الغاز وطريق الحرير ومستقبل العلاقة بين قطر وإقليم كردستان

تاريخ النشر: 30.03.2022 | 06:34 دمشق

أكد رئيس وزراء إقليم كردستان العراق، مسرور البارزني، خلال مشاركته في مؤتمر الطاقة العالمي الذي أقيم في دولة الإمارات يوم الإثنين 28/3/2022، أن الإقليم سيبدأ تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا قريباً، كما تسعى دول أوروبية من بينها ألمانيا لاعتماد بديل للغاز الروسي، ويجدون ضالتهم في الغاز القطري المسال. وربما كانت زيارة رئيس وزراء إقليم كردستان إلى قطر في 15/2/2022 جزءاً من التغيرات التي طرأت على خارطة الطاقة وطرق نقلها على المستوى الدولي، وكلها تشكل جذرا أساسيا للصراعات الدولية.

ومع رغبة الصين بالتمدد صوب الشرق الأوسط والخليج العربي، والأطماع الروسية في أغلب الدول، والتي وجدت ضالتها في سوريا؛ للوصول والسيطرة على طرق الاقتصاد العالمية؛ كون المسيطر على تلك الطرق يتحكم بحركة أسواق الطاقة والتجارة، فإن العلاقات بين قطر وكردستان العراق هي جزء مكمل للتحركات الأميركية في الشرق الأوسط، والحاجة لإعادة هيكلية الاقتصاد الإقليمي لمواجهات تلك التحديات، وكلها تدخل ضمن حملات مواجهة أميركا وحلفائها للتمدد الصيني والروسي.

وتدرك النُخب الحاكمة في كردستان العراق استحالة تقوية اقتصادها دون الانفتاح على الدول المهمة في الاقتصاديات العالية كدول الخليج خاصة قطر كدولة قوية بما تملكه من علاقات مهمة في المنطقة خاصة سوريا وتركيا وإيران، كما أن الاقتصاد الحديث هو المتكامل بين الدول الفاعلة في ملفات متشابهة أو متقاطعة، وتمتلك كردستان علاقات معمقة مع دول الجوار بما تملكه من موارد للطاقة، لذا يُعتبر تمتين علاقة أربيل-الدوحة عملية تكامل وترابط للطرفين. فكردستان العراق بحاجة لخبرة قطر في مجال الطاقة، وقطر تحتاج كردستان كجانب مكمل في السياسات الاقتصادية والاستفادة من الاستقرار المطلوب للتنمية والمشاريع الاستثمارية ونقل الغاز إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

تشابه الحال بين قطر وكردستان في مجال الطاقة

تتشابه المساعي والرغبات الاقتصادية في مجال الطاقة بين الطرفين، حيث تسببت الحرب ضد داعش وقطع ميزانية الإقليم من قبل الحكومة الاتحادية في توقيف نموّ محطات الغاز في كردستان العراق، وتوقف العمل باتفاق تصدير الغاز الطبيعي من الإقليم إلى تركيا. وهذه الأخيرة سينتهي العمل بصفقة الغاز بينها وإيران عام 2026، لتكبر معها الرغبة الكردية بالفوز بعقود إمداد الغاز وتصديره إلى تركيا وأوروبا، كما سبق لقطر قبل الــ2011 أن سعت للاتفاق مع الحكومة السورية باستضافة خط أنابيب لنقل الغاز من قطر عبر محافظة حلب السورية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، لكن تدخل إيران وروسيا حال دون تنفيذ المشروع، كما فشلت روسيا في جر الغاز الإيراني بواسطة أنابيب بطول 1500 كلم عبر العراق وسوريا إلى أوروبا بسبب بداية التظاهرات في 2011 ، وهو ما وضع قطر في منافسة مع روسيا وإيران في حروب سوق الغاز الطبيعي.  

وبالمقابل من المتوقع أن ينتهي العمل على مشروع إيصال الغاز من حقول كردستان العراق إلى محطة دهوك الكهربائية ومنها إلى الحدود التركية، خلال منتصف العام المقبل، عبر أنابيب لا يتجاوز طولها 35 كلم، وهو ما يعني ضرورة زيادة الإنتاج. ولأن جذر مشكلة حقول الغاز الطبيعي في الإقليم تكمن في أن أكثريتها غير مشغلة ولم تتطور، إضافة إلى كثافة رأس المال البشري في كردستان واحتواء الإقليم على فائض غاز كبير عن الحاجة غير مستثمر أو مستخرج، يجعل منه مكاناً جذاباً للاستثمار، فإن الشراكة مع قطر تعني الاستفادة منها وتطوير تلك الحقول، ودخول قطر إلى سوق الغاز في كردستان سيعني كسر الكثير من العزلة المفروضة على قطاع الطاقة كنتيجة لسياسات بغداد المتبعة ضد الإقليم. وربما تصبح العلاقات القطرية مع كردستان العراق مرتكزا أساسيا للطاقة، وما يُمكنه دعم هذا التكتل الاقتصادي ويدخل في مصلحتهما هو أن الاتحاد الأوروبي شديد الاهتمام بالغاز القطري، وصراعها مع ابتزاز روسيا التي تمد حاجة أوروبا بقرابة 40% من الغاز الرخيص والمضمون، لكن ثلثه يمر عبر أوكرانيا، والتغيرات المتوقع حصولها في خارطة طرق وإمداد الطاقة بعد حرب روسيا ضد أوكرانيا، في حين لا يتجاوز تصدير الغاز القطري أكثر من 5%، وبذلك ثمة تعارض بين مصالح أوروبا الاستراتيجية ما بين الرافضة للتدخل الروسي في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، وسعيها لعزل أو حصار روسيا اقتصادياً دون تأثير ذلك على ملف الغاز لديها.

"وبحسب تقديرات شركة النفط البريطانية بي بي، بلغت احتياطيات الغاز المؤكدة في قطر نحو 24.7 تريليون متر مكعب نهاية عام 2020، ما يمثل نحو 13.1% من إجمالي احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي" كثالث أكبر احتياط بالعالم، و"تصدر قرابة/ 5 مليون/ طن من الغاز إلى تسع دول أسيوية، وأكثر من /1,1مليون /طن إلى خمس دول أوروبية" وفي مقدمة الدول الأسيوية الصين بحجم مليون طن، وتبدو كفة قطر راجحة لتعويض الأوروبيين عن غاز التدفئة الروسي فتشكل قطر بذلك دوراً إقليماً دولياً توازنياً مهماً، لولا العقود المبرمة الملزمة وطويلة الأجل بين الدوحة ودول أسيوية مهمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، والصين. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد الطبيعية، فإقليم كردستان يمتلك (5.6 تريليونات قدم مكعب) من الغاز الطبيعي "كسابع أكبر احتياطي"، ويمكن أن يلعب الغاز القطري مع غاز كردستان والاتفاقيات الثنائية مخرجاً ممتازاً لأغلب الأطراف، وهو سيخلق ثلاث منعطفات مهمة أولهما بيع كُردستان العراق للغاز مع قطر، والثاني دور للإقليم وازن في طريق الحرير الجديد، وثالثتها: ورقة ضغط رهيبة وضخمة لحلفاء أميركا في وجه روسيا والصين.

الجانب السياسي في صفقات الغاز وطريق الحرير

أمام هذه الديناميات الناشئة والمهمة، فإن طريق الحرير الجديد يصطدم مع التكتلات السياسية التي تقودها أميركا ومنها الكردستاني-الخليجي عبر قطر، والموقع الجيوبوليتكي للإقليم ودوره ونفوذه في مناطق برية من الموصل وشنكال ليمنحه بعداً مهماً في طريق الحرير والتجارة العالمية، فالمناطق المتنازع عليها خارج إدارة الإقليم والمعروفة بمناطق المادة /140/من الدستور العراقي وهي مناطق استراتيجية ذات بُعد كبير في الصراع تاريخياً بين الكرد ومختلف الأطراف الأخرى، ولم تتمكن أيّ جهة من إخراج الإقليم من معادلة تلك المناطق، ولم يتمكن الإقليم أيضاَ من تطبيق الدستور وإعادتها لسيطرته بالمطلق، وهي طرق محفوفة بالمخاطر وبؤر للإرهاب، وتمكنت قوات البشمركة في الكثير من المرات بالقضاء على تلك البؤر وتطهير الموصل وشنكال. والفوز الكاسح لقائمة البارتي الديمقراطي في الانتخابات العراقية الأخيرة في تلك المناطق دليل واضح على النفوذ الكردستاني في المنطقة، وتدرك قطر جيداً دور العامل الكردي في تلك المناطق واستحالة تنفيذ أو شراكة أيّ طرف في تلك الطرق دون أتفاق مع الكرد وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني. فالموصل/نينوى تحولت لإحدى أخطر نقاط الصراع الإقليمية والدولية، وتالياً تشكل حالياً إحدى أبرز العقد المركزية في المشروع الصيني، وبات ملحاً اختيار اصطفاف دولي إقليمي متكامل.

ولا تزال جبال شنكال تعاني من آثار الصراع المحلي-الإقليمي-الدولي، ويشكل نقطة محورية في طريق الحرير المجبر بالمرور عبر شنكال حتّى يصل إلى سوريا والبحر المتوسط، لذلك فإن المسيطر على الموصل -شنكال أو المشارك في حكمها يملك مفاتيح حلول كثيرة لنفوذ طويل الأمد، والسيطرة عليهما يعني التحكم في ممر طريق الحرير البري إلى الشمال السوري وتركيا ويعني أيضاً التحكم في تجارة البترول السوري والتحكم بجزء حيوي مهم من الحدود العراقية السورية التركية، ولا يمكن تجاهل هذه المعطيات الاستراتيجية عند الحديث أو التفكير في اتفاقية سنجار بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، لذلك تسعى أربيل للاستفادة من قطر في مجال الحكومات الذكية والطاقة وعلاقاتها المتينة إقليمياً ودولياً، وقطر ترغب بالاستفادة من جغرافية كردستان كمنفذ جغرافي رابط بين تركيا وأوروبا، ودوره ومكانته في طريق الحرير الجديد، والمطل على الشريط الحدودي الواصل إلى البحر المتوسط.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار