الفراغ قيمة مُحتفى بها!

الفراغ قيمة مُحتفى بها!

الفراغ قيمة مُحتفى بها!

تاريخ النشر: 03.12.2020 | 23:28 دمشق

آخر تحديث: 03.12.2020 | 23:57 دمشق

تزخرُ مواقعُ التواصل ووسائل الإعلام التقليدية بأخبار المشاهير، ولم يعد الأمر حكراً على نجوم هوليود فقط، بل بات لدينا الآن نجوم من نوع آخر يتصدّرون المشهد عبر منصّات أقلّ كلفة وأكثر شهرة وأسرع انتشاراً، مثل يوتيوب وإنستغرام وتويتر وفيس بوك. ولعلّ القاسم المشترك بين قيمة أو ناتج عمل أغلب هؤلاء النجوم والمشاهير، هو الفراغ. تماماً هو الفراغُ من القيمة والمحتوى العميق بالمعنى الإنساني، خاصّة إذا ما قورنت الضجّة التي تُثارُ عادة حول أفعالهم وتحركاتهم، مع التجاهل الكبير والمتعمّد لقضايا هامّة مثل الفقر والمرض والحروب واللجوء والعنصرية والتمييز والتطرّف. ذلك لا يعني بالمطلق أنّ هؤلاء لا قيمة لهم أو لأعمالهم أو لفنّهم، ولا يعني أنّهم جهلة أو غير محترفين أو أنّ أعمالهم لا تتمتّع بأية جماليات، بل على العكس من ذلك، أغلب هؤلاء حقق نجاحات باهرة وعلى عدّة أصعدة، لكنّ السؤال المهم هنا هو: ما القيمة المضافة لهذه الأعمال على مستوى الإنسانية؟ وكلّما اقتربت الإجابة من هذا الجوهر، ابتعدت عن الفراغ المعني بهذا الخصوص.

في كتابه "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" يقول الدكتور عزمي بشارة:

(على الرغم من انتشار مؤسسات بروتستانتية تبشيرية مسيحية أميركية في مشارق الأرض ومغاربها، يبقى الدين الرئيس الذي تصدره أميركا هو منتوجات صناعة التسلية، و"عبادة" النجوم، والمشهد الإعلامي و"الموضة" وأنماط الاستهلاك وطقوسه والاكتشافات العلمية التي على أساسها تُصمّمُ الأدوات الإلكترونية الصغيرة والرموز والشعارات والرواسم للشباب وكل ما يمارس في معابد الاستهلاك في المجمّعات التجارية الكبرى وغيرها. إنها الصناعة التي تخلق حاجات وتخلق وهم سدّ هذه الحاجات بالسلع المعروضة.

ولا شكّ في أنّ أداتها الرئيسة هي تفوّقها في الإنتاج بما فيه إنتاج الصورة والمشهد والحاجات والتوقعات والمتع واللذة، والكليشيهات المنتشرة عن الديمقراطية والعلمانية والتسامح وحريّة الاختيار لدى الفرد أيضاً وغيرها. وهي حريّة الاختيار التي تتحول اختياراً بين المستهلكات المعروضة للبيع، هذا بعد أن يصمم المركز الحضاري الموضة والتقليعة ومسارب الاعتراض عليها أيضاً.

تزوّد هذه المراكز الناس ليس بأصنام جدد فحسب، بل بعالم متجاوز في الدنيا ذاتها أيضاً هو عالم نجوم السينما والبوب وغيرهم الذين يسقط عليهم الناس جوهرهم الجديد غير المتحقق في واقعهم المادي. فالعالم المتجاوز الديني التقليدي كان عالماً متجاوزاً "فعلاً"، بمعنى أنّه غير قائم في هذه الدنيا، أمّا العالم المتجاوز في الديانات الاستهلاكية الجديدة فمتجاوز "وهماً"، بمعنى أنّه قائم في الواقع وليس متجاوزاً له. وبهذا المعنى أصبح المتجاوز الوهمي هو الواقعي.

كما إنّه يمنح الإنسان الانبهار والاندهاش اللازمين للتعويض عن المقدّس بمقدّسات جديدة، ويمنحهم أماكن توازي ضخامتها الكنائس القوطيّة مثل المدرّجات الرياضية الكبرى والمجمّعات التجارية الضخمة وغيرها.)

يحضر في هذا المقام حدثٌ جرى منذ عدّة أشهر في مدينة دبي، تلخّص بإنفاق مبلغ 350 ألف دولار على احتفال زوجين بإظهار نتيجة تحليل حمْلِ الزوجة، وقد خُصّص جزء من المبلغ بمقدار 95 ألف دولار لعرض نتيجة التحليل في بثٍّ حيٍّ ومباشر عن طريق إضاءة برج خليفة بالليزر. أثار هذا العمل حفيظة كثيرٍ من متابعي هذا الحدث، وخاصّة السوريين منهم. فمن جهة كان هناك هجوم حادّ على هذا السلوك من قبل زوجين سوريين، باعتباره لم يراعِ بأدنى حدّ مشاعر مئات آلاف السوريين من المقيمين في مخيمات اللجوء والنزوح خارج سوريا وداخلها، والأوضاع الاقتصادية المرعبة التي يعيش في ظلها ملايين السوريين في عموم سوريا، كما لم يأخذ بالحسبان أي اعتبار لموقع والد الشاب المحسوب واحداً من أبرز قيادات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

 بالمقابل، رأى قسم لا بأس به من المشاركين بالنقاش، أنّ هذا الأمر شخصي ولا يجوز ربطه بالمعارضة السورية أو بأي كيان سياسي محسوب عليها، ولا يجوز حتى تحميل والد هذا الشاب وزر أعمال ابنه. كذلك ثمّة من رأى أنّ العمل مجرّد دعاية تجارية لا غير، وقد جاءت ضمن سياق الترويج الاستهلاكي الذي تعيشه مدن الملح، التي وصفها عبد الرحمن منيف في روايته الشهيرة التي تحمل ذات الاسم عنواناً لها. بكلّ الأحوال، وسواء أكان الزوجان قد أنفقا المال من حسابهما الخاص، أم كان الدافع شركة تجارية بهدف الاستثمار، أم أيّ جهة أخرى، فإنّ القيمة النهائيّة له – بالمقياس المحدد أعلاه – مجرّد صفر، إن لم يكن ذا قيمة سلبية من حيث ما أفضى إليه من تعزيز مشاعر الغضب والاشمئزاز عند كثير من الناس، وأيّ عزاء للفقراء والمشردين وذوي المفقودين والمعتقلين عندما يرون مثل هذه البذخ، وهُمْ فيما هُمْ فيه من همومٍ ومآسٍ ومصائب!

بلا شك، لم تعد مثل هذه الاحتفاليات نادرة أو مستهجنة، بل يكاد العكس أن يكون صحيحاً، فكلّ يوم نسمع ونرى أخباراً مماثلة. وبعد احتفالية شاه إيران التي أقامها في آب عام 1971 بمناسبة مرور 2500 عام على قيام دولة الفرس في إيران، والتي كلّفت ما يعادل مليار دولار بحسابات هذه الأيام، لم يعد أمر البذخ بلا مبرر ذا أهميّة كبرى. ففي تلك الأيام، كان ربع الشعب الإيراني يرزح تحت خط الفقر، ونصف البلاد بلا ماء صالحة للشرب وبلا كهرباء، بينما زرع الشاه الصحراء وأنارها ليبهر ضيوفه من الملوك والأمراء، وليتوّج نفسه ملكاً للملوك، فلا عتب على الأفراد إذن إن قاموا بمثل هذه الاستعراضات، لملء الفراغ الذي لا يمتلئ إلّا إذا أصبح قيمة بذاتها ولذاتها مُحتفى بها أيما احتفال!

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
النظام يستعد لإطلاق منصة إلكترونية للتسجيل على لقاح كورونا
رغم تفشي الوباء.. نظام الأسد يعيد فتح الدوائر الحكومية
حكومة النظام: انتشار كورونا في سوريا يتصاعد والوضع أكثر من خطير