الفن بعد الثورة 2

تاريخ النشر: 30.04.2021 | 06:35 دمشق

قبل الثورة كان فن خدمات الدراما المأجورة، قد نشط تحت جناح النظام سواء عن دراية أو بلا دراية، لكنه خلال الثورة وبعدها سيعمل في الداخل بدراية كاملة، مدركا ما سيقدم عليه، ومشاركاً به عن قناعة، فالفن سلاح. ينظر النظام إلى الفنان على أنه جندي في آلته الحربية، ولو أن الفنان اعتبر نفسه شريكاً له، بإعلانه عن تأييده لما يرتكبه من جرائم، والدفاع عنها، وتزويرها بالعمل على سردية تحيل الثورة إلى إرهاب.

إن العمل على سردية مناقضة للواقع، مع أن الثورة التي انهزمت ما زالت مستمرة، بات عملاً يستنفر العديد من الجهود وعلى جميع الأصعدة، فعشر سنوات مضت ليست بالزمن القليل، وما زلنا في ظل أوضاع لم تستقر بعد، بوجود خمسة جيوش لدول كبرى وإقليمية، وميليشيات مذهبية، وهيمنة أجنبية على مناطق شاسعة من الأرض السورية، لا يمارس النظام عليها سلطة فعلية، عدا  عن أنه هو نفسه تحت وصاية روسية، تتحكم في قراراته، إضافة إلى تدخل إيراني مستمر، يعمل على تغيير الديموغرافيا السورية، وإن كان النظام يراهن على الوقت، وهو زمن لا يمكن تقديره من كثرة المتدخلين في ما بات يعرف في العالم بالأزمة السورية.

يتطلب العمل في الأعمال الدرامية الحالية في الداخل السوري، تحويل المجرمين إلى أبطال، فالنظام يضم تشكيلة متنوعة من المجرمين، يتطلب تنظيفهم من تجاوزات وفساد لا نظير لهما، وهي مهمة صعبة، لا تقل إجراماً عن تبرئة ميليشياويين قتلوا وسرقوا، وجنود لم يوفروا أبناء وطنهم من النهب، ومخابراتيين عذبوا حتى الموت، ومحققين نكلوا بالمعتقلين وأجبروهم على الاعتراف بما لم يفعلوه، وقضاة حكموا بالإعدام على شبان طالبوا بالحرية، وسجانين عذبوا واغتصبوا، ورجال عصابات اختطفوا مدنيين آمنين، وأحياناً قتلوا المختطَفين حتى بعدما حصلوا على الفدية، وسماسرة جثث، ومافيات عمولات النفط، وأثرياء حرب كانوا وراء تجويع الناس، ومشايخ فتاوى الولاء الأعمى.... ما يحتاج إلى آلة إعلامية توازي إن لم تفق آلته الحربية، ولو كان في الدجل والإنكار، خاصة أنها تجاري القتل المعلن.  

الجديد في هذه الأفلام والمسلسلات، وكان قد بدأ العمل عليه مبكراً قبل سنوات، ليس أنها لا تضيف شيئا، بل تحمل ما هو خاص ونوعي، ففي رجل العصابات، الذي ساند النظام منذ بداية الثورة، وكان صنيعته، وترعرع في ظله، أنتج ظاهرة التشبيح التي تعتبر ماركة مسجلة مدينة بالتحديد للأسرة الحاكمة، تستمد الذرائع الكاذبة لبطولاتها من أفلام هوليوود عن المافيات، أساليبها ونشاطاتها وتجاراتها وأخلاقياتها، تتاجر بها شركات السينما الأميركية منذ فيلم "العراب"، وأصبحت خطاً في الإنتاج الهوليوودي لا زحزحة ولا تراجع عنه.

تبدو جودة التقليد السوري بمدى تعلم الدرس، لكن بمسوغات وطنية. وهكذا ارتدت بضاعة هوليوود علينا في تسويغ التشبيح والإعلاء من مكانته كمثال للمغامرة الشريفة الطيبة، مثلما سوغت هوليوود بطولات الغرب الأميركي، وعصابات المافيا.

دراما تكرس صورة الشبيح القاتل، الميليشياوي، وتاجر المخدرات، والجندي ممثلاً للبوط العسكري، على نحو بطولي إنساني ومثالي، تنفي عنهم صورتهم المعروفة كلصوص ومجرمين، أو جنود مغرر بهم، أضيف إليهم متاجرون بمواد ضارة وممنوعة، مع العلم أنها ليست مدينة بالكامل لهوليوود، بل الأصل لمن سبقهم قبل عقود على أرض الواقع في استغلال زراعة الحشيش، لممارسة النضال في العالم  ضد "الملحدين والكفار الأمميين"، وجرى تأهيله كسلاح، ما انتزع لتجارة الحشيش موقعاً متقدماً في الكفاح ضد الإمبريالية العالمية، تنحو إلى تحشيش الرأسمالية والرأسماليين والشعب الرأسمالي؛ شيباً وشباناً وأولاداً، والقضاء عليهم بالمخدرات... بذلك الهدف النبيل اكتسبت المشروعية. أما عن الأذى الذي تلحقه بالأجيال الشابة، فمن الأعراض الجانبية المسموح بها. أما الإساءة إلى القضية الوطنية، فغير مهم، هذا إذا كانت هناك قضية، ما دام القصد الانتصار على الأميركان وأذنابهم الأوروبيون، في زمن احتراف النضاليات اليسارية.

لم تقل مافيات النظام بأساً نضالياً عن نضال حزب الله، ما أضاف إلى المقاومة والممانعة تصنيع "الكبتاجون" وتسويقه في أرجاء العالم بأضرار توازي، وتفوق الحشيش في الإدمان. وربما قد نشهد بطولاتهم في تسريبها عبر الحدود البرية والبحرية، والتحايل على رجال الجمارك ببطولات وألاعيب من الذكاء الخارق، ما يستحق العرض على شاشات بلدان الأنظمة المقاومة.

دراما في أفضل حالاتها تسلية تافهة، أما سيئاتها، فلا تحصى، ما دام أن من يحاول تقليدها، أو الاقتناع بأساليبها، وربما اعتبار أبطالها مثاله الأعلى، على وزن وحجم بطل مثالي لا يسمح الظرف ولا الزمن إلا بتقليده درامياً على الشاشة، أما في الواقع، فسوف تكلف بطولاته الإجرامية أرواح بشر لن يكونوا إلا ضحايا حماقات دراما غير مسؤولة.

تهمل الدراما أن الفن أولاً وأخيراً تساؤل أخلاقي. ليس بمقدور النظام طرحه، طالما أنه على عداء مع الحقيقة والعدالة، وليس بوسعنا مطالبة الفنانين بأن يكونوا أصحاب ضمير، ما دام أنهم يعتبرون أنفسهم مجرد ممثلين.