كان الربيعُ العربيُّ مفاجئاً للجميع، فلم يكن في الحسبان أن يتحوّل هذا السباتُ العميقُ لشعوب المنطقة إلى بركانٍ ثائرٍ هدّار.

لم يكن لتونس هذا الثقل في المنطقة من جهة وكانت قد أنهت سريعاً المسألة بهروب بن علي وباصطفاف الجيش الوطني مع الناس، فكانَ مسارُ الأحداث شبه مميّزٍ ومستقلاً في تلك البلادِ الخضراءِ عمّا سواها من البلدانِ العربيةِ التي اكتوتْ بنيرانِ التدخلاتِ الخارجيةِ بشكلٍ فاقعٍ وقاتلْ.

تخبّطَتْ بدايةً سياسةُ الإدارةِ الأمريكية في تعامُلِها مع ثورةِ مصر، لكنْ سرعانَ ما حسمتْ أمرَها بالتضحية بحليفها الديكتاتور مقابلَ الإبقاءِ على النظام العسكري والدولةِ العميقة المرتبطة عضوياً بأميركا وإسرائيل منذُ معاهدةِ كامب ديفيد.

في ليبيا سارتْ الأمورُ أمريكيّاً وفق مبدأ القيادة من الخلف فكانَ الأوروبيّون رأسَ الحربةِ في إنهاءِ القذافي كشخصٍ إشكاليٍّ وتفكيكِ نظامهِ العجائبي، وبعدها دخلتْ البلادُ في صراعِ القبائلِ والمصالحِ الجهويّةِ والفئوية.

في اليمنِ السعيدِ تمَّ تلزيمُ الأمرِ للشقيقِ الأكبرْ، فدخلَ البلدُ في موجة العنفِ التي ما فتأت تكبرُ ككرةِ الثلجِ بعدَ أن كانَ أهلُهُ قابَ قوسينِ أو أدنى من إنهاءِ احتكارِ علي عبد الله صالح للحكمْ، ولا يقدحُ في صحّة ذلك التطوّرات العسكريّة الأخيرة في الحُديدة، فمسألة الحسم ما زالت في بدايتها.

عقدةُ المنشارِ كانتْ – وما زالتْ - في سوريا، في هذا البلدِ المسوّرِ بالحديدِ والنارْ المتدثّرِ بعباءةِ المقاومةِ والممانعةِ المهترئة، فهنا تعارضَ الغضبُ الشعبيُّ المنفجرُ مع المصالحِ الإقليميّةِ والدوليةِ في المنطقة، فلا مصلحةَ لأحدٍ بانتصارِ موجةِ التغييرِ الديمقراطي في المنطقةِ عموماً وفي سوريا خصوصاً، والمسألة لا تتعلق بعدالةِ المطلبِ أو بأحقيتهْ، فالموضوعُ مختلفٌ كليّةً والأولوياتُ متنافرةٌ تماماً، إنها المصالحُ والتوازناتُ المرسومةُ بدقّةٍ منذُ عقودْ.

قد يتراءى للناظرِ سريعاً أنْ لا سياسةَ أمريكيّةً في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ عموماً وفي سوريا خصوصاً، ويعزّزُ وجهةَ النظرِ هذه حالةُ التردَدِ التي وسمتْ عهدَ الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلالَ ثمانِ سنواتٍ قضاها يرسمُ خطوطاً حمراءَ ويمحوها ويضعُ حدوداً للأسدِ ويقفزُ عنها، لكنّ الأمرَ في العمقِ يبدو غير ذلك.

هل كان عبثاً حلُّ الجيشِ العراقي وتسريحُ آلافِ الضّباطِ وصفِّ الضباطِ والجنودِ بعدَ احتلالِ العراقْ ؟ هل كانَ قانونُ اجتثاثِ البعثِ الذي صدرَ عن سلطةِ الائتلافِ المؤقتة برئاسة " بول بريمر" بتاريخ 16 نيسان 2003 مجرّدَ صدفةٍ أو خطأ في التقديرِ ارتكبهُ الحاكمُ بأمرِ أميركا ؟ هل كان القفزُ على نتائجِ الانتخاباتِ البرلمانيّةِ العراقيةِ عام 2010 التي فازتْ بها القائمةُ العراقيّةُ برئاسةِ الدكتور إياد علّاوي خرّيجِ جامعةِ لندن وإحلالُ نوري المالكي خرَيجِ معاهدِ قُمّ مصادفةً؟

نفسُ الوضعِ كان يجري في لبنانَ من غضِّ الطرفِ عن تمدّدِ النفوذِ الإيرانيِّ عبرَ الوكيلِ المحليّ حزب الله الذي ملأ الفراغَ الناتجَ عن انسحابِ الجيشِ السوري،

تعملُ هذه السياسةُ ما في وسعها للإبقاءِ على رحى الحربِ دائرةً ونارِ الصراعِ مشتعلة في كلّ بلدٍ على حدةٍ وفيما بينَ البلدان المتجاورة

كذلك كان الوضع في غزّةَ شبيهاً بالوضعِ في لبنانَ إلى حدٍّ ما.

يقودُنا هذا التحليلُ ضمنَ سياقِ تسلسلِ الأحداثِ المذكورِ آنفاً إلى تصوّرِ وجودِ سياسةٍ واضحةٍ في أدراجِ الإدارة الأمريكيّة تنفّذُها الأحزابُ المتعاقبةُ على الحُكمِ بكلِّ دقّة وهدوءْ.

تعملُ هذه السياسةُ ما في وسعها للإبقاءِ على رحى الحربِ دائرةً ونارِ الصراعِ مشتعلة في كلّ بلدٍ على حدةٍ وفيما بينَ البلدان المتجاورة، وهذا الأمرُ ليس عبثاً لمجرّد العبث، بل هو تصريفٌ لفائض السلاحِ المُصنّعِ واستثمارٌ في خوفِ الحُكّامِ من الديمقراطيّة وفي خوف العرب من المشروع الفارسي وفي خوفِ الفُرسِ من المشروع التركي وفي خوف التركِ من حُلمِ الدولة الكرديّة وفي رهبةِ الجميعِ من الماردِ التكنولوجي الإسرائيلي.

تتعدّى المسألةُ نظريّةَ المؤامرةِ المُحبّبةَ إلى عقول شعوبِ المنطقة من كافّة الشرائح الثقافيّة، لتصل إلى ساحة الفعلِ والتنفيذِ الذي نلمسُ نتائجَهُ المباشرة لمسَ اليدِ يوماً بعدَ يوم.

يبقى أن نعرفَ أنّ إرادةَ الشعوبِ التي ما فتأَ الشعراءُ يتغنّونَ بانتصارها في نهايةِ المطافِ، باتتْ بلا حولٍ ولا قوّةٍ، كما باتتْ الشعوبُ ذاتُها كالأيتامِ على موائدِ اللئام تنتظرُ الفَرِجَ الذي سيأتي على ما يبدو عندما تتحقّقُ نبوءةُ والدِ "كرونوس" بقدومِ ولدٍ من صُلبهِ ينتزعُ الحكمَ من بينِ يديه، وبانتظارِ زيوس المُخلّص يبقى الأملُ حاضراً في القلوبِ والمُقلْ.