الغوطة وسيران الدم

تاريخ النشر: 26.03.2018 | 10:03 دمشق

زفّت وسائل إعلام النظام البشرى العاجلة للشوام بأنه صار في وسعهم قريباً استئناف عادتهم الشهيرة بالتنزه في الغوطة خلال الربيع والصيف، بعد أن اضطرت أكثر فصائلها إلى الموافقة على التهجير.

 

انتحال «السيران» جزء من الاحتلال الرمزي لدمشق، وهو زجٌّ لها في معركة النظام ضد الغوطة. وكأن أبرز ما يهم الدمشقيين، في هذه الكارثة الوطنية الشاملة، هو حمل الحصيرة والنراجيل والمشاوي واستنهاض طقوس المسرات.

فعلياً، لا تبدو الغوطة مؤهلة لاستقبال أي متنزهين، مع استمرار معركة دوما، والحجم الهائل للدمار، وانهيار الخدمات، ومع رائحة الموت السوداء التي تخنق المكان. غير أن النظام لن يترك الأمور تسير سيرها الطبيعي، بل سيرسل بأسرع وقت مجموعات من المحتفلين «بعودة الاستقرار» أمام الكاميرات، فيما سيؤمّن لهم ضيفٌ في الاستوديو التغطية الثقافية اللازمة من تنويعات الغنائية المبتذلة عن «حب الحياة».

 

غير أن هذه فرصة لقول أشياء أكثر جدية من كلام مذيعات برامج الصباح في التلفزيون.

الإعلام الرسمي يتصيّد أي لحظة فرح يعيشونها، أو يصطنعها، ليستغلها في الدعاية «لحضن الوطن».

فمع توالي انتصارات النظام تجاوزت سيطرته نصف أراضي البلاد، لكن الأهم هو تحكمه في كتلة بشرية ضخمة من السكان ممن كانوا يقطنون في مناطقه أصلاً، أو كانوا في مناطق محررة وسقطوا معها في قبضته، وأخيراً ممن اضطرهم اشتعال الجبهات المختلفة إلى النزوح. وبالطبع فإن فيهم معارضون جديون، وكارهون للنظام وإن لم يؤيدوا الثورة، أو كانت لديهم سلسلة طويلة من خيبات الأمل في الثوار ومرافعة قاسية في انتقادهم.

 

وإذا كانت مخاطبة الجمهور الصلب للنظام قد أثبتت فشلها خلال السنوات السبع السابقة، للأسف، فإن الملاحظ أن الثورة، منذ أن حررت مناطق شاسعة عام 2013، وبدا لها أنَّ استكمال السيطرة مسألة وقت، تراخت في توجيه الخطاب لسكان مناطق النظام، إلى أن أغفلت ذلك بشكل شبه تام بالتدريج. فقد بدا هؤلاء، في البداية، «أهلنا» الذين غادرناهم للتو وسنعود إليهم فاتحين قريباً، ولا حاجة لتمييزهم بخطاب خاص ما داموا يشاركوننا النسيج نفسه من المواقف والأفكار. ثم أخذ الأمر يتحول إلى تباعد مع دخول سكان المناطق المحررة في عوالم جديدة على السوريين، كالمجالس المحلية والمنظمات والحدود النفوذة والفصائل وجبهة النصرة وداعش، فضلاً عن التعرض للقصف المتصاعد وتراكم الخبرة في أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطائرات الحربية. فيما كان سكان سورية الأسد يرزحون تحت أطلال رتابتها الكئيبة المعتادة، والإعلام الرسمي يتصيّد أي لحظة فرح يعيشونها، أو يصطنعها، ليستغلها في الدعاية «لحضن الوطن». ولم تكن صور وفيديوهات المطاعم والأعراس والرحلات عديمة التأثير في الجائعين والمهددين في حياتهم وسلامة أطفالهم والمترددين تكراراً إلى المقابر. وهكذا أخذت الضفتان تتباعدان وصولاً إلى الضغائن والجفاء الحاد، وحتى إلى اعتبار سكان مناطق النظام جميعاً مؤيدين له أو متواطئين معه، ما داموا لا يظهرون تعاطفاً مع بشر يبعدون عنهم كيلومترات قليلة.

 

غير أن هذه النظرة لم تعد صالحة اليوم، كما لم تكن صالحة يوماً. فها هم مئة ألف أو يزيدون من سكان الغوطة قد اضطروا إلى اللجوء إلى قاتلهم الذي استقبلهم أزلامه «بتشريفة» من الإذلال لا تنسى، بعد سنوات الحصار والقصف بكافة أنواع الأسلحة. ولهم أقارب وأصدقاء ومعارف في دمشق، المدينة ذات الحساسية المرهفة للنظام رغم حذرها الشديد في مواجهته. ولهؤلاء جميعاً، ولكثيرين غيرهم من رافضي حكم الأسد في مناطق سيطرته، لم توجه الثورة خطاباً يدعو إلى المقاومة السلبية على الأقل،

من شأن الموقف الأخلاقي المبني على رؤية داخلية واضحة أن يحفظ للمرء درجة عالية من التماسك الشخصي الذي يخفف التيه ويساعد في المرور بهذه الأوقات الصعبة، وخاصة على من يعيشها في أرض الأسد

بعد أن استشرس النظام وصار العمل ضده هناك انتحاراً، لكن مقاطعة مسرحياته الاحتفالية وتجنب دبكاته أمر ممكن في غالب الأحيان. وعدم إضفاء الشرعية على جرائمه ضرورة، حتى لو كانت هذه التغطية مجرد «سيران».

 

وهنا تجدر الإشارة إلى ثلاث أفكار محورية في طريق المقاومة السلبية. أولاها أن أنصار النظام الجديين أقلية بين السوريين، وبالتالي فإن المفاصلة الباردة معه قد تكون خياراً مناسباً لأغلب من يعيشون في مناطقه، لا سيما وأن من شأن الموقف الأخلاقي المبني على رؤية داخلية واضحة أن يحفظ للمرء درجة عالية من التماسك الشخصي الذي يخفف التيه ويساعد في المرور بهذه الأوقات الصعبة، وخاصة على من يعيشها في أرض الأسد التي تصدح مكبرات الصوت فيها بالانتصار النهائي المزعوم يومياً.

 

وثاني هذه الأفكار هو أنه ربما كان علينا الآن أن نراجع ما سبق واتفقنا عليه من انتهاء مرحلة السلمية، جرياً مع تطورات السياق العام للثورة. فالمناطق التي يمكن استئناف شكل من أشكال النضال السلمي فيها لم تعد جيوباً، وسكانها ليسوا أقلية بحال. إن لم نوسع الدائرة لتشمل الملايين من جمهور الثورة وأبناء المناطق المنكوبة في دول اللجوء، والذين تقصّر نشاطاتهم العامة عن مستوى الإمكانيات بكثير، سواء بالتظاهر أو بتنظيم حملات المناصرة والتبرعات. وما كل ذلك إلا بسبب هشاشة مفاهيم وخبرات النشاط المدني لدينا، بل وقوعنا غالباً في احتقارها والاستخفاف بها بسبب عدم إيماننا بالمسؤولية الأخلاقية الفردية كأساس، وبالتراكم وجدوى الجهود الصغيرة والنفس الطويل. فنحن «أناس لا توسط بيننا/ لنا الصدر دون العالمين أو القبر»، نؤمن بمبدأ الكل أو لا شيء. ويصعب علينا التوفيق بين أشكال مختلفة من النضال المدني والعسكري والسياسي معاً، بحسب الظروف المتاحة بين مكان وآخر وزمن وسواه.

 

وثالثاً، إن من شأن فهم حساس للإسلام (وليس مستنيراً بالضرورة) أن يقدّم عدّة مفاهيمية متكاملة للمقاومة السلبية. تبدأ بالمحافظة المستمرة على إدانة المنكر في القلب بوصف ذلك «أضعف الإيمان»، ولا تقف عند النهي عن تكثير سواد الظالمين، أي مجرد الوجود في جموعهم، ومفاهيم أخرى كثيرة. ومن المؤسف أن النزعة المحافظة التقليدية لدينا، كما الموجة الإسلامية بعد الثورة، اهتمتا بالمعالم الشرعية والفقهية الخشنة في أغلب الأحيان، مما حرم المفاصلة المطلوبة بين المجتمع والنظام من مرجعية غنية وواسعة التأثير هي الدين، ليضاف ذلك إلى تجفاف بالغ في مفاهيم ووسائل المقاومة المدنية للدكتاتوريات، والمأخوذة من الغرب ومن أنحاء مختلفة من العالم.

 

وكما بدأنا بدمشق وغوطتها إليهما نعود. إذ ربما نتج عن كل ما سبق أن من واجبات الوقت على شيوخ الشام في الخارج، وهم شخصيات معروفة وموثوقة في بيئاتها وما زالت تحتفظ فيها بشعبية غير معلنة، توجيه فتاوى سياسية واضحة تسهم في تحصين التماسك الشخصي والمفاصلة الاجتماعية للدمشقيين، الذين يمتازون عن باقي السوريين، أصلاً، بنمو تاريخي لافت في خبرات المقاومة السلبية.