icon
التغطية الحية

الفن والمقاومة: ذكريات الثورة والحرب بعيون فنانين سوريين

2026.04.02 | 17:14 دمشق

صورة بعنوان (عدل.. كرامة.. حرية) للمصور الضوئي السوري جابر العظمة
صورة بعنوان (عدل.. كرامة.. حرية) للمصور الضوئي السوري جابر العظمة
The Architectural Digest - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في عام 2011، بدأت سوريا تشهد مظاهرات ضد حكم الأسد، مما أدى إلى حرب مدمرة تسببت في نزوح السكان، واعتقال الناشطين، وتدمير المدن، ومقتل أكثر من نصف مليون شخص.
- الفنانون السوريون وثقوا معاناة الحرب من خلال أعمالهم الفنية، التي جذبت الانتباه العالمي وعُرضت في معارض ومتاحف، معبرين عن المشاعر والآلام التي خلفتها الحرب.
- أعمال مثل "العبور الصامت" و"أقصى المؤخرة" وثقت الصراع السياسي وأزمة اللجوء، مؤكدة على دور الفن كشاهد حي وصوت لا يُقمع.

في شهر آذار قبل خمسة عشر عاماً، تغير وجه سوريا إلى الأبد، وذلك عندما بدأت الأحداث بكتابة أصعب الفصول في تاريخ سوريا الحديث، إذ في عام 2011، نزل الشعب السوري إلى الشوارع ليشارك في المظاهرات المطالبة بالحرية والمناهضة لحكم الأسد. وتصعدت الأمور باتجاه مدمر، فقامت حرب امتدت لسنوات طويلة، وتسببت بنزوح جماعي للسكان، وباعتقال الناشطين، وتدمير المدن، وتفسخ النسيج الاجتماعي، وغرق كثيرين في البحار، فأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من نصف مليون إنسان.

لم تغب تلك العواقب ثقيلة الوطأة عن أعمال الفنانين السوريين، بعد أن رحل معظمهم عن البلد، لكنهم استمروا بتوثيق التغير الكبير الذي طرأ على سوريا ومعاناتها المستمرة بطريقتهم الخاصة. وخلال السنوات الماضية، احتل الفن السوري المعاصر دائرة الضوء، إذ عرضت أعمال سورية في معارض فنية ومتاحف في مختلف أنحاء العالم. وبالنسبة لمعظم الأوساط الفنية، فإن ابتداع الفن حاجة، كما هي الحال دوماً على مر التاريخ.

يعلق على ذلك المصور الفوتوغرافي السوري جابر العظمة، فيقول: "كان هنالك إحساس ملح بوجود ضرورة للتعبير عن مشاعر اعتملت حول ما يحدث". أما الرسامة السورية سارة شمة، التي عادت من جديد لتستقر في مسقط رأسها دمشق، فتقول عن فنها: "تأثرت بالحرب التي حركت شيئاً ما بداخلي".

وفيما يلي سبعة أعمال فنية، تتراوح ما بين التصوير الضوئي والفن التشكيلي، كلها مستوحاة من الصراع السياسي وما ترتب عليه:

العبور الصامت (2022) للفنان: عبد الله العمري

 

Image may contain Joel McCrea Boris Pasternak P. T. Usha People Person Art Adult Drawing Face Head and Painting

 

عبد الله العمري رسام سوري مقيم في بلجيكا، اشتهر بتصوير قادة العالم ومن بينهم المخلوع بشار الأسد، وأنجيلا ميركل، وباراك أوباما، كلاجئين مستضعفين. ومن خلال لوحته الضخمة ذات اللون الواحد والتي كان عنوانها: (العبور الصامت)، تطرق العمري لمعالجة أحد أعمق النتائج التي ترتبت على الثورة والحرب السورية، وهي أزمة اللجوء التي دفعت أكثر من ستة ملايين إنسان للرحيل عن بلدهم، وقد تم ذلك في معظم الأحيان بواسطة قوارب صغيرة مزدحمة قطعت بهم عباب البحر المتوسط. يصور العمري هذا المشهد، حيث نرى رجالاً في قارب وقد علت وجوههم تعابير صامتة لكنها موحية، تشي بالخوف واللايقين. وعنها كتب عبر صفحته على إنستغرام: "ليست ثمة وجهة واضحة، ولا بداية أو نهاية محددة، ومع ذلك، ينبض التكوين بالحركة والذاكرة وثقل الحضور".

أقصى المؤخرة (2014) للفنانة: عزة أبو ربعية

 

Image may contain Art and Drawing

 

فنانة لها صوت ورأي مميز بين أبناء وبنات جيلها. ولدت عزة في حماة وأضحت فنانة في الفنون الطباعية والوسائط المتعددة، وكرست جزءاً كبيراً من أعمالها لقضايا اجتماعية وسياسية متعلقة بسوريا، فقد اعتقلها النظام في عام 2015 وذلك لنشاطها أيام الثورة، وهذا ما خلق لديها صوراً مخيفة عن الحياة في السجن. وخلال السنوات الأولى من عمر الحرب، قدمت أبو ربعية هذه الصورة المشؤومة لحافلات خضراء تتبع للنظام ولها صيت سيء في سوريا، والتي استخدمت لتهجير سوريين وسوريات بشكل قسري. إذ تظهر حافلة خضراء أمام خلفية متهتكة من الأبنية المدمرة، ويحيط بتلك الحافلة وحوش مجنحة، في حين تتجه الحافلة نحو مستقبل مجهول، لعله "النهاية" كما يوحي وجود المقبرة في اللوحة.

عمود الملح (2018) للفنانة: أسماء عمادي

Image may contain Home Decor Rug Hardwood Wood Animal Canine Mammal and Toy

من خلال هذا العمل التشكيلي الدقيق والمؤثر والذي عرض في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، وفي معهد مينيابوليس للفنون، عالجت وبكل هدوء الفنانة التشكيلية أسماء عمادي التي نشأت في دمشق، وتعيش في الولايات المتحدة اليوم، أزمة الهجرة السورية التي وصلت لذروتها في عام 2015. ويتألف هذا العمل من دب من نوع تيدي بير معلق على حقيبة ظهر استقرت فوق كومة من ملح، ليعبر هذا التشكيل عن غرق كثير من الأبرياء في البحر في أثناء محاولتهم الوصول إلى بر الأمان. وفي ذلك إشارة أيضاً للقصة التي وردت في الكتاب المقدس عن زوجة لوط التي تحولت إلى عمود ملح بعد أن عصت أوامر الله عندما ألقت نظرة على مدينة سدوم المدمرة في أثناء هروبها مع أسرتها.

تاج (2011) للفنان فادي يازجي

 

Image may contain Bronze and Accessories

فادي يازجي اسم مشهور في الأوساط الفنية بدمشق، وقد بقي في سوريا على الرغم من عدم استقرار الوضع، فقدم عدداً من الأعمال الفنية ما بين رسم ونحت، استوحاها من محيطه المباشر. ويشتهر يازجي بخطوطه الخارجية المحددة السميكة، وشخصياته الطفولية التي ترمز إلى المجتمع السوري الذي مايزال بحاجة للتنمية. لكنه جرب أيضاً النحت الصارخ على البرونز، وهذا ما نراه في عمله هذا والذي وصفه بأنه من الأعمال العزيزة على قلبه، فقد صنعه مع بداية الحرب، وهذا العمل هو عبارة عن تاج لكنه مغطى بطبقة مرعبة من جماجم الطيور، في إشارة لمواضيع تتعلق بالسياسة والسلطة والفساد، وعنه يقول: "كل التيجان تصنع بهذه الطريقة، ولهذا أحب هذا العمل كثيراً لقساوته".

عدل.. كرامة ..حرية (2012) للفنان جابر العظمة

 

Image may contain Fire Flame and Light

بعد رحيله عن مسقط رأسه دمشق بعد فترة قصيرة من قيام المظاهرات، أصبح لدى المصور الفوتوغرافي جابر العظمة الذي يقيم حالياً في ألمانيا، دافع ليعمل على سلسلة صور تحت اسم (جراح)، وفيها أصبح هو الموضوع الرئيسي وهو يؤدي حركات مكثفة مستوحاة من الثورة. ويعبر بعض هذه الصور عن أشكال المعاناة، وقلة منها يبدي نبرة تفاؤلية، فقد اعتمد عنوان صورته (عدل.. كرامة.. حرية) التي أتت بلونين: أحمر كالدم وأسود، على أحد الشعارات الرئيسية التي رفعت خلال الثورة وطالب الشعب السوري بها. وفي تقنية تعرف باسم التصوير الضوئي بالتعريض الطويل، استعان العظمة بشمعة ليكتب بها هذه الكلمات الثلاث التي يمكن يهتف بها الناس في أي مكان.

حقائب #2 (2016) محمد حافظ

 

Image may contain Baggage and Suitcase

بناء على معلوماته في مجال الهندسة المعمارية، وظف الفنان السوري محمد حافظ المقيم في إسبانيا مهاراته المرهفة ليقدم سلسلة أعمال مفصلة عن حقائب سفر، عرضت في كلية ييل للقانون، وجامعة ماديسون-ويسكينسون، ولفتت أنظار الإعلام في مختلف بقاع العالم، إذ داخل كل حقيبة سفر عتيقة، شكل حافظ من الأشياء التي عثر عليها منمنمة تمثل بيتاً متهالكاً أو غرفة، وقد استوحى كل ذلك مما رآه في مختلف أنحاء سوريا، وتعبر تلك المنمنمات عن ذكريات وقصص شخصية خلفها الناس وراءهم أو فقدوها وهم يعيشون الواقع المؤلم المتمثل بالرحيل القسري.

لحمة (2014) للفنانة سارة شمة

 

Image may contain Art Painting Adult Person and Wedding

 

بعد مرور عامين تقريباً على اندلاع الثورة، انتقلت الفنانة السورية سارة شمة التي من المقرر أن تمثل بلدها في معرض بينالي بالبندقية، للعيش في لبنان، حيث أمضت وقتها مع امرأة خمسينية تعمل جزارة، فأولعت شمة بطريقتها في تقطيع اللحم، وكانت تلك من الأمور التي ألهمتها لرسم لوحتها الرائعة التي تتميز بضربات فرشاة شغوفة، إلى جانب ظلال مميزة وحادة للونين الأخضر والوردي، وفيها نرى جسداً بشرياً معلقاً مثل أي قطعة لحم، وعنها تقول: "إنها لوحة عن التعذيب، عن كل أنواع التعذيب، خلال الحروب أو في الأوقات العادية. ومن خلالها ترى كيف يُعامل الإنسان بطريقة أسوأ من البهيمة، فقد سمعت قصصاً حول تعليق الناس في السجون، كما أني تأثرت بالحرب التي حركت شيئاً ما بداخلي".

في خضمّ الحرب والثورة السورية، لم تكن الفنون الضوئية والتشكيلية مجرّد وسيلة جمالية، بل تحوّلت إلى لغة مقاومة وذاكرة حيّة. فقد استطاع الفنانون من خلال الصورة واللوحة والنحت أن يوثّقوا الألم اليومي، ويمنحوا وجوه الناس وقصصهم حضورًا لا يُمحى، في مواجهة محاولات النسيان والتهميش. كما كشفت هذه الفنون عن عمق التجربة الإنسانية في ظلّ القهر، حيث امتزجت المعاناة بالأمل، والخراب بالرغبة في البقاء. وهكذا، أضحت الأعمال الفنية مساحة للتعبير الحر، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وجسرًا يصل معاناة الداخل بالعالم، مؤكدة أن الفن، حتى في أحلك الظروف، يظلّ شاهدًا حيًا وصوتًا لا يُقمع.

 

المصدر: The Architectural Digest