الفساد ومكافحته عند الكواكبي

الفساد ومكافحته عند الكواكبي

الصورة
في ظل الاستبداد لا يهتم الناس بالهموم الكبرى من قبيل إعلاء شأن الوطن (إنترنت)
09 آب 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

الاستبداد لا يقتصر على شخص الحاكم بل يمتد إلى أصغر موظف في الدولة، هكذا يصفه الكواكبي. ولأن للمستبدين الصغار شروطاً وصفات فإن: «الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها: من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفرّاش، إلى كنّاس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم أنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وبهذا يأمنهم ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه، وإلى مزيد من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة على أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفة وقربا، ولهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم، ذلك أن المستبد خائن خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه فهو ووزراؤه كزمرة لصوص: رئيس وأعوان». ولأن في دولة الاستبداد يشيع الحرام، فإن المجتمع يشهد تضخم الثروات الحرام التي راكمها أصحابها مستظلين بالفساد ومحتمين به.

ولا يسلم الدين أو التدين من أذى الاستبداد، وقد يقتصر على كونه ظاهرة شكلية وصوتية، وتتحول الطقوس الدينية والعبادات إلى مجرد عادات وطقوس اعتيادية

ويرى الكواكبي أن: «حرص التمول القبيح، (مراكمة الثروات الحرام)، يشتد كثيراً في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدة حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال، وبالتعدي على الحقوق العامة وبغصب ما في أيدى الضعفاء ويترك الإنسان الدين والحياء جانباً وينحطّ في أخلاقه إلى ملاءمة المستبد الأعظم أو أحد أعوانه وعماله». ولأن الاستبداد يشيع الفساد الخلقي، ويشيع ثقافة النفاق، من أكبر مؤسسة في الدولة إلى أصغر مؤسسة، فإن ذلك يجعل الناس خائفين من المواجهة فيغضون الطرف عن أي شكل من الانحراف الإداري والخلقي. ووفقا لما قاله الكواكبي: «أقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس، أنه يرغم حتى الأخيار منهم على آلفة الرياء والنفاق، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كل تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح».

ولا يسلم الدين أو التدين من أذى الاستبداد، وقد يقتصر على كونه ظاهرة شكلية وصوتية، وتتحول الطقوس الدينية والعبادات إلى مجرد عادات وطقوس اعتيادية لا تغير من عادات الناس وسلوكهم من الأسوأ إلى الأفضل، كما لا ينعكس التدين بالإيجاب على أخلاقيات المجتمع: «الاستبداد مفسد للدين في أهم قسميه أي الأخلاق والعبادات، فتصير مجرد عادات لا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر لفقد الإخلاص فيها تبعاً لفقده في النفوس».

وفي أجواء الاستبداد يستسلم الناس للقنوط واليأس فيمضون حياتهم كيفما اتفق، ويقول المصريون «أهي ماشية بالبركة» دون إبداء أي مقاومة أو رغبة في التغيير، وتصير الحياة فوضى: «أما المعيشة الفوضى في الإدارات المستبدة فهي غنية عن التربية، لأنها محض نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات وتترك الخيار للصدفة».

ولأن للاستبداد تداعياته السيئة حتى على طبائع أفراد المجتمعات فنجدهم ينزعون للكسل ويفتقدون الحماس للعمل، وكأن اليأس تملّك منهم: «أما أسير الاستبداد فيعيش خاملاً ضائع القصد حائراً لا يدرى كيف يميت ساعاته وأوقاته» ويشيع مع الاستبداد الفساد بأشكاله، وعلى رأسه الفساد الخلقي، الذى تتوارثه أجيال عن أجيال بل تشيع في ظله أسوأ الخصال، ومنها النفاق والكذب والتزلف، و«الاستبداد يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وإماتة النفس ونبذ الجد».

ولأن من مبررات القابلين للاستبداد من عوام الناس الاستسلام للاستبداد والقبول به فإن هذا يؤدي في النهاية إلى تنشئة أبنائهم على قبول الاستبداد، فإذا بهؤلاء يتحولون إلى عبيد للاستبداد والسلطة، بل يكونون مستبدين أيضا يفرّخون مستبدين. ويوضح الكواكبي أن عبيد السلطة التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم ولا هم آمنون على أنهم يربون أولادهم بل يربون أنعاماً للمستبدين، وأعواناً لهم، وفى الحقيقة أن الأولاد في عهد الاستبداد هم سلاسل من حديد يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق «ليس هذا فحسب وإنما يصل الأمر بالشعوب المهانة في ظل الاستبداد أن يقتصر كل همها واهتمامها على إشباع لذتين اثنتين: الأولى لذة الأكل والثانية استفراغ الشهوة.

وفي ظل الاستبداد لا يهتم الناس بالهموم الكبرى من قبيل إعلاء شأن الوطن أو احتلاله مكانة راقية بين البلاد الأخرى بل «قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفّل بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور وإذا ألزمت بالحرية تشقى».

يتولّد الاختلال المستولي على إدارتنا منذ القديم، وقدمه جعله يتمكن من الطباع، ويصير كعنصر طبيعي . وهنا لم يعد الكواكبي يتحدث عن الماضي فحسب، بل يتكلّم على استمرار الماضي في الحاضر . أنه يشير إلى تاريخ الفساد الذي لم يزل سارياً .

إن البلية فقدُنا الحرية

إن المنشأ الأصلي لكل شقاء بني حواء هو انحلال السلطة القانونية لفسادها، أو لغلبة أشخاص عليها. وهذا الفتور الذي نعانيه إنما ينشأ من أسباب كثيرة وكلها ترجع إلى ثلاثة أنواع: وهي أسباب دينية، وأسباب سياسية، وأسباب أخلاقية. إنما لابد أن نلاحظ السبب الرئيس الذي يتحكّم في جملة الأسباب الأخرى ويوحّدها فينتشر الفساد، وهذا السبب هو الاستبداد.

إن السياسة السيئة هي أساس استيلاء الفساد على الفكر العام، وهي التي تجعل الناس يألفون أموراً تضرّهم إلى أن صارت طباعاً لهم يركنون إليها ويحافظون عليها كما قيل :

            ألفتُ الضنى لمَّا تطاولَ مكثُهُ        فلو بانَ عن جسمي بكتهُ الجوارحُ

وهكذا حتى أمسينا ربما نقتل الطفل في حجر أمه ونلزمها السكوت فتسكت، ولا تجسر أن تزعج سمعنا ببكائها عليه.  وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصّل فينا فقدُ الآمال وترك الأعمال. إن فقدان الحرية يميت النفوس ويعطّل الشرائع ويجعل اليأس من إصلاح الأحوال مسيطراً فيرتاح الناس إلى ما يلقّنهم إيّاه أعوان الاستبداد ويستكينون. وهؤلاء الواهنة يحقّ لهم أن تشُقَ عليهم مفارقة حالات ألفوها عمرهم، كما قد يألف الجسم السقم فلا تلذّ له العافية، إذ يكتفي المأسورون بتقليد أعوان المستبد الذين يتخلّقون بأخلاق مَلِكهم الذي تلقف عادات السراري الذميمة . فمن فساد أخلاق المستبد يفسد الأعوان، ومن هؤلاء تنتقل العدوى إلى أسرى الاستبداد، ويفشو الفساد في الدولة كلها. ويُمسي كل إنسان لا يهتم إلاّ بمصالحه الآنية، غير مبالٍ ولا مدرك أن للآخرين حقوقاً عليه، كما له عليهم. فمن أين لهؤلاء أن يعلموا بأن الإنسان مدني بالطبع، لا يعيش إلا بالاشتراك .

إن الاستبداد صيّر معبوده المال، وجعله هدف حياته الوحيد، الاستبداد دينه وحياته وشرفه المال ، فهو معيار احترام الناس ومصدر التمجّد. لذلك فإن المستبدين لا يدّخرون فعل أي شيء في سبيل الحصول على مزيد من هذا الإله، والاستمرار بالتنعّم في امتلاك هذا الشرف. ولا يتوانون عن ابتداع الطرائق التي تسهّل لهم عملية التموّل السريع. وبعد انقراض عادة أكل الإنسان لحمَ أخيه بتأثير التطور، فإن المستبدين اخترعوا أشكالاً أخرى لفعل ذلك، وتفننوا في الظلم، فهم يمتصون دماء الناس باغتصاب أموالهم، ويقصّرون أعمارهم بتسخيرهم في الأعمال وبغصب ثمرات أتعابهم .

إن الاستبداد السياسي لا يهمه إلا الاكتساب العاجل، وفي زمنه يتسع تفاوت الثروات بين الناس، ويُمسي الأسير، تقليداً لآسره، عبداً للمال، ويجنح الجميع للادخار. ولا يمكن، في ظل الاستبداد، أن يتم التموّل إلاّ بأن يحرم المتموّل الآخرين الرزق. والاستبداد، تسهيلاً لهذه العملية الاكتنازية، يسنّ قوانين التفاوت الاجتماعي لحماية احتكار المحتكرين. مما يجعل بالإمكان أن يشتري الغنيّ الفقير ويسخّره لخدمته.

ثم تعود مظاهر الفساد الاقتصادي كلها إلى نظام الحكم المستبد، لأن الاستبداد يُلغي العدالة من قواميسه ويشرّع كنز الثروات إذ يشجع صغار المستبدين على التعدي على حقوق الناس، وعلى استغلال نفوذهم في نهب أرزاق الشعب، وعلى تكديس الثروات لديهم على حساب الآخرين. وكلما ازداد الثري مالاً ازداد طمعاً ورغبة في زيادة التموّل،  فمن يملك عشرة يرى نفسه محتاجاً لعشرة أخرى، ومن يملك ألفاً يرى نفسه محتاجاً لألف أخرى .

أما الكسب المشروع فإنه، زمن الاستبداد، صعب المنال، وصعب حفظه، لأن الاستبداد يجعل المال في أيدي الناس عرضة لسلب المستبد وأعوانه، الذين قد يسلبونه في لحظة وبكلمة، وهو إن سلِمَ منهم فكيف يسلم من اللصوص والمحتالين الذين يصولون ويجولون في ظل أمان الإدارة الاستبدادية التي تفضّل الإكثار من أمثالهم؟، لذلك يضطر الناس إلى إخفاء أموالهم والتظاهر بالفقر والفاقة. من ذلك تفتر همم الناس عن العمل والكسب، لأن ما يحصّلونه معرّض للسلب، فضلاً عن صعوبة تحصيله.

وفي ظل الاستبداد لا يهتم الناس بالهموم الكبرى من قبيل إعلاء شأن الوطن أو احتلاله مكانة راقية بين البلاد الأخرى

أما الأثرياء، عبيد المال والاستبداد، فإنهم هم أيضاً لا يسلمون من سلب ما في حوزتهم من أموال، حيث يغصبها الأقوى منهم من الأضعف. وتبقى الأموال متنقلة بين أيدي المستبدّين، بينما الشعب في فقر مدقع، ولا تتضح معالم أثر هذا الفقر إلاّ في أواخر أيام الاستبداد، حيث يكون الفساد قد بلغ أوجَهُ، ولا يكون في وسع الفقراء إلاّ إرضاء المستبد بأي وجه كان لتوهّمهم بأن في داخل رؤوسهم جواسيس عليهم، ولا يسعهم إلاّ تملّقه للحصول على الحد الأدنى لقوتِهم اليومي، وهذا يجعلهم يضربون عزّة النفس بعرض الحائط ويخلعون الحياء.

ويصبح لسان حال الناس يقول: " إنما السلام في مسالمة الحكام وقولهم إذا أردت [لأمر؟] أن يمشي ارشي ثم ارشي ثم ارشي (…) وبناءً عليه فإذا كان الأهالي قد ألفوا الذل والرشوة إلى هذه الدرجة فلا يبقى حاجة لبيان مقدار استبداد المأمورين . هذه هي علاقة الاستبداد بالمال، علاقة نفعية، فالمال أحد أسباب انتشار الاستبداد وأحد دعائمه المهمة، والاستبداد يتحكّم في المال فيحيله إلى أداة إفساد في المجتمع، ويجعله لفئة تتحكم في رقاب باقي الناس من غير رادع أو وازع.

والاستبداد يغالب المجد ليقيم التمجّد الذي هو خاصّة من خصائص الإدارات المستبدّة، وهو التقرّب من المستبد بالتزلّف والمراءاة  والنفاق . ويحاول المستبد الإكثار من المتمجّدين وتوسيع دائرتهم، لأنّه فرد عاجز لا حول له ولا قّوة بغيرهم . وحاجته إلى عصابة تحميه، تدفعه كي يستوزر أسافل الناس الذين تغريهم مظاهر التمجّد والمفاخرة . ويستعين بالأصلاء الذين ينهمكون في إظهار العظمة واسترهاب الناس .

وكلّما اشتدّ ظلم المستبد، احتاج إلى عدد أكبر من الأعوان ليساعدوه على سياسة الطغيان والفساد . فهل تنتظر الأمة من هؤلاء المتجمّدين أن يخلّصوها من الاستبداد ؟ يجيب الكواكبي : إنّ الأمّة ((ليس لها من يحكّ جلدها غيرُ ظفرها، ولا يقودها إلاّ العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات))

من شروط الحصول على الحرية، وهو شرط جوهري، إذ لا حرية لفرد إلا بحرية بلاده، فمن أين لإنسان أن ينعم بالحرية وبلاده ترسف في القيود. فالحرية ليست مجرد اختيار فردي أو خلاص خاص، وإنما هي التزام بالمجموع إلى درجة أن ((يصير كل فرد من الأمة مالكاً لنفسه تماماً، ومملوكاً لقومه تماماً)). وهذا لا يكون إلا بإدراك الفساد ومعرفة الطريق التي توصل إلى الإصلاح.

 

شارك برأيك