icon
التغطية الحية

الغارديان: تحكم ورقابة وعقوبات.. من داخل "سانا" الذراع الإعلامية لنظام الأسد

2024.12.31 | 16:07 دمشق

آخر تحديث: 2025.01.11 | 12:51 دمشق

الصفحة الرسمية لوكالة سانا باللغة العبرية
الصفحة الرسمية لوكالة سانا باللغة العبرية
The Guardian - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- الرقابة والضغوط على الصحفيين: عانى صحفيو سانا من رقابة صارمة وضغوط من النظام السوري، حيث كانت محاولات نشر الحقيقة تُقابل بعقوبات قاسية مثل الاعتقال والتعذيب، مما أجبرهم على تكرار الدعاية الرسمية.

- التضليل الإعلامي ودور سانا: لعبت سانا دورًا محوريًا في حملة التضليل الإعلامي للنظام السوري، حيث نشرت أخبارًا مضللة تدعم النظام وتقلل من شأن المعارضة، معتمدة على وكالات مثل سبوتنيك وتعديل الأخبار لتكون أكثر تطرفًا.

- التحديات الاقتصادية والقيود: واجه الصحفيون تحديات اقتصادية برواتب هزيلة وقيود تمنعهم من الاستقالة أو السفر، حيث اعتبرتهم السلطات مطلعين على معلومات حساسة.

بعد 21 عاماً، أتى اليوم الذي بقي فاروق يخشاه طوال تلك السنين، فقد عبرَ ظرفٌ مختومٌ بالشمع الأحمر الممراتِ الباهتة لوكالة الأنباء الرسمية السورية، سانا، ووُضع فوق مكتبه، فوجد بداخله ما كان الموظفون يعتبرونه عقوبة تتراوح شدتها ما بين التوبيخ من مديري التحرير وصولاً إلى الاستدعاء إلى أحد فروع الأمن السورية المتوحشة.

يحدثنا فاروق عن ذلك مستخدماً اسماً وهمياً بما أنه يعمل صحافياً لدى مكتب الأخبار الأجنبية بوكالة سانا، فيقول: "عثرت على خطأ قبل أن تنشر المقالة فلفت نظر المحررين إليها، وخلت بأني أبليت بلاء حسناً عندما قمت بذلك، لكنهم عاقبوني".

كان فاروق محظوظاً لأنهم اكتفوا بمعاقبته إدارياً، لأن غيره من الزملاء العاملين لم يحالفهم الحظ أبداً، إذ في أحد الأيام من عام 2014، كان مهند عبد الرحمن في قاعة الاستراحة يثرثر مع زملائه في أثناء إعداده للشاي، وفي خضم المحادثة، انتبه أن جميع الموظفين الذين كانوا ضمن تلك المجموعة ينتمون للطائفة نفسها، وفي ذلك ما قد يثير شكوك السلطات المصابة بداء الشك تجاه أي شكل من أشكال التجمعات، ولهذا انفض التجمع على عجل وتوجه كل منهم لمكتبه.

وبعد مرور أسبوع على ذلك، وجد محمد هو وزملاؤه كل على مكتبه ما كانوا يخشونه، إذ وجدوا ظرفاً مختوماً بالشمع الأحمر، وبداخله استدعاء للفرع 235، أي لفرع فلسطين، وهو أحد أسوأ مراكز الاحتجاز صيتاً في عموم البلد، وهناك تم التحفظ على عبد الرحمن وبقية زملائه وفتح تحقيق معهم امتد لخمسة عشر يوماً.

سانا والدعاية للنظام المخلوع

سرد عبد الرحمن وزملاؤه كيف جرت عملية اعتقالهم أيام النظام في أثناء تحلّقهم حول أحد المكاتب في قسم الأخبار الخارجية بوكالة سانا وذلك عقب عشرة أيام من سقوط نظام الأسد، وما تزال الدهشة تعلو وجوههم بعد أن أصبح بوسعهم الحديث عن الأمر بكل حرية.

خلال الأيام الثلاثة عشر الماضية، لم يُسمح للصحفيين أن ينشروا الأخبار بحرية بما أن وكالة الأنباء التي يعملون فيها تعتبر جبهة سابقة ترسّخ دعاية نظام الأسد.

فالصفحة الرئيسية لوكالة سانا التي لم يطرأ عليها أي تحديث منذ أن طرد الأسد في الثامن من كانون الأول، ما تزال تظهر آخر عنوان نُشر أيام حكم نظام الأسد وما يزال الشريط الإخباري يعرض: "الرئيس الأسد على رأس عمله، ممارساً مهامه الوطنية والدستورية" على الرغم من هروب الديكتاتور إلى موسكو قبل ساعات من نشر الخبر.

زعمت التغطية الإخبارية لوكالة الأنباء السورية خلال الأيام التي سبقت إسقاط نظام الأسد أن كل الأمور تسير على ما يرام داخل سوريا، وعند تقدم الثوار نحو دمشق، أعلنت سانا أن ما يُعرض مجرد عمليات غايتها التقاط الصور والفيديوهات، كما تحدثت عن "إعادة انتشار استراتيجية" للجيش في الوقت الذي أخذت فيه قوات النظام تغادر مواقعها زرافات وجماعات.

رقابة على طريقة الروائي البريطاني جورج أورويل

لم يكن صحفيو سانا مغيبين، إذ كانوا يعرفون أن المعارضة قد أحرزت تقدماً على الأرض على حساب قوات النظام، إلا أن سنوات طويلة من السيطرة والتحكم والرقابة الأورويلية داخل غرفة الأخبار جعلتهم عاجزين عن كتابة الحقيقة.

يعلق عبد الرحمن على ذلك بقوله: "إن قالوا لك بأن اللبن أسود فعليك ألا تخالفهم وتقول إنه أبيض، لأنهم يجعلونك تخشى العقاب، ولهذا لن تحاول إضافة أي شيء جديد على المقالات".

سانا وحملة التضليل الإعلامي

طوال الحرب السورية، بقيت سانا تجتر العناوين المحابية للنظام، ما جعلها عنصراً أساسياً ضمن حملة التضليل الإعلامي السورية والروسية، إذ وصفت مقالاتها الدفاع المدني السوري، المعروف باسم الخوذ البيضاء، بالعمالة لتنظيم القاعدة في عمليات سرقة الأعضاء البشرية، وعلى الرغم من أن أكثر من 90% من السوريين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر، بقيت سانا تنشر أخباراً عن تسيير حافلات صديقة للبيئة في دمشق.

مخبرو سانا 

ولضمان عدم كتابة الصحفيين ما يخالف عناوين النظام، زرعت المخابرات السورية مخبرين في مكتب سانا حتى يقوموا بمراقبة الصحفيين، وهذا ما دفع عبد الرحمن إلى القول: "لم نكن نعرف من هو الشخص الذي كان يكتب التقارير عن زملائه بيننا، إذ كانت تقارير تكتب عن موعد قدومنا إلى العمل وموعد مغادرتنا له، والمدة التي نمضيها في المرحاض".

التضييق الخانق على صحفيي سانا

كما خضعت الحسابات الشخصية للصحفيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمراقبة، لذا فإن أي حالة تعبر عن رأي معارض أو حتى أي إعجاب يظهر على أي تعليق مشبوه، لا بد أن يلفت نظر السلطات لصاحبه.

أما العواقب التي تنتظر أي صحفي يتجرأ بالابتعاد على خط الدولة فيمكن أن تؤدي إلى هلاكه، إذ يتذكر الصحفيون زميلاً لهم اعتقل لمدة ثلاثة أشهر وتعرض للتعذيب بشكل يومي، لدرجة أنهم علقوه من أنبوب بوضعية مجهدة غريبة، في حين تعرَّض آخر للتعذيب الشديد بعد أن تبيّن لهم أنه كان يرسل لقناة الجزيرة مقاطع فيديو تُظهر خروج مظاهرات معارضة في جنوبي سوريا.

تقريباً لدى كل صحفي في سانا قصة مع الاعتقال، ومن التهم التي تنسب لهم: تشويه سمعة سوريا، وتنظيم أنشطة ثورية، والعمل لصالح إسرائيل أو إيران.

التعتيم على الحقائق

وتحت وطأة التهديد بالإيذاء الجسدي، كان يطلب من الصحفيين إنكار الواقع الذي رأوه بأم أعينهم، وتصديق النشرات الصحفية التي ترسلها إليهم فرق العلاقات العامة لدى النظام، ومع تدهور الظروف الاقتصادية، أصبح النظام السوري ينشر مزيداً من الإحصائيات والأرقام الفاضحة في مقالاته.

كان النظام الأسدي يبدي حساسية كبيرة تجاه أي خبر اقتصادي، خشية أن يزيد ذلك من النقمة عليه، ولهذا يقول عدنان الأخرس، وهو صحفي من قسم الأخبار المحلية: "كان هنالك تعتيم على أي معلومة حقيقية، والأرقام التي كانت تصل إلينا من وزارة الصناعة والاقتصاد لا أساس لها من الصحة".

أيضاً كان على الصحفيين أن يتعاملوا مع البيروقراطية المرعبة للمؤسسة ومع المعايير التحريرية الصارمة، وفي حال إيفاد أي صحفي لتغطية خبر في الخارج، فعليه أولاً أن يطلب الإذن من المحرر في قسمه، والذي بدوره يجب عليه أن يستأذن مدير التحرير والذي يرفع الأمر لرئيس التحرير الذي ينبغي عليه مخاطبة وزير الإعلام بخصوص ذلك، وبعد تأمين كل تلك الأذونات، يكون الخبر قد فات ومضى وقت طويل عليه.

سانا صوت لـ"موسكو الحقيقية"

كان الصحفيون في قسم الأخبار الخارجية يعتمدون على وكالات الأنباء مثل سبوتنيك الروسية وشينخوا الصينية لينسخوا منها الأخبار، ولكن هنالك سياسات تحريرية صارمة تتجاوز في بعض الأحيان السياسات التحريرية التي تتبعها الدول الأجنبية الراعية لنظام الأسد، ولهذا كان من واجب الصحفيين تغيير نسخة وكالة سبوتنيك الروسية للأنباء وتحويلها إلى نسخة أشد صرامة، إذ مثلاً كان الإعلام الروسي يكتب: "جيش أوكرانيا" فتستبدلها سانا في أخبارها بعبارة: "قوات النازيين الجدد".

ويعلق عبد الرحمن على ذلك بالقول: "كنا نسخر من ذلك بالقول إننا موسكو الحقيقية وليسوا هم"، وأضاف أن الصحفيين في قسم الأخبار الخارجية لم يعد بوسعهم أن يكتبوا خلال السنوات القليلة الماضية إلا عن كوبا وإيران وروسيا وفنزويلا.

إيميل القصر

وخلال بحث الصحفيين عن الأخبار التي سيكتبون عنها، كان يطلب منهم جمع أي مقالات تنتقد نظام الأسد نشرت في الصحافة الأجنبية، فكانوا ينسخون تلك المقالات ويلصقونها في رسالة بريدية يرسلونها عبر البريد الإلكتروني مذيلة بأسمائهم إلى حساب خاص زودهم به القصر، من دون أن يعرف هؤلاء الصحافيون إلى أين ولمن ترسل تلك الرسائل، بما أنهم بحياتهم لم يتلقوا أي رد من الجهة المرسل إليها.

راتب هزيل وأخبار عبثية

بعد أن باتت الحياة في سوريا أصعب، أصبح العمل في سانا أصعب هو أيضاً، وذلك لأن الراتب الشهري في وكالة الأنباء الرسمية لم يكن يتجاوز 150 ألف ليرة سورية (ما يعادل 11 دولاراً تقريباً)، كما أصبحت أخبار سانا مثيرة للسخرية وعبثية بنسبة أكبر في ظل الفقر المتنامي في البلد، حتى في نظر من يكتبونها.

يعلق أحد صحفيي سانا على الأمر مستخدماً اسمه الأول فقط وهو إبراهيم، فيقول: "لدينا مثلٌ نقوله في هذا المقام وهو: اربط الحمار مطرح ما بيقلك صاحبه".

المنع من الاستقالة والسفر

أما الاستقالة فكانت محظورة على الصحفيين، إذ كانت الاستقالة تُعرَض على لجنة خاصة، وهذه اللجنة ترفض على الدوام أيَّ طلب من هذا القبيل، كما كانوا ممنوعين من السفر، وفي حال حاول أحدهم، فإنَّ اسمه سوف يعمم على جميع مراكز خفر الحدود حتى يعيدوه إلى البلد، إذ كانوا يعتقدون أن صحفيي سانا مطّلعون على معلومات حساسة ولهذا ينبغي لهم تقديم إذن خاص لجهاز الأمن حتى ينالوا الموافقة لمغادرة سوريا، ولم يكن أيٌّ منهم يحصل على تلك الموافقة مطلقاً بحسب ما أخبرنا عبد الرحمن.

حماسة ما بعد السقوط

رغم سنوات القمع، عاد صحفيو سانا إلى عملهم بعد يومين على سقوط نظام الأسد، حيث اجتمع صحفيو الأخبار المحلية وشرعوا وبكل حماسة بطرح أفكار لمقالات سيكتبونها مستقبلاً، مثل الأسواق الجديدة التي ظهرت في حقبة ما بعد الأسد، وتحسن سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتعقب ما خفي من كاميرات المراقبة الموجودة في سجون النظام.

بيد أن الصحفيين، بعد سنين طويلة من القبضة المحكمة التي مورست عليهم وخنقتهم، لم يعد أحدهم يدري من أين عليه أن يبدأ، ولهذا يقول عبد الرحمن: "نأمل أن تصبح لدينا حرية في الصحافة وألا يعتقل أي منا بعد اليوم" وعند تفوهه بهذه العبارة أومأ إلى المسؤول الإعلامي من هيئة تحرير الشام الذي تولى مهمة المساعدة في إعادة ترتيب أمور وكالة الأنباء الرسمية في سوريا.

 

المصدر: The Guardian