icon
التغطية الحية

العودة إلى سوريا.. خطة لبنانية جديدة لإعادة اللاجئين السوريين

2025.08.16 | 15:49 دمشق

تا
معبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان - إنترنت
The Century Foundation - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تبنى لبنان خطة رسمية لإعادة اللاجئين السوريين، مدعومة دولياً، تهدف إلى تشجيع العودة الدائمة مع احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، لكنها تواجه تحديات مثل تراجع الدعم الدولي والدمار في سوريا.
- أطلقت الحكومة اللبنانية برنامج الإعادة في يوليو الماضي، مع التركيز على العودة الآمنة والدائمة، وتقديم حوافز مالية، لكن الظروف الاقتصادية والأمنية في سوريا لا تزال غير مشجعة للعودة.
- العلاقات بين لبنان وسوريا بعد سقوط نظام الأسد لا تزال غير واضحة، مع تحديات في التعاون بشأن ملف اللاجئين، وتعرقل التوترات السياسية في لبنان التقدم في تنفيذ الخطة.

منذ سنوات ولبنان يبحث عن طريقة لإدارة وضع اللاجئين السوريين لديه، ولكن في هذا العام، تبنى لبنان أخيراً خطة رسمية لإعادة اللاجئين، ولهذا أصبح من واجب الحكومة اللبنانية اليوم متابعة هذا الأمر وتنفيذه، مع ضمان تشجيع اللاجئين على العودة إلى بلدهم بصورة نهائية.

إن تبني لبنان لخطة إعادة مدعومة دولياً يعتبر خطوة مهمة نحو الأمام، فقد أصبحت إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم الشغل الشاغل للسياسيين اللبنانيين خلال السنوات القليلة الماضية، كما تحولت تلك المسألة إلى نقطة خلاف بين المسؤولين في الدولة وشركائهم في الدول الأجنبية، ولكن طوال تلك الفترة كلها، لم يخرج السياسيون اللبنانيون بخطة واقعية قابلة للتطبيق، بل تقدموا في معظم الأحيان بمقترحات طرحوها على عجل بخصوص العودة القسرية، على الرغم من أن هذه العملية لم تحقق أي نجاح.

في حزيران الماضي، وافق نواف سلام رئيس الوزراء في الحكومة اللبنانية على خطة تشتمل على خيارات سياسية أفضل أصبحت متاحة اليوم أمام لبنان، كما أن تلك الخطة تلزم لبنان باحترام القانون الدولي وحقوق النازحين السوريين وكراماتهم. ولهذا تعتبر تلك الخطة خطة واعدة، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تكتنفها، وعلى رأسها تراجع الدعم الدولي المخصص للمساعدات الإنسانية في كل من لبنان وأيضاً سوريا حيث ينبغي على اللاجئين أن يعودوا، ناهيك عن الدمار الذي لحق بسوريا فجعلها خراباً، كما أن أبرز الشخصيات والفرقاء السياسيين في لبنان اعترضوا على المبادئ والقيود التي يجب أن تضاف لأي سياسة منطقية تخص اللاجئين وتحظى بدعم دولي.

 

يترتب على حكومة سلام اليوم تنفيذ خطة إعادة السوريين التي وضعتها، وتقديم تبريرات للخطة على الصعيد الداخلي، مع التركيز على عمليات الإعادة الدائمة، إذ على الرغم من عدم استقرار حياة اللاجئين السوريين في لبنان، مايزال معظمهم يضمر قلقاً تجاه العودة إلى بلد مايزال غير مستقر ومدمر على المستوى الاقتصادي، لذا، في حال مورس ضغط على اللاجئين السوريين في لبنان ليعودوا إلى بلدهم بشكل نهائي، وفي حال عجزهم عن إعادة بناء حياتهم في سوريا، فإن تأثير ذلك لن يكون كارثياً على هؤلاء اللاجئين وعلى سوريا فحسب، بل إن ذلك يعتبر ضربة كبيرة للبنان الذي بات بحاجة لإنجاح عمليات العودة حتى يشجع ذلك بقية السوريين على الرجوع إلى بلدهم، وبما أن الحدود بين سوريا ولبنان سهلة الاختراق، لذا أصبح لبنان أكثر عرضة من جيران سوريا الآن لموجة هجرة جديدة أو عكسية قادمة من سوريا.

يناقش هذا التقرير خطة لبنان الجديدة لإعادة اللاجئين السوريين، وذلك من حيث التحديات التي تواجهها ومستقبلها على أرض الواقع، ولهذا اعتمد التقرير على أكثر من ثلاثين مقابلة أجريت مع مسؤولين لبنانيين وسوريين، وعاملين في المجال الإنساني، وممثلين عن الدول المانحة وغيرهم، ومعظمهم أدلوا بدلوهم شريطة عدم ذكر أسمائهم بما أنه لا يجوز لهم كشف تلك الأمور للعامة، كما يستند التقرير إلى تقرير أصدرته مؤسسة سينشري إنترناشيونال بعنوان: "عمليات الذهاب والعودة عبر الحدود: تحركات اللاجئين بين سوريا ولبنان بعد الأسد"، والذي درس تحركات السكان عبر الحدود بين سوريا ولبنان منذ سقوط دكتاتورية بشار الأسد وحسابات اللاجئين السوريين بالنسبة لاتخاذ قرار العودة، وهذان التقريران يعتبران جزءاً من مشروع "ردم الهوة بالنسبة لعودة اللاجئين السوريين" الذي وضعته مؤسسة سينشري إنترناشيونال بدعم من مملكة النرويج.

من السهل على لبنان تنفيذ عمليات عودة كبيرة، نظراً للظرف الحالي في سوريا، وسلسلة من العقبات الأخرى، إلا أن حكومة سلام التزمت من خلال خطتها الجديدة بنهج يحملها المسؤولية بالنسبة لعمليات الإعادة ولهذا لابد لهذا النهج أن يتمخض عن بعض النتائج.

ورطة اللاجئين في لبنان

أطلقت الحكومة اللبنانية برنامج الإعادة الخاص بها في الأول من تموز الماضي، فقد شدد وزراء الحكومة على أن هذه الخطة هي أول خطة رسمية صادق عليها لبنان منذ عام 2014 تتعلق باللاجئين وعمليات العودة، وقد حظيت هذه الخطة اليوم بدعم دولي.

والأهم من كل ذلك هو أن حكومة سلام وصلت إلى السلطة في ظل ظروف إقليمية جديدة متغيرة، إذ أكدت الحكومة الحالية في شباط 2025، أي بعد مرور شهرين على انهيار نظام الأسد في سوريا، على حدوث اضطرابات سياسية هائلة فتحت الباب أمام احتمالات جديدة بالنسبة لعودة اللاجئين إلى سوريا، كما فتحت باب الاحتمالات واسعاً أمام العلاقات السورية-اللبنانية.

قبل سقوط الأسد، كانت عودة اللاجئين السوريين تمثل أحد الموضوعات الرئيسية في السياسية اللبنانية لسنوات خلت، إذ ظهرت تلك المشكلة بسبب الديماغوجية الشعبوية المعادية للسوريين والتي تصدرها السياسيون في لبنان، كما أسهم الواقع المتمثل باستضافة هذا العدد الهائل من اللاجئين واللاجئات بظهور هذه المشكلة التي ركزت على العدد الكبير للسكان الذين صاروا يعيشون في لبنان وبقيوا فيه لمدة تجاوزت العقد، وما رافق ذلك من عبء تجشم هذا البلد عناء حمله.

يؤوي لبنان مليون وأربعمئة ألف لاجئ ولاجئة سوريين تقريباً، إلى جانب مئتي ألف لاجئ فلسطيني و27 ألف فلسطيني وفلسطينية كانوا يعيشون في سوريا. في حين يبلغ العدد الإجمالي لسكان لبنان خمسة ملايين وسبعمئة ألف نسمة، أي أن لبنان يحتل المرتبة الأولى عالمياً بالنسبة لعدد اللاجئين مقابل كل مواطن. ومن بين مليون وأربعمئة ألف سوري، هنالك أكثر من سبعمئة ألف منهم مسجلين كلاجئين رسمياً. ولقد تسببت موجة اللجوء السوري التي تدفقت على لبنان منذ عام 2011 بضغط على البنية التحتية والخدمات والمال العام في هذا البلد. أما التوتر بين اللاجئين والمجتمع المضيف فقد وصل لأسوأ مستوياته خلال السنين القليلة الماضية، حيث تصاعدت المشاعر المناهضة لوجود السوريين.

وعند إطاحة الفصائل العسكرية بنظام الأسد في كانون الأول الماضي، رحب معظم اللبنانيين بذلك على اعتبار أنه يمثل اللحظة التي حان إثرها للنازحين السوريين في لبنان أن يعودوا إلى بلدهم، غير أن الواقع كان أشد تبايناً.

من الصعب حساب العدد الحقيقي للسوريين الموجودين في لبنان وعدد حالات العودة إلى سوريا منذ كانون الأول، وذلك بسبب وجود عدد كبير من عمليات العبور والعودة غير الشرعية عبر الحدود اللبنانية-السورية الطويلة التي من السهل اختراقها نسبياً.

ولكن يبدو أن هنالك تساو ما بين عدد العائدين إلى سوريا من اللاجئين، والوافدين الجدد على لبنان منذ كانون الأول، فقد عاد بعض السوريين من لبنان إلى سوريا، ويحتمل أن عددهم وصل إلى مئة ألف، إذ أعلنت مفوضية اللاجئين بأن قرابة مئتي ألف سوري وسورية عبروا من لبنان إلى سوريا منذ كانون الأول الماضي، وعموماً، تقدر المفوضية بأن نصف هؤلاء السوريين إما عبروا لبنان أو عادوا إلى سوريا لفترة محدودة فحسب وذلك قبل أن يعودوا إلى لبنان من جديد. وبالتوازي مع ذلك، فإن أكثر من مئة ألف سوري وسورية نزحوا إلى لبنان منذ كانون الأول الماضي، هرباً من العنف الطائفي والهجمات الانتقامية.

ثم إن من بقي من اللاجئين السوريين في لبنان لم يبقوا لسهولة العيش في هذا البلد أو لأنهم ينعمون بالراحة فيه، إذ من بين اللاجئين واللاجئات السوريين في لبنان، هنالك أكثر من مئة ألف سوري وسورية نزحوا إلى لبنان منذ كانون الأول الماضي وهؤلاء يصنفون ضمن الفئة الأشد ضعفاً. ولكن حتى اللاجئين السوريين الذين عاشوا في لبنان لفترة طويلة وأسسوا حياة أفضل باتوا عرضة لمصاعب خطيرة، ثم إن 90% من السوريين الموجودين في لبنان يعيشون في فقر، وأكثر من 80% منهم ليست لديهم إقامة قانونية، وهذا ما يعرضهم لخطر الاعتقال والترحيل، وهنالك أكثر من 90% من العائلات لديها فرد واحد على الأقل لا يحمل إقامة، كما يتعرض السوريون هناك للتمييز والمضايقات، والتصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير على لبنان في عام 2024، منع معظم السوريين من التوجه إلى مراكز الإيواء الجماعية، كما حرمت عشرات البلديات اللبنانية النازحين السوريين من العودة.

وخلال شهر تشرين الثاني الماضي، التقى كاتب هذه المادة بسوريين نزحوا في الداخل اللبناني بسبب الهجمات الإسرائيلية، وذلك داخل مخيم موحل في قضاء عكار بشمالي لبنان، وهناك قالت امرأة تعود أصولها لمدينة حمص: "في حال خروج أي طفل من الأطفال، سيترتب عليك حال عودته أن تتخلص من ثيابه"، نظراً لتبللها بمياه قذرة، في حين أعلن رجل عن وفاة طفلين في العام الفائت إثر سقوطهما في أحد الأنهار القريبة.

 

تضاءلت المساعدات المقدمة للسوريين في لبنان بسبب نقص حاد في التمويل، إذ أعلنت مفوضية اللاجئين عن عزمها على إنهاء دعمها للرعاية الصحية المخصصة للسوريين، والتي تشمل الرعاية الصحية الأولية والاستقبال في المشافي في الحالات الطارئة، وفي الوقت نفسه، أعلنت المفوضية وبرنامج الغذاء العالمي عن تقليص كبير في عدد السوريين الذين يحصلون على مساعدات نقدية.

ولكن يتعين على السوريين أن يقارنوا بين المصاعب التي يتعرضون لها في لبنان والظروف السائدة في سوريا، كما عليهم أن يحسبوا تكاليف العودة والتعقيدات المترتبة عليها، إذ في الوقت الذي لم يعد أي منهم يواجه بعض المخاطر الأمنية التي كانت تحرمهم من العودة إلى بلدهم في الماضي، أصبحت لديهم اليوم مخاوف أخرى ومنها القلق بالنسبة لتوفر المأوى، والخدمات ومصادر الرزق في حال عودتهم إلى سوريا، بالإضافة إلى التشكيك بمستقبل البلد عموماً.

في كانون الثاني الماضي، تحدثت امرأة من درعا تقيم في سهل البقاع اللبناني عن ذلك، فقالت: "في حال وجود استقرار، وعودة بيوتنا لسابق عهدها، وفي حال وجود رئيس طيب، عندئذ سنرجع كلنا، ولن يبق أي أحد منا هنا".

خطة حكومة سلام بالنسبة لعودة السوريين

لابد لهذه الخطة أن تعمل على مساعدة بعض السوريين على العودة من لبنان إلى بلدهم.

حاولت حكومة سلام أن تتعامل مع هذه القضية المثيرة للجدل في الأوساط السياسية بلبنان من دون أن تخالف القانون الدولي، أو من غير أن تتقدم بشيء غير قابل للتطبيق على الإطلاق، إذ تلتزم هذه الحكومة بموجب برنامجها الوزاري بـ"حل مشكلة النازحين السوريين في لبنان، لما لهذه المشكلة من تبعات وجودية على لبنان في حال عدم تحقق عودة النازحين إلى بلدهم".

وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين سيد، في أيار الماضي، أمام الشركاء الدوليين للبنان بأن: "عودة النازحين السوريين أولوية سيادية وطنية"، لكنها ذكرت أيضاً بأن لبنان "يهدف بأن تكون عملية العودة عودة آمنة كريمة ودائمة وتبنى على معلومات تقدم للنازحين، وذلك بما ينسجم مع المبادئ الدولية".

بدأت الحكومة العمل على خطة العودة في آذار المنصرم، وذلك عندما شكلت لجنة وزارية مشتركة مكلفة بملف الإعادة برئاسة نائب رئيس الوزراء طارق ميتري. وفي 16 حزيران، قدم ميتري خطة اللجنة لمجلس الوزراء اللبناني الذي وافق عليها، ثم أطلقت الحكومة برنامج العودة في بداية شهر تموز، وفي 24 تموز، كررت الوزيرة سيد أمام مسؤولين أجانب وممثلين عن الدول المانحة بأن حكومة بلدها ملتزمة بخطة الإعادة التي ستنفذها بالتعاون مع شركاء البلد "ضمن أطر عمل تدعم السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية".

لم تنشر خطة العودة التي تقدمت بها الحكومة اللبنانية بالكامل، بل تحدث عنها المسؤولون، وجرى تداولها بين أوساط العاملين في الحقل الإنساني، وهذه الخطة مؤلفة من قسمين، إذ يتألف القسم الأول من وثيقة سياسة مؤلفة من صفحتين وافق عليها مجلس الوزراء اللبناني في حزيران الماضي، وتطرح هذه الوثيقة مجموعة من المبادئ الإرشادية والأولويات بالنسبة لبرنامج الإعادة الذي تتبناه الحكومة، أما القسم الثاني من الخطة فأتى على شكل رسائل متبادلة بين الحكومة اللبنانية ومفوضية اللاجئين التي تحدثت عن تنفيذ الخطة باستخدام مصطلحات عملية واختصاصية تشير إلى عمليات محددة.

تتحدث وثيقة السياسة المؤلفة من صفحتين عن المبادئ التي تتضمن رفض فكرة إعادة توطين السوريين في لبنان، والالتزام بالعمل على إعادة اللاجئين بشكل سريع وفعال، إلى جانب التعاون مع الحكومة السورية ووكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة الدولية لضمان دعم عودة السوريين عودة "آمنة دائمة"، والتعهد باحترام القانون الإنساني الدولي، إلى جانب اللجوء للقانون اللبناني في قضايا معينة حسب المقتضى. وتتحدث الصفحة الثانية من وثيقة السياسة عن تنفيذ الخطة التي ستضطلع بها وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية ومديرية الأمن العام التابعة لها، إلى جانب مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين.

في الأول من تموز، أعلن الأمن العام اللبناني عن جملة من الإعفاءات بهدف تسهيل العودة، إذ تسمح مدة الإعفاء الممتدة لثلاثة أشهر تنتهي في 30 أيلول القادم، للمقيمين السوريين والفلسطينيين القادمين من سوريا والذين دخلوا إلى لبنان بطريقة غير شرعية أو تجاوزت مدة إقامتهم القانونية الفترة المسموح بها، بالعودة إلى سوريا عبر المعابر الحدودية الرسمية من دون أن تترتب عليهم أية رسوم أو غرامات ومن دون أن يفرض عليهم منع من دخول لبنان مستقبلاً. وفي اليوم نفسه، أطلقت مفوضية اللاجئين حملة تواصل بهدف إعلام اللاجئين السوريين عن إجراءات العودة والدعم المتاح لها.

وبحسب برنامج الإعادة الذي أطلقته الحكومة، فإن السوريين المهتمين بمسألة العودة تواصلوا مع المفوضية أولاً، وبعد أن أجرت لهم المفوضية مقابلات للتأكد من مدى طوعية عودتهم، سجلتهم كعائدين، وأصدرت لهم وثائق عودة، وقد أغلقت تلك الملفات التي سجلت للعائدين لدى المفوضية، بما أن هؤلاء خسروا حق اللجوء.

وتزود المفوضية في لبنان الأمن العام اللبناني وفرع المفوضية في سوريا بكل جديد وذلك حتى يتابعوا أمور العائدين إلى سوريا ويقدموا الدعم اللازم لهم، وفي حال عدم توفر وثائق رسمية لدى العائدين، ومن بينها الشهادات التعليمية والوثائق المدنية، عندئذ تحيلهم المفوضية إلى الجهات الشريكة حتى تقدم لهم الدعم القانوني. ويؤكد المسؤولون اللبنانيون على أن العائدين الذين أغلقت ملفاتهم ومن ثم عبروا الحدود إلى لبنان بطريقة غير شرعية، سيعاملون معاملة المهاجر غير النظامي، لا كلاجئين.

يحصل اللاجئون السوريون الذين اختاروا المشاركة في برنامج العودة اللبناني على منح نقدية تعادل قيمتها 100 دولار للفرد الواحد، وتقدمها مفوضية اللاجئين في لبنان، كما يحق لهم الحصول على منح لإعادة الإندماج تبلغ قيمتها 400 دولار لكل أسرة حيث تقدمها المفوضية في سوريا.

يجوز للاجئين أن يختاروا إما العودة "المنظمة" أو العودة "التي ينظمونها بأنفسهم" إذ يمكن للعائدين الذين يختارون العودة المنظمة أن تقلّهم حافلات توفرها المنظمة الدولية للهجرة، ووكالة الهجرة الأممية، حيث تنتظرهم في مراكز ترحيل محددة لتنقلهم إلى الحدود السورية. أما العائدون الذين يختارون العودة التي ينظمونها بأنفسهم، فيرتبون أمور نقلهم بأنفسهم، مما قد يوفر لهم مزيداً من المرونة في نقل متعلقاتهم. ولقد أطلقت مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أول عملية عودة منظمة في 29 تموز الماضي، ولكن حتى الآن، أعلن جميع العائدين المسجلين تقريباً عن تفضيلهم للعودة التي ينظمونها بأنفسهم.

وعمليات العودة التي تتم بموجب خطة الحكومة اللبنانية مفتوحة أمام جميع اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية، ويشمل ذلك السوريين المسجلين رسمياً كلاجئين لدى المفوضية قبل أيار 2015، وذلك عندما أمرت الحكومة اللبنانية تلك الوكالة بالكف عن تسجيل اللاجئين، وبالتالي عملت المفوضية على تسجيل السوريين ولكن ليس كلاجئين مسجلين بشكل رسمي.

 

أعلنت مفوضية اللاجئين في 5 آب عن تسجيل نحو 72 ألف شخص يرغبون بالعودة بموجب برنامج الحكومة. وتوقع المسؤولون والعاملون في المجال الإنساني الذين يتابعون ملف العودة أن تحصل زيادة كبيرة في عمليات العودة خلال فترة الصيف عندما يعطل الأطفال من المدارس ويسهل الجو الجاف أمور الانتقال بالنسبة للأسر وإصلاح بيوتهم في سوريا. فلقد تحدث النقيب إيلي عون من الأمن العام اللبناني إلى الناس في تموز بالنسبة لمدة الأشهر الثلاثة التي حددتها الخطة بخصوص الإعفاءات، وبأن هذه المدة حددت لتتزامن مع فترة الصيف حيث تبدأ العطلة في المدارس اللبنانية والسورية. كما أعلن عون بأن الحكومة حددت مدة زمنية تعادل ثلاثة أشهر وذلك لأنها ارتأت بأن ترك البرنامج بنهاية مفتوحة لن يشجع الناس على تسجيل أسمائهم في برنامج العودة.

مانزال ننتظر ما ستفعله السلطات اللبنانية بنهاية الصيف، وهل ستتبنى نهجاً أشد قسوة تجاه اللاجئين وعمليات إعادتهم أم لا. إذ في بيان صدر عن الأمن العام في الأول من تموز، أعلن أنه سيعزز عملية تنفيذ القوانين ذات الصلة عند نهاية فترة الثلاثة أشهر، وذلك بحق "جميع المقيمين بصورة غير شرعية من غير اللبنانيين في البلد"، وجاء على لسان الجنرال بشار أبو حمد رئيس الأمن العام اللبناني بأنه: "بنهاية تلك الأشهر الثلاثة، سيعامل السوريون معاملة غيرهم من الأجانب، إذ إننا لن نسمح بتكرار مشكلة اللاجئين".

الدعم الدولي للخطة اللبنانية

إن الجهات الدولية الشريكة للبنان على استعداد لتقديم المساعدة لحكومة هذا البلد حتى ينفذ خطة الإعادة ويسهل أمور عودة فئة واحدة على الأقل من اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان.

تلتزم مفوضية اللاجئين بالشراكة مع حكومة سلام بالنسبة لخطة الإعادة الأخيرة، إذ في 19 حزيران، زار رئيس المفوضية، فيليبو غراندي، لبنان، وناقش الخطة مع رئيس الوزراء سلام، ونائب رئيس الوزراء ميتري، ووزيرة الشؤون الاجتماعية سيد، وتعليقاً على تلك المحادثات، "أثنى" غراندي على الحكومة لتبنيها تلك الخطة التي أعلن بأن المفوضية "ستدعمها بكل وسيلة ممكنة".

ومن جانبها، شاركت المفوضية بعمليات العودة التي نظمتها وسيرتها منذ كانون الأول الماضي، وفي شهر شباط، طرحت المفوضية "عملاً إطارياً" جديداً للعمليات بالنسبة لعودة اللاجئين السوريين والنازحين داخلياً عودة طوعية، وبحسب هذا العمل الإطاري، فإن الوكالة بدأت بتسهيل عمليات العودة الطوعية. وفي آذار ونيسان الماضيين، طرحت المفوضية مع شركائها مخططاتها بالنسبة لعمليات الإعادة في المنطقة وفي لبنان على وجه التحديد. كما طرحت منصة "سوريا الوطن" عبر الإنترنت، لتصبح مصدراً للمعلومات الموجهة للاجئين بخصوص العودة. واليوم، تفرد الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة فصلاً خاصاً بعمليات العودة ضمن خطة الاستجابة بلبنان لعام 2025، وفي العمل الإطاري الناظم للمساعدات المقدمة للبنان بتنسيق أممي.

تشمل خطة الحكومة اللبنانية معظم وليس جميع الإجراءات المعنية بالعودة التي خرجت بها مفوضية اللاجئين وشركاؤها إثر سقوط الأسد في كانون الأول الماضي. وهنا يجدر التنويه إلى أن الخطة لا تشتمل على زيارات لسوريا من أجل الاطلاع على الأوضاع، والتي تتيح للاجئين السوريين السفر إلى سوريا لتقييم الأوضاع في مناطقهم، ثم العودة إلى لبنان بهدف التخطيط لأمور العودة. إذ سبق وأن تناقشت المفوضية مع الأمن العام اللبناني بشأن هذه الزيارات، وعملت في بداية الأمر على تقديم إجراءات تخص تلك الزيارات إلى جانب مواد توفر معلومات عنها. ولكن في نهاية الأمر، أعلنت السلطات اللبنانية بأن تلك الزيارات شديدة التعقيد، وقدرت المفوضية بأنه مع مرور الوقت بعد كانون الأول، وعودة معظم السوريين بشكل مؤقت، لم تعد الزيارات الرسمية المخصصة للاطلاع على الأمور مهمة كثيراً، فلقد أبدى اللاجئون السوريون تحفظاتهم أمام المفوضية بشأن الجوانب العملية لتلك الزيارات الاستطلاعية.

تستهدف خطة العودة التي طرحتها الحكومة اللبنانية فئة من السوريين في لبنان، إذ أعلن إيفو فرييسن وهو مدير المفوضية في لبنان والذي ستنتهي ولايته قريباً، بأن اللاجئين السوريين الذين أقاموا في لبنان لفترة طويلة، يمكن تقسيمهم إلى عدة فئات إذا استثنينا القادمين الجدد منذ كانون الأول 2024، وذلك بحسب جاهزيتهم للعودة وقدرتهم على تحقيقها. وتشمل الفئة الأولى برأيه السوريين الراغبين بالعودة والقادرين عليها وذلك بناء على مبادرة شخصية منهم، ومعظم هؤلاء غادروا لبنان أو أنهم في طور الرحيل عنه اليوم. أما الفئة الثانية فتشمل السوريين الراغبين بالعودة، ولكنهم بحاجة للدعم من أجل التغلب على العقبات المادية مثل تكاليف النقل والاندماج من جديد في سوريا خلال المراحل الأولى. وتضم الفئة الثالثة السوريين الذين تعجبهم فكرة العودة مستقبلاً، إلا أن الظروف في سوريا خلال الوقت الراهن تمثل تحديات من الصعب التغلب عليها، ولهذا عليهم أن يتريثوا حتى تتحسن الخدمات الأساسية والأنشطة الاقتصادية في المناطق التي سيعودون إليها، ومعظم هؤلاء يعرفون بأن بيوتهم في سوريا مدمرة، أو يشغلها أشخاص آخرون. وهنالك فئة رابعة ترغب بالبقاء والعمل في لبنان، ولعل ذلك يندرج بشكل من الأشكال ضمن خطة العمالة المنظمة التي اقترحها مسؤولون لبنانيون منذ فترة قريبة.

تستهدف خطة الحكومة اللبنانية الفئة الثانية، أي السوريين المستعدين للعودة، ولكنهم بحاجة للدعم من أجل الانتقال وإعادة الإدماج، وعن ذلك يقول فرييسن: "لدينا الفئة الثانية حالياً والتي تحتاج إلى شيء من المساعدة، غير أنها تبدي ثقة أكبر تجاه فكرة نجاح العودة أو عدم كونها مرهقة للغاية، إذ يعتقد هؤلاء بأن بوسعهم العثور على عمل ما، وشراء بيت أو شقة أو أن لديهم بالأصل بيت يمكنهم العودة إليه، ولعل لديهم عائلة كبيرة تدعمهم، إلى جانب توفر بعض الخدمات الأساسية في المنطقة التي سيعودون إليها، ولهذا السبب بوسعنا التعامل مع هذه الفئة حالياً".

 

غير أن فرييسن أكد على "ضرورة" دعم الجهات المانحة، ولهذا سيقدم الاتحاد الأوروبي الدعم لخطة الإعادة اللبنانية ضمن حزمة مساعدات أكبر ستصل إلى لبنان قريباً بحسب ما أعلنه فرييسن، ولكن "ثمة حاجة ماسة لمزيد من الاهتمام والدعم".

أهي عودة دائمة حقاً؟

منذ كانون الأول الماضي، استندت المفوضية في تخطيطها لشؤون العودة على تقييمها بأن تلك العمليات ستتم بدعم دولي أو من دونه، إلا أن اللاجئين السوريين الذين عادوا من لبنان أو من أي دولة أخرى حتى تاريخ اليوم عادوا على حسابهم في معظم الحالات، ومن دون أن يخططوا لذلك، وفي ظل توفر دعم ضئيل لهم، وهذا ما دفع غونزالو فارغاس يوسا مدير مفوضية اللاجئين في سوريا، إلى القول: "إن الناس يعودون من دون توفر أي شيء لهم تقريباً، وما يدفعهم على العودة هو الأمل فحسب، ولكن إلى متى ستستمر تلك العودة؟ لست أدري".

في آذار الماضي، أعلن فيليبو غراندي بأن: "أغلب السوريين اختاروا العودة"، وكان التحدي وقتئذ يتخلص بـ"كيفية جعل تلك العودة عودة دائمة".

أكدت مفوضية اللاجئين في مرات كثيرة على أهمية العودة بشكل دائم، لأن البديل هو عودة غير دائمة سابقة لأوانها، وهذه العودة تنطوي على عدد من المخاطر، إذ في حال معاناة اللاجئين العائدين إلى سوريا من مصاعب تعترض سبيل إقامة حياة جديدة لهم مرة أخرى في بلدهم، فإنهم قد يلجأون لأساليب خطيرة للتكيف مع الوضع، وهذا ما دفع إحدى العاملات في المجال الإنساني المقيمات في دمشق للقول: "بعد أربعة عشر عاماً من العمل في سوريا، كونا فكرة حول أسلوب الناس في التأقلم، وذلك عبر إخراج الأطفال من المدارس، وزجهم في سوق العمل، أو من خلال زواج القاصرات، ثم إن أول شيء تضحي به العائلات هو الغذاء"، أي أن السوريين الذين يعودون إلى بلدهم مبكراً قد يصبحون عرضة للتجنيد على يد عناصر فاعلة مسلحة، تتراوح ما بين العصابات الإجرامية وصولاً إلى التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة، وهذا ما جعل تلك العاملة في المجال الإنساني تردف قائلة: "في حال عودة الناس إلى الفقر مع عدم توفر أي مصدر للرزق، فهنالك عندئذ تخوف من أن يجري استقطابهم ضمن الجماعات المسلحة، وهذا ما رأيناه ضمن سياقات أخرى، ناهيك عن غياب الأمان هناك".

 

ثم إن العائدين الذين يعجزون عن  الاندماج من جديد قد ينزحون مرة أخرى، حيث يضطرون للانتقال إلى مناطق أخرى في الداخل السوري، أو قد يعودون إلى دول مثل لبنان، ولهذا يقول أحد الباحثين الموجودين في دمشق: "يعود الناس الآن، ولكن في غضون بضعة أشهر، أو خلال سنة، وفي حال عدم تمكنهم من إقامة حياة، أو عدم عثورهم على أي مصدر للرزق، فإنهم قد يرحلون من جديد، وهنا يكمن التخوف"، ولابد للبنان من مراعاة هذا الخطر على وجه الخصوص، نظراً للسهولة النسبية التي يمكن من خلالها للسوريين العبور إلى لبنان عبر حدود البلدين التي يبدو بأنها سهلة الاختراق.

وهنالك سابقة قريبة للنزوح من جديد، إذ إن التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي حدث في لبنان خلال الفترة ما بين أيلول وتشرين الثاني من عام 2024، تسبب بنزوح أكثر من 300 ألف سوري وسورية من لبنان باتجاه سوريا، وقد وصفت الأمم المتحدة تحركات السكان في ذلك الحين بأنها: "عمليات عودة في ظل ظروف عصيبة" أو "عمليات عودة بالإكراه" ولهذا من غير المستغرب أن نكتشف بأنها لم تكن دائمة. إذ بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان في 27 تشرين الثاني، يعتقد بأن معظم السوريين الذين نزحوا عبروا الحدود قد عادوا إلى لبنان، ومعظم السوريين الذين عبروا إلى سوريا ضمن موجة الهجرة التي حدثت في عام 2024 لا تعرف المفوضية كم كان عددهم، ولكن من بين هؤلاء قدرت بأن نصفهم عادوا إلى لبنان خلال الشهور الثلاثة الأولى التي أعقبت وقف إطلاق النار.

في حال عدم نجاح العائدين في الإندماج مرة أخرى ضمن المناطق التي عادوا إليها، فإنهم لن يبقوا في تلك الأماكن التي يعانون فيها، بل إن معظمهم سوف ينتقل لمناطق أخرى، إذ يقول فرييسن: "تريدون من أن الناس أن يبقوا لمدة تتجاوز بضعة أشهر، من دون أي انتكاسة، مع أن الناس بحاجة لشيء يعودون إليه، أي عوامل جذب حقيقية".

سياسة داخلية شعبوية

بكل تأكيد لم يعد في لبنان ذلك الصبر لمناقشة عمليات العودة "الدائمة"، فلقد طرحت حكومة سلام خطة العودة الخاصة بها في جو سياسي مشحون تطالب فيه أبرز الشخصيات اللبنانية والفرقاء السياسيين بعودة السوريين بشكل إجباري وفوري.

وحتى قبل انهيار نظام الأسد في كانون الأول، اعتبر السياسيون اللبنانيون اللاجئين السوريين في بلدهم مجرد مهاجرين لأسباب اقتصادية ولهذا يجب ألا يتمتعوا بالحماية القانونية الدولية بالنسبة لعملية الترحيل القسرية، أي إعادة اللاجئين إلى أحضان الاضطهاد أو الخطر، والآن، وبعد رحيل الأسد، أعلن بعض المسؤولين اللبنانيين بأنه لم يعد هنالك أي سبب لبقاء اللاجئين السوريين في بلدهم.

تحولت مسألة طوعية العودة إلى نقطة خلاف في الجدل الذي ظهر في لبنان واستمر لبعض الوقت حول عودة اللاجئين، إذ لطالما أكدت المنظمات الدولية وممثلو الجهات المانحة في لبنان على أن العودة يجب أن تكون طوعية بموجب القانون الدولي، إلا أن كثيرين في لبنان يعترضون على ذلك بحجة أن هذا الإصرار الدولي على العودة الطوعية يترجم عملياً إلى بقاء السوريين في لبنان إلى أجل غير مسمى، أو حتى إعادة توطينهم بشكل دائم في هذا البلد. ولقد عارض لبنان على مدى سنين وعدة حكومات ضرورة أن تكون العودة طوعية، وذلك في حال اعتبرت الظروف في بلد اللاجئ الأصلي آمنة، كما يتجنب السياسيون اللبنانيون الحديث عن العودة "الطوعية" ويستعيضون عن ذلك بصيغ بديلة مثل "العودة الآمنة والكريمة".

 

ارتبط الجدل حول طوعية العودة بهجوم شنه الفرقاء في لبنان على الأمم المتحدة، وعلى مفوضية اللاجئين بشكل خاص، إذ ربط السياسيون والناشطون اللبنانيون مفوضية اللاجئين بفكرة العودة الطوعية، واتهموا المنظمة بمنع السوريين من العودة.

لم تستخدم حكومة سلام في خطة الإعادة الخاصة بها لفظة "طوعية" بل أكدت عوضاً عن ذلك بأن عمليات العودة ستكون "آمنة ودائمة" بما يضمن للسوريين كراماتهم وحقوقهم الإنسانية، وهذه المفردات يمكن أن تفسر كضمانة لطوعية العودة. ولقد التزمت الخطة أيضاً باحترام مبادئ القانون الإنساني الدولي الذي يشتمل على مبدأ عدم الإعادة بصورة قسرية.

غير أن السياسيين اللبنانيين هاجموا حكومة سلام وخطة الإعادة التي خرجت بها بوصفها تمثل العودة الطوعية التي وافقت عليها مفوضية اللاجئين ولكنها خرجت بحلة جديدة الآن، إذ قبل الإعلان عن الخطة، وفي خطاب مهم ألقاه جبران باسيل زعيم حزب التيار الوطني الحر، اتهم الحكومة وخاصة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين سيد، بالخضوع لمفوضية اللاجئين وما قدمته من حجج ومبررات بخصوص طوعية العودة، على الرغم من أن عودة السوريين يجب أن تتم بقرار من "الأمن القومي" لا أن تخضع لمشاعر السوريين على حد تعبير باسيل، وذكر بأن لبنان يواجه اليوم "احتلالاً من جيش النازحين السوريين" ولهذا طالب جميع السوريين بـ"العودة بشكل فوري وغير مشروط" إلى بلدهم.

في مقابلة أجريت مع الوزيرة حنين سيد خلال فترة طرح الخطة، لخص مذيع قناة الجديد جرجس صليبي بعض الاعتراضات التي ذكرتها فئات من الشعب اللبناني، وذلك عندما قال: "هنالك تحفظات وانتقادات وكثير من الكلام قد قيل وفحواه يشير إلى أن هذه الخطة خيالية من أساسها، وبأن الهدف منها تلميع صورة الحكومة، أو أنها ليست بخطة واقعية أو حقيقية أو فاعلة، بمعنى أن السوريين إن رغبوا بالعودة مثلاً، فبوسعهم العودة كما يحلو لهم. وفي حال عدم رغبتهم بالعودة، عندئذ يمكنهم البقاء هنا في لبنان، إذن لا يوجد أي شيء يدفعهم للعودة... فما الذي يجعلهم يعودون؟ لا يوجد أي شيء قسري، أي أن الأمر مجرد تمنيات".

 

خلال السنين الماضية، طرح المسؤولون اللبنانيون أفكاراً حول عودة قسرية كبيرة للسوريين بكل تأكيد، إلا أن هذه المقترحات لم تؤدي إلا لزيادة التوتر بين لبنان والدول الشريكة له، إلى جانب تزايد العداء تجاه السوريين في لبنان، أي أن ذلك لم يؤد لزيادة كبيرة في أعداد السوريين الذين عادوا بالفعل إلى بلدهم. وهنا لابد من القول إن المفوضية وغيرها من وكالات الأمم المتحدة لن تؤيد أو تدعم عمليات الإعادة القسرية الجماعية، ولبنان من دون دعم دولي ليست لديه تلك الموارد والإمكانات التي تساعده على تنظيم حملة ترحيل واسعة.

آفاق العودة من لبنان

ينبغي للبنان وشركائه أن يتحلوا بالواقعية فيما يتصل بعدد عمليات الإعادة التي يمكن للسلطات اللبنانية تنفيذها خلال هذه المرحلة، حتى بوجود أفضل الخطط من حيث التصميم والتنفيذ، لأن جزءاً من عمليات العودة يقوم على عوامل خارج نطاق سيطرة لبنان.

ولهذا، يجب أن تكون الخطة التي تقدمت بها حكومة سلام قادرة على تحقيق عمليات عودة دائمة، على الرغم أنه يمكن لعدد عمليات العودة التي تنفذ بموجب هذه الخطة ألا تحقق سوى الحد الأدنى من توقعات الحكومة، ولذلك يجب على الحكومة وشركائها تجنب المبالغة بالوعود بالنسبة لعدد عمليات الإعادة الكبير التي يمكن للبنان توقع تنفيذها على المدى القريب، كما ينبغي عليهم مقاومة إغراء الضغط من أجل تحقيق عمليات إعادة مبكرة.

 

    من جانبها، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية سيد بأن الحكومة تهدف لتحقيق ما بين 200 إلى 400 ألف عملية عودة بموجب خطتها وذلك حتى نهاية عام 2025، وذكرت بأن ما يهم الحكومة هو التشجيع على العودة من ما يعرف في لبنان بالمخيمات غير الرسمية على وجه الخصوص، أي مخيمات اللاجئين المنتشرة في مناطق مختلفة من لبنان، حيث يعيش 20% تقريباً من السوريين المقيمين في لبنان في تلك المخيمات غير الرسمية.

كما ذكر مسؤولون لبنانيون بأن وزارة العمل اللبنانية تبحث في السبل التي يمكن من خلالها توفير إذن عمل لأرباب الأسر السورية عند عودة من يعيلونهم من أفراد الأسرة إلى سوريا. بل حتى اللبنانيون الذين يطالبون بعودة فورية للسوريين إلى بلدهم أعلنوا بأن لبنان مايزال بحاجة لـ400-600 ألف عامل سوري مهاجر في قطاعات مثل الإنشاءات والزراعة، وذلك بما يتوافق مع أنماط اليد العاملة المهاجرة في لبنان قبل الحرب السورية.

يعتمد العدد الذي تحدثت عنه الوزيرة سيد والذي يعادل 400 ألف عملية عودة على تقديرات سابقة للأمم المتحدة حول عمليات العودة المحتملة من لبنان خلال عام 2025، ضمن ما اعتبرته الأمم المتحدة وقتئذ أحسن الأحوال. وقد أتت تلك التقديرات عقب استطلاع رأي حول نوايا اللاجئين وتصوراتهم أجرته المفوضية في دول المنطقة التي تستضيف لاجئين سوريين خلال شهر كانون الثاني، والذي ذكر فيه 24% من المشاركين من لبنان بأن لديهم نية للعودة إلى سوريا خلال السنة المقبلة، وذلك في زيادة واضحة عن نسبة كانت دون 2% ممن أعلنوا عن الرغبة نفسها في نيسان من عام 2024.

غير أن عمليات العودة من لبنان إلى سوريا قد لا تحقق الهدف الذي حددته الحكومة والذي يصل إلى 400 ألف عملية عودة، ولعل السبب الرئيس لذلك يعود إلى الطريق المتذبذب الذي تسير عليه سوريا، أي أن الأمر لا يتصل بأي عيب أو نقص من طرف الحكومة اللبنانية. أما وضع "أحسن الأحوال" الذي وصفته الأمم المتحدة بالنسبة لسوريا فقد اعتمد على جملة من الافتراضات، كان من بينها "الاستقرار النسبي" في عموم البلد، و"عدم ظهور اشتباكات مسلحة كبيرة"، وهنا تقول إحدى العاملات في المجال الإنساني: "لم يتحقق كل ذلك، أي أن سوريا اليوم لا تسير على مسار يمكن وصفه بأنه أحسن الأحوال".

وهذا يعني بأن نتيجة استطلاع الرأي الذي أجرته المفوضية في كانون الثاني والذي تبين من خلاله بأن 24% من السوريين المقيمين في لبنان لديهم رغبة بالعودة إلى سوريا خلال السنة القادمة، لم تعد صالحة، فقد أجري استطلاع الرأي بعيد سقوط الأسد في كانون الأول، أي أن حماسة اللاجئين للعودة قد خبت منذ ذلك الحين. وفي استطلاع للرأي والنوايا أجرته اللجنة الدولية للإنقاذ، هبطت نسبة المشاركين السوريين المقيمين في لبنان والذين ذكروا بأنهم يرغبون بالعودة، وذلك من 18.2% في كانون الأول من عام 2024، إلى 9% في آذار من عام 2025.

 

ويرجح لتضاؤل المساعدات الإنسانية المقدمة للبنان أن يدفع بعض اللاجئين السوريين إلى العودة، وإلى جانب تراجع تمويل المساعدات، أصبح حصول السوريين على التعليم في لبنان في موضع خطر، بعد استبعاد معظم الأطفال السوريين من التعليم الحكومي بسبب فرض شرط رسمي يتمثل بإبراز إقامة قانونية أو شهادة تسجيل لدى المفوضية وذلك حتى يقبل تسجيلهم في المدارس اللبنانية.

ومع ذلك، لا يمكن لتخفيض المساعدات أن يدفع جميع السوريين إلى العودة، فالمساعدات النقدية التي تقدمها الأمم المتحدة للاجئين السوريين في لبنان تصل إلى 145 دولاراً بالشهر، وذلك المبلغ بالنسبة لأسرة مؤلفة من خمسة أفراد لا يغطي نفقاتها نهائياً في لبنان، بما أن الأسرة في لبنان تحتاج برأي برنامج الغذاء العالمي لمبلغ لا يقل عن 500 دولار تقريباً بالشهر، وبسبب ذلك، فإن معظم السوريين يعيشون على الجمع بين المساعدات الإنسانية ومصدر دخل آخر، ويشمل ذلك العمل بالزراعة والإنشاءات. أي أن السوريين الذين يعيلون أنفسهم من خلال العمل بصورة رئيسية في لبنان، قد يرفضون فكرة العودة إلى بلد يحصلون فيه على أجور أقل بكثير، هذا إن وجدوا فيه عملاً أصلاً. كما أن خطة الحكومة اللبنانية لإعادة اللاجئين تتحدث عن تشديد في تطبيق قوانين العمل بلبنان، لذا علينا أن ننتظر السلطات اللبنانية لنر هل ستنفذ ذلك أم لا، لأن أرباب العمل اللبنانيين الذين يفضلون توظيف عمالة سورية غير نظامية قد يعترضون على ذلك.

 

وكل هذه العوامل تؤثر في حسابات اللاجئين السوريين المعقدة بالنسبة لقرار العودة، لأن هذا القرار لابد أن يراعي الظروف في كل من لبنان وسوريا. يعلق على ذلك أحد العاملين في المجال الإنساني فيقول: "ينسى الناس بأن اللاجئين بشر لهم تقييمهم الخاص بشأن المخاطر، إذ هنالك أب يريد حماية أسرته، وأم تريد أن تحمي أولادها"، بل حتى السوريون الذين يعيشون في مخيمات بلبنان في ظل ظروف غاية في القسوة، بحاجة لدراسة الخطر المتمثل بترك عمل مأجور وأمور عيش مستقرة إلى حد كبير بلبنان، وكذلك عليهم أن يدرسوا كلفة نقل الأسرة والمتعلقات إلى سوريا، وصعوبة تأسيس حياتهم من جديد عند عودتهم إلى سوريا التي لم تتضح معالم مستقبلها بعد.

ذكر شاب من حمص يعيش في مخيم بسهل البقاع اللبناني بأنه في لبنان يمكنه أن يعمل ويأكل على الأقل، وذلك لأن صديقاً له في سوريا أخبره بأنهم يأكلون التراب والأعشاب الضارة.

والأهم من كل ذلك هو أن هؤلاء السوريين المقيمين في لبنان يتواصلون من أصدقائهم وأهلهم في سوريا، فتصلهم أحدث الأخبار عن الظروف في المناطق التي ينحدرون منها، وتبعاً لذلك يتخذون قرار العودة من عدمه. ولقد توجه بعضهم إلى سوريا لزيارة الأهل وتقييم الظروف في المناطق التي ينحدرون منها، فيما يعرف آخرون أشخاصاً عادوا إلى سوريا وندموا على ذلك، ثم رجعوا إلى لبنان، ولهذا يقول أحد الباحثين المقيمين في دمشق: "إن كل من يدرس ذلك يعرف، فالناس يخبرون بعضهم، أي أن الأشخاص الذين عادوا يخبرون من لم يعودوا بعد بما جرى لهم".

ظروف في سوريا لا تشجع على العودة

إن رفض معظم السوريين لفكرة العودة يشير إلى أن الظروف في سوريا غير ملائمة للعودة، هذا إن أردنا أن نعبر عن الأمر بموضوعية، لذا فإن السوريين المقيمين في لبنان معذورون وذلك لأنهم رأوا الوضع في سوريا ثم قرروا التريث في المرحلة الراهنة.

تحسنت الظروف في سوريا من بعض النواحي منذ الإطاحة بالأسد في كانون الأول الماضي، إذ لم يعد السوريون يخشون من التجنيد إلى أجل غير مسمى في الجيش السوري، كما لم يعد أي منهم يخشى الاعتقال أو الإخفاء القسري الذي مارسته أجهزة الأمن الأسدية. إلا أن ذلك لا يعني بأن سوريا أصبحت آمنة، لأن بعض الفئات من الشعب السوري تتعرض لتهديدات جديدة بالاضطهاد، وقد شهد البلد حتى الآن عدة حالات ظهر خلالها العنف الطائفي على نطاق واسع، وماتزال مناطق أخرى في البلد تعاني من انفلات أمني كبير وانتشار للجريمة. وتنتشر الألغام الأرضية والذخيرة غير المنفجرة في عموم سوريا، ومايزال تنظيم الدولة الإسلامية ينشط في سوريا، وخاصة في مراكز التجمعات السكانية الواقعة غربي سوريا، وماتزال أجزاء كبيرة من البلد خارج سيطرة الحكومة، وعلى رأسها شمال شرقي سوريا، والتساؤل مايزال مطروحاً حول إمكانية إعادة دمج تلك المناطق ببقية أجزاء سوريا على المستوى السياسي، وهل سيحدث ذلك بطريقة سلمية وعبر التفاوض، أم سينطوي الأمر على شكل من أشكل العنف القائم على الفوضى الذي شهدته محافظة السويداء في شهر تموز الماضي.

في هذه الأثناء، وصل الاقتصاد السوري لمرحلة كارثية، فقد خلقت الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لتخفيف العقوبات شيئاً من التفاؤل، إلا أن سوريا ماتزال بحاجة للخروج من الحفرة العميقة التي دفن فيها اقتصاد البلد، فقد تقلص حجم الناتج القومي الإجمالي بنسبة فاقت 50% منذ عام 2010، وأصبح سوري واحد من بين كل أربعة سوريين يعيش في فقر مدقع، في حين يعيش ثلاثة أرباع الشعب السوري تحت خط الفقر المحدد لأدنى شريحة من الناس الذين يتقاضون دخلاً متوسطاً. وتقدر الأمم المتحدة بأن 16.5 مليون سوري وسورية في مختلف أنحاء البلد باتوا بحاجة لمساعدات إنسانية، أي ما يعادل تقريباً ثلاثة أرباع الشعب السوري، كما أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي. ومنذ شهر كانون الأول، شهد البلد أزمة حادة في السيولة النقدية، إذ أصبحنا نرى الناس في أنحاء دمشق يحتشدون أمام الصرافات الآلية، في محاولة لسحب المال المودع ضمن مدخراتهم، ويعلق على الأوضاع أحد العاملين في المجال الإنساني فيقول: "لم يتغير أي شيء بالنسبة للاحتياجات الإنسانية، أي أن الاحتياجات ماتزال قائمة، بل إنها ازدادت سوءاً".

من جانبه، وصف غونزالو فارغاس يوسا مدير مفوضية اللاجئين بسوريا، الوضع بقوله: "إن الناس يعودون، إلا أن السبب الأكبر لعودتهم هو الأمل، وعشق البلد، والرغبة بلم شمل العائلة، وذلك نظراً لغياب أي حافز اقتصادي على الإطلاق، ولكن بالتأكيد هنالك أمل وتوقع بالنسبة لظهور هذا الحافز، وخاصة بعد رفع العقوبات، ولكن حتى اليوم، لم يتحقق هذا الأمل والتوقع، أي أنه لم يترجم إلى فرص عمل مثلاً".

بالنسبة لمعظم السوريين، فإن تكاليف المعيشة التي تشمل الأساسيات كالطعام وبدل الإيجار غير منطقية، إذ تقول إحدى العاملات في المجال الإنساني بدمشق: "إن الحسابات حرفياً لا تتطابق مع الحياة في هذا البلد". كما أن تأمين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والتعليم والرعاية الصحية ماتزال ضمن إطار محدود، وتعاني سوريا أيضاً من أعنف موجة جفاف أصابتها منذ عقود طويلة، ولذلك أضحى الحصول على الغذاء والماء محفوفاً بالخطر، وكذلك الأمر بالنسبة لتأمين الرزق عبر الزراعة.

 

قد يعاني السوريون العائدون إلى بلدهم في العثور على عمل مأجور أو على أجر مساو لما يمكنهم تحصيله في بلد مثل لبنان، فالأسواق في الداخل السوري لا يمكنها أن تستوعب سوى عدد محدود من العاملين الجدد، وبوسع العائدين الذين لديهم عائلات كبيرة ممتدة أن يعتمدوا على دعم أقاربهم لهم، برأي إحدى العاملات في المجال الإنساني، إلا أن العرض على العمل المأجور محدود، وتقول تلك العاملة في المجال الإنساني: "بعضهم عاملون مياومون، غير أن الماء والجفاف أصابا الزراعة في مقتل، والكثير عادوا اعتقاداً منهم بأنهم سيعملون كأجراء في الأراضي الزراعية، ولكن حدث جفاف في هذا الفصل، فلم يعد هنالك أي عمل، بسبب عدم وجود موسم زراعي".

ذكر سائق سيارة أجرة من دمشق بأنه رأى أشخاصاً عادوا في زيارة إلى سوريا، ثم غادروها مرة أخرى، إذ كانوا يرغبون بالبقاء حسب زعمه، ولكنهم لم يتمكنوا من البقاء في البلد، حيث لا توجد أي حركة أو عمل على حد وصفه.

أضافت عودة اللاجئين والنازحين داخلياً مزيداً من الضغط على مجتمعات العائدين في سوريا، وتقدر مفوضية اللاجئين بأن ما يقرب من 750 ألف لاجئ ولاجئة ونحو مليون وستمئة ألف نازح ونازحة قد عادوا إلى بيوتهم منذ شهر كانون الأول الماضي، ومعظمهم عادوا إلى مناطق يعاني سكانها بالأصل من شظف العيش، ناهيك عن أنها غير مجهزة لتقديم الدعم للعائدين الجدد.

من المؤشرات على الظروف الصعبة التي تنتظر العائدين مؤشر الظروف في مجتمعات العائدين السورية والذي نشرته المنظمة الدولية للهجرة في نيسان الماضي، إذ من بين اثنتين وخمسين منطقة موزعة على عموم البلد، هنالك أربعة منها فقط اعتبرت "ملائمة على الأغلب" لعودة النازحين واللاجئين. والأهم من كل ذلك هو أن المناطق التي قيمتها المنظمة الدولية للهجرة هي بالأصل مناطق عاد إليها عدد كبير من النازحين، سواء في الداخل أم من خارج البلد، ولا تشمل المناطق التي تعيش ظروفاً صعبة والتي لم يعد إليها أي أحد على الإطلاق.

ثم إن معظم من عادوا إلى سوريا حتى الآن يشعرون بالسعادة فقط لأنهم عادوا، إذ تقول العاملة في المجال الإنساني: "مايزال الناس في حالة نشوة بعد أن تجمعوا من جديد، إذ عندما تزور تلك المناطق، تكتشف مدى فظاعة ظروف العيش فيها، لكن الناس مايزالون يبتسمون ابتسامة عريضة هناك فقط لأنهم عادوا ليجتمعوا مع بعضهم"، ولكن بمرور الوقت، قد يظهر التوتر بحسب مخاوف العاملين في المجال الإنساني، وذلك إما بسبب التنافس على الموارد ومصادر الرزق الشحيحة، أو بسبب الفوارق الاجتماعية والاختلافات السياسية، بما أن الناس الذين أمضوا السنوات الأربع عشرة الماضية توزعوا على مختلف أنحاء سوريا، ولهذا تحاول تلك المنطقة الشاسعة من جديد أن تتعايش مع بعضها مرة أخرى".

تضاؤل المساعدات المخصصة لسوريا

إضافة لكل ذلك، فإن تخفيض المساعدات الإنسانية في لبنان لم يترافق مع زيادتها في سوريا، بل على العكس تماماً، تراجعت المساعدات المقدمة لسوريا هي أيضاً.

تعاني الاستجابة الإنسانية في سوريا، كما في لبنان، من تراجع كبير في التمويل، إذ في بداية شهر تموز، لم تمول المناشدة الإنسانية الأممية المخصصة لسوريا إلا بنسبة تقل عن 16%، وفي شهر آذار من عام 2025، وتحديداً في مؤتمر المانحين ببروكسل، تعهدت الجهات المانحة الدولية بتقديم مبلغ قدره 6.3 مليارات دولار على شكل مساعدات مخصصة لسوريا وللمنطقة تقدم على مدار عدة سنوات، أي أن المساعدات هذه المرة أضحت أقل من المبلغ الذي رصد خلال العام الفائت إذ بلغت قيمة المساعدات 8.2 مليارات دولار.

تراجع التمويل على مدار سنين، إلا أن معظم النقص الحالي يعود سببه لقرار الولايات المتحدة القاضي بتجميد برامج المساعدات في مختلف أنحاء سوريا والذي صدر في مطلع هذا العام، ومن بعده ألغيت ملايين الدولارات المخصصة للمساعدات. إذ قبل كل هذا، كانت الولايات المتحدة أكبر جهة تمثل دولة في مجال تقديم المساعدات المخصصة للاستجابة في سوريا، حيث رصدت ما يقرب من 1.2 مليار دولار خلال السنة المالية لعام 2024 وأكثر من 18 مليار دولار منذ عام 2012. وحالياً تواصل واشنطن تعويض بعض الشركاء في المجال الإنساني وذلك لاستكمال البرامج التي تحقق معايير محددة، إلا أن مبلغ الأموال التي ستقدمها بنهاية هذه السنة من المرجح أن يكون مجرد جزء يسير من المبلغ الذي أنفقته في عام 2024. ولهذا فإن خفض التمويل الأميركي أصاب المنظمات غير الحكومية الموجودة في شمال غربي سوريا وفي شمال شرقيها بمقتل شديد، إذ خلال مؤتمر بروكسل لهذا العام، لم تقدم الولايات المتحدة أي تعهد جديد بتقديم التمويل، في حين أعلنت جهات مانحة غربية أخرى عن التزامات إضافية بتقديم المساعدات، غير أن التعويض عن خفض التمويل الأميركي يبدو من المستحيلات.

 

وبالنتيجة تراجعت المساعدات المخصصة للسوريين في سوريا، وليس فقط في لبنان، كما قلص برنامج الغذاء العالمي في سوريا عدد الأشخاص الذين يحصلون على دعم نقدي بنسبة 40%، ومن المتوقع لمفوضية اللاجئين في سوريا أن تتقلص بنسبة 30%، وأن تغلق تقريباً نصف مراكز الإيواء التي افتتحتها في مختلف أنحاء سوريا، أما المراكز الصحية فالمئات منها بات مهدداً بالإغلاق.

بالنسبة للسوريين العائدين من لبنان، فإن المفوضية وشركائها يقدمون حالياً خدمة النقل للاجئين الفقراء وذلك من الحدود حتى المناطق التي يعودون إليها، إلى جانب مبلغ يعادل 400 دولار أميركي يقدم نقداً لكل أسرة، مع دعم محدود مخصص لإصلاح البيوت، ودعم قانوني يساعدهم على استخراج الوثائق المدنية، ونقل بعض القطع والتجهيزات المنزلية.

والأهم من كل ذلك، هو أنه على الرغم من عدم تقديم مبلغ 400 دولار نقداً لكل العائدين، بسبب نقص التمويل، فقد أصبحت تلك المبالغ توزع على أشد العائدين حاجة إليها، وعن ذلك يعلق غونزالو فارغاس لوسا فيقول:"حالياً، أصبحنا انتقائيين للغاية، ومع ذلك، هنالك كثير من اللاجئين الذين يعانون من فقر وضعف شديدين والذين لا يمكننا أن نقدم لهم مبالغ نقدية، على الرغم من ضعفهم وفاقتهم، نظراً لوجود عدد هائل من اللاجئين العائدين المستضعفين وهذا العدد أكبر من الأموال المتوفرة التي يمكن أن توزع عليهم. ولهذا يجب علينا أن نختار الأشد ضعفاً من بين الأكثر ضعفاً، ومع ذلك، نعجز عن الوصول لكل الأشخاص الذين تشملهم هذه الفئة... وفي ظروف لا يملك فيها الناس أي شيء تقريباً، يصبح مبلغ 400 دولار الذي يقدم لكل عائلة أفضل من لا شيء بكل تأكيد، إذ يسمح هذا المبلغ لهم خلال الأسابيع الأولى بأن يجدوا بعض الأموال داخل جيوبهم، ولكن لو كان لدينا مزيد من الأموال ومزيد من التبرعات، فإن المبلغ سيزيد عن 400 دولار بكل تأكيد، على الرغم من أنه لا يعتبر مبلغاً كبيراً بالنسبة لعائلة كاملة. والمشكلة التي نواجهها اليوم هي أننا في حال ضاعفنا المبلغ النقدي، عندئذ ينبغي علينا أن نخفض عدد الأشخاص الذين نقدم لهم هذه المساعدة إلى النصف، وهذا الأمر غير مقبول، إلا أن الأمور تسير على هذا اليوم".

يقول إيفو فرييسن مدير مفوضية اللاجئين في لبنان: "إن المشكلة تتمثل بمحدودية التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية، إذ بوسعنا من خلال المتوفر بين أيدينا أن نقدم المساعدة خلال المرحلة الأولى" لكنه أضاف بأن ذلك:"لا يكفي في أغلب الأحيان خلال السنة الأولى لعودة الشخص، كما لا يكفي لإعادة تأهيل بيت بأكمله، لكنه يكفي لترميم غرفة، أو لتوفير الطعام لأسرة على مدار بضعة أشهر".

في هذه الأثناء، نكتشف بأن تخفيف العقوبات الذي أعلنت عنه الحكومات الغربية والدعم الذي أعلنت عنه مؤخراً دول الخليج العربي والبنك الدولي لم يسد أياً من الاحتياجات الإنسانية بشكل فوري، على الرغم من الترحيب والاحتفاء الذي حظي به، وذلك لأن السوريين سيستفيدون من تلك الخطوات على المدى المتوسط والبعيد حسب ما يرجحه بعض المحللين، إلا أن السوريين بحاجة لمساعدة فورية، وذلك بالنسبة لنفقات مثل الأساسيات التي تحتاج إليها العائلات أو لإعادة بناء بيوتهم.

يستمر آدم عبد المولى، وهو المنسق الأممي المقيم والمنسق الإنساني لسوريا، بالمطالبة بمزيد من الدعم من الجهات المانحة، ويقول: "إن هذا الوقت حرج للغاية، إذ هنالك كثير من الأمور التي لا مفر من تحقيقها، لتحسين الوضع الإنساني، حتى لا تتدهور الأمور خلال الفترة الانتقالية، وهنالك متسع لفرصة أمام المجتمع الدولي حتى يتصرف ويلعب دور الجسر إلى أن تصبح فوائد عملية تخفيف العقوبات واقعاً ملموساً".

غير أن سوريا عالقة اليوم ضمن فترة انتقالية حرجة، إذ مع إغداق الأموال من الخارج لدعم نفقات القطاع العام والتنمية على المدى البعيد، بقيت الاحتياجات الإنسانية الأساسية ملحة للغاية، في حين واصل التمويل الدولي للمساعدات انخفاضه.

الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لإعادة اللاجئين

من جانبها، اتخذت الحكومة السورية الجديدة خطوات لتسهيل عودة اللاجئين السوريين من لبنان وسواه إلى سوريا، ولكن بالنسبة للبنان، فإن سوريا ليست دولة شريكة مستعدة بشكل كامل لتمكين عمليات الإعادة، وذلك لأن النظام الأساسي للدولة والبلد بعد رحيل الأسد مايزال في طور التشكل الأولي.

وماتزال الحكومة السورية الجديدة تعمل على رفد مؤسسات الدولة بالكوادر وعلى إعادة بناء إمكانات الدولة. فلقد شكل الرئيس السوري أحمد الشرع الحكومة الانتقالية الجديدة في أواخر شهر آذار، ومنذ ذلك الحين، عملت الوزارات على إعادة موظفي القطاع العام إلى وظائفهم إلى جانب توظيف كوادر جديدة. وحدها هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، عينت استشارية معنية باللاجئين لدى وزارتها، وهي المستشارة مي برازي، وذلك في 24 من حزيران الماضي. وقبل ذلك، أعرب المطلعون من السوريين عن عدم معرفتهم للجهة الحكومية المسؤولة عن معالجة أمور اللاجئين وعودتهم.

 في خضم مساعيها لنشر الاستقرار في سوريا، تواجه القيادة السورية الجديدة تحدياً جسيماً، فقد ورثت دولة مفلسة دمرتها الحرب وقسمتها، كما أن رؤية سياسة الحكومة تجاه القضايا المحورية مثل سياسات الحماية الاجتماعية، ماتزال غير واضحة، ناهيك عن كونها تعمل ضمن موارد محدودة للغاية.

 

أكد المسؤولون السوريين لمحاوريهم الأجانب بأن سوريا ترحب بكل النازحين السوريين، سواء في الداخل أو خارج البلد، إلا أنهم أعربوا عن قلقهم أيضاً تجاه عودة النازحين بأعداد غفيرة وبشكل سريع للغاية، لأن ذلك باعتقادهم لابد أن يرهق إمكانات البلد.

غير أن برازي نفسها عادت إلى سوريا في شهر حزيران، بعد أن عاشت لسنوات طويلة في الولايات المتحدة، وأكدت بدورها على أن سوريا ترحب بجميع السوريين، وذكرت بأن الحكومة السورية تريد أن تتم أي عودة بشكل طوعي ومنظم، كما تريد أن يعامل العائدون بكل احترام، وقالت: "عند عودة الناس، فإن ما نريده هو حفظ أمنهم وأمانهم وكبريائهم، إذ لا نريد أن نرى أياً منهم ذليلاً بعد اليوم، لأن تلك الأيام مضت... وقد نالوا نصيبهم الكبير من المعاناة".

يبدو أن الحكومة السورية تولي اليوم أكبر أهمية لإعادة توطين ما يقرب من مليوني شخص يعيشون في مخيمات النزوح الموجودة بشمال شرقي سوريا، ولذلك قالت برازي: "لا نريد أية مخيمات بعد اليوم، ولا نريد أن نرى السوريين يعيشون على السلل الغذائية داخل الخيام في ظل طقس بارد".

من جانبها، اتخذت هيئة المنافذ البرية والبحرية التي جرى تشكيلها منذ فترة قريبة في سوريا خطوات لتسهيل عمليات العودة من لبنان، ولقد وسع هذا الكيان الجديد الذي يعرف باسم الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية من الإعفاءات التي منحتها السلطات اللبنانية والتي تشمل الغرامات المالية ومنع السفر، وحددت إجراءاته الخاصة لتسهيل عمليات العودة والتي شملت إعفاءات من الرسوم الجمركية وتوفير النقل المجاني عند المعابر، وأسهمت هذه الهيئة في تسهيل وصول أول قافلة عودة منظمة من لبنان في 29 حزيران الماضي.

يخبرنا مازن علوش، وهو رئيس العلاقات العامة لدى هيئة المنافذ البرية والبحرية السورية، بأن عدد العائدين من لبنان قد زاد خلال الأسابيع التي تلت إعلان الهيئة عن إجراءاتها المتعلقة بتشجيع العودة إلى سوريا، وتحدث أيضاً عن وجود مؤشرات إيجابية مثل: "عودة أسر بأكملها بدلاً من أفراد، وزيادة نسبة الأطفال والنساء بين صفوف الواصلين، ما يشير إلى أن العودة تحولت من عودة "استطلاعية" إلى عودة بهدف الاستقرار".

وأضاف علوش: "ما يميز هذه الفترة الأخيرة هو ذلك التقاطع النادر بين الإجراءات السورية واللبنانية بما يخدم ملف العودة الطوعية من دون شروط سياسية، ونرى في ذلك تطوراً مهماً يمكن البناء عليه مستقبلاً".

 

ناقشت الحكومة السورية فكرة تشكيل لجنة تضم عدة وزارات لتكون معنية بأمور العودة، وذلك على غرار اللجنة اللبنانية المعنية بالشأن نفسه، ويفترض أن تشارك بمعالجة ملف العائدين عدة وزارات على رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الخارجية ووزارة الإدارة المحلية، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل.

ولكن الحكومة السورية لم تخرج حتى الآن باستراتيجية شاملة بالنسبة لعمليات العودة، إذ كان من المتوقع للحكومة أن تعقد في دمشق مؤتمراً يركز على مسألة العودة ويضم الدول الإقليمية المضيفة خلال شهر حزيران الماضي، إلا أن هذا المؤتمر أُجل إلى أجل غير مسمى.

علاقات سورية-لبنانية غير واضحة المعالم

إن أي تعاون سوري-لبناني في ملف عودة اللاجئين ليس سوى جزء من علاقات أوسع ذات أبعاد كثيرة بين البلدين. غير أن الشكل المحدد الذي ستتخذه هذه العلاقة بينهما بعد رحيل الأسد مايزال مجهولاً.

التقى ممثلون عن الحكومتين الجديدتين في كلتا الدولتين عدة مرات، إذ زار سلام دمشق في نيسان الماضي، حيث التقى بالشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، كما التقت قبوات بنائب رئيس الوزراء اللبناني ميتري، ونظيرتها اللبنانية سيد في اليوم التالي، وبقيت قبوات وسيد على تواصل منذ ذلك اللقاء، بما أن كلاً منهما تعرف الأخرى قبل أن تتسلم أي منصب لدى الحكومة، غير أن مزيداً من التقدم في مجال العلاقات الثنائية بين البلدين يحتاج إلى وقت حتى يقوم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بزيارة إلى لبنان. إذ كان من المزمع له زيارة بيروت في حزيران، إلا أن زيارته تأجلت بسبب استمرار حرب إسرائيل على إيران، ولم يحدد موعد آخر لتلك الزيارة حتى الآن، وفي هذه الأثناء، توقف الحوار بخصوص السياسة بين لبنان وسوريا.

تشمل أهم القضايا ضمن العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا ملف اللاجئين وإعادتهم، وملف أمن الحدود وترسيمها، وملف السوريين المحتجزين في السجون اللبنانية، وملف اللبنانيين المفقودين في سوريا.

 

والأهم من كل ذلك هو أن الأولويات السياسية لسوريا ولبنان لا تتوافق حالياً بالنسبة لعودة اللاجئين، وذلك لأن عمليات العودة تعتبر قضية ملحة للغاية في السياسة اللبنانية مقارنة بأهميتها في السياسة السورية، وذلك لأن مخاوف دمشق بشأن العودة المبكرة أو عودة أعداد هائلة من اللاجئين تتعارض مع الضرورات السياسية لبيروت.

بعد سقوط الأسد، شابت العلاقات بين سوريا ولبنان حالات عنف متقطعة، إذ منذ شهر كانون الأول الماضي، اشتبك مقاتلو العشائر اللبنانية مع القوات السورية عدة مرات على الحدود الفاصلة بين بعلبك التابعة لقضاء الهرمل في شمالي لبنان ومحافظة حمص السورية. وبعد جولة من تلك الاشتباكات، عقدت السعودية اجتماعاً حضره وزير الدفاع السوري ونظيره اللبناني، واتفقا من خلاله على آلية للتنسيق مع تشكيل عدة لجان مشتركة، كما التقى ممثلون عن الجيش اللبناني بنظرائهم السوريين مرات عدة منذ ذلك الحين.

تنحي السلطات السورية بلائمة تلك الاشتباكات الحدودية على حزب الله، إذ يبدو بأن بعض المتنفذين في الحكومة السورية الجديدة وأتباعهم يختصرون لبنان كله بحزب الله، فقد نقم هؤلاء السوريين على حزب الله إثر تدخله في الحرب السورية دعماً لنظام الأسد، ولهذا يزعمون بأن حزب الله يحاول اليوم زعزعة استقرار سوريا بعد رحيل الأسد، فعند عبور كاتب هذه السطور للحدود بين لبنان وسوريا بسيارته خلال شهر حزيران، أخذ ضابط الأمن السوري الذي فتش جوازات سفر الركاب والأختام عليها يستهزئ بمقتل زعيم حزب الله حسن نصر الله في أيلول عام 2024، وذلك عبر استحضار صورة ساخرة مناهضة لحزب الله انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي السورية.

ولذلك، قد يضطر لبنان إلى بذل جهد كبير حتى يطور علاقة عمل أكثر إيجابية مع سوريا بعد رحيل الأسد، كما على السياسيين وصناع القرار اللبنانيين أن يراعوا فكرة أنهم يتعاملون مع سوريين جدد مختلفين، إذ قد تكون حكومة الشرع على استعداد لصد السياسة اللبنانية بشكل لم يفعله نظام الأسد. وهنا نستحضر مثلاً كيف فرضت هيئة المنافذ الجديدة في سوريا شروطاً صارمة على دخول اللبنانيين إلى بلدهم، وبررت ذلك بأنه معاملة بالمثل. وفي حال إبداء هذه الحكومة الجديدة تشدداً أكبر تجاه لبنان، فإن هذا الموقف يمكن أن يحظى بتأييد من قاعدة شعبية سورية تختصر لبنان بحزب الله، وبالإساءة للاجئين السوريين، وبالمعاملة اللاإنسانية المهينة على الحدود اللبنانية.

وهنا لا يجوز لصناع القرار في لبنان أن يفترضوا بأن هذه الحكومة السورية الجديدة ستتبنى السياسات اللاإنسانية التي تستهدف السوريين في لبنان، إذ يرجح بعض الناس للبنان أن يفرض التعامل مع السوريين الموجودين في لبنان باحترام، ليكون ذلك جزءاً مهماً في المستقبل لتطوير علاقات دبلوماسية سليمة مع الجارة سوريا.

التشجيع على العودة

أمام لبنان فرصة لتحقيق عمليات عودة دائمة إلى سوريا بشكل حقيقي وفعلي، غير أن حكومة سلام يجب أن تتمسك بالمبادئ التي حددتها في خطتها، حتى أمام الهجمات السياسية الشعبوية، كما ينبغي عليها أن تعي بأنه لا يجوز لها الضغط على السوريين حتى يعودوا إلى بلدهم خلال مراحل مبكرة.

وحتى تحظى عمليات العودة بما يناسبها من زخم، يجب على حكومة سلام اليوم أن تستثمر في خطتها، لأن عمليات العودة الناجحة لابد أن تشجع مزيداً من السوريين المقيمين في لبنان على التفكير بمسألة العودة، وإن زيادة الزخم في هذا الإطار تعني زيادة الأمن العام للإعفاءات المتنوعة بالنسبة للسوريين العائدين بعد الثلاثين من أيلول، لأن إنهاء مدة الإعفاءات في أيلول لابد أن تمنع السوريين من الرحيل عبر القنوات الرسمية.

وبالتوازي مع ذلك، يمكن للحكومة اللبنانية أن تواصل تشجيعها للدول المانحة على دعم العائدين، وعلى الاستثمار في تعافي سوريا بشكل أكبر، وعليه، فإن الحل الواقعي الوحيد لأزمة النزوح السورية التي امتدت لسنين طويلة يتمثل بتحويل سوريا إلى مكان يمكن للناس العيش فيه من جديد، وعلى المقلب الآخر، فإن حجم عمليات عودة اللاجئين من لبنان سيعتمد في معظمه على الأحداث في سوريا، وقدرة سوريا على تحقيق الاستقرار، وحتى الآن ماتزال المؤشرات متباينة.

ينبغي على الحكومة اللبنانية أيضاً التعامل مع السياسة الداخلية المعنية باللاجئين وعودتهم، إلى جانب إدارة توقعات الشارع بشأن واقعية عدد عمليات العودة على المدى القريب، وذلك لأن عمليات العودة التي تشمل أعداداً كبيرة تحتاج إلى وقت، وذلك لا يعتبر مثالياً بالنسبة لحكومة لم يعد لديها سوى أقل من سنة قبل إجراء الانتخابات النيابية. غير أن العودة للاستعانة بخطط وأساليب لاإنسانية وغير قابلة للتطبيق أو إلى التحريض الشعبوي ضد السوريين لن يترتب عليه عودة اللاجئين بأعداد غفيرة، بل إنه سيؤدي لحصول مأساة إنسانية وظهور عداء جديد مع منظمات دولية ودول مانحة، إلى جانب ظهور احتمال معادة سوريا الجديدة أيضاً.

 

في هذه الأثناء، يتعين على صناع السياسة اللبنانيين تطوير خطة تعنى بكيفية استيعاب لبنان للسوريين الذين ينحدر معظمهم من أقليات دينية، والذين فروا إلى لبنان منذ شهر كانون الأول الماضي، وذلك لأن لهؤلاء السوريين احتياجات فورية وعاجلة أكثر من اللاجئين المقيمين في لبنان منذ فترة طويلة، ومن غير المرجح لهؤلاء العودة إلى سوريا في المستقبل المنظور، ولهذا فهم بحاجة لوضع قانوني إلى جانب السماح لهم بالتنقل والعمل داخل لبنان، إذ ماتزال هذه الموجة الأخيرة من النازحين في مرحلتها الأولى، ولهذا فإن أمام لبنان فرصة اليوم لمعالجة موجة النزوح الجديدة بطريقة أكثر تنظيماً وعقلانية، كما أمامه فرصة للابتعاد عن الاستجابات السياسية الاعتباطية التي جعلت أزمة النزوح في البلد بعد عام 2012 عصية على الحل حتى الآن.

والواقع يقول إن على لبنان معالجة مسألة النزوح السوري على المدى البعيد، غير أن أمام لبنان اليوم فرصة لمعالجة المشكلة بطريقة إنسانية ومسؤولة، مع تحقيق تقدم ملموس في ذات الوقت بالنسبة لعودة اللاجئين إلى بلدهم.

 

المصدر: The Century Foundation