في ربيع العام الحالي، نقل أبو عمر أثاث منزله المستأجر بمدينة معرة مصرين التي قدم إليها وافداً في العام 2019، عائداً إلى بلدته الأصلية تلمنس بريف إدلب، لكنه سرعان ما عاد ليجمع أثاثه ويشحنه نحو مدينة معرة مصرين، مفضلاً الإقامة لبعض الوقت الذي قد يتجاوز سنتين أو ثلاث في المدينة التي آوته في أحلك الظروف.
يشرح الثلاثيني لموقع تلفزيون سوريا الظروف التي أجبرته على مغادرة بلدته الأصلية بالرغم من سقوط النظام وزوال المخاطر الأمنية، موضحاً أن "البلدة مدمرة بالكامل تقريباً، لا سقوف للبيوت السكنية والشوارع مليئة بالركام والأنقاض والخدمات الأساسية من كهرباء وماء وإنترنت شبه معدومة".
ويتابع بأن هذا الواقع متشابه تقريباً في جميع المناطق التي دمرها نظام الأسد عشية الحملة الأخيرة في العام 2019 التي قضمت مساحات واسعة من جنوبي وشرقي إدلب وشمالي حماة، لكن هذه المناطق وإن كانت معدومة الخدمات تتميز حالياً بوفرة فرص العمل لاسيما في مجال البناء والإكساء حيث يقبل السكان العائدون بشكل غير مسبوق على ترميم أو إعادة بناء منازلهم للاستقرار في بلداتهم الأصلية، ويلفت إلى أن هذه الميزة هي التي حفزته على العودة إلى البلدة في رمضان الماضي لكن سوء الخدمات جعله يفكر في التراجع عن قرار العودة.
خدمات معدومة
وتمثل قصة أبو عمر نموذجاً لمئات القصص المشابهة، فضل أصحابها العودة إلى مناطق تهجيرهم في إدلب، أو البقاء في هذه المناطق سواء في الخيام أو منازل مستأجرة لسنوات قليلة قادمة، ريثما يستقر واقع الخدمات والمعيشة في بلداتهم الأصلية، بحسب ما يؤكد عدد من المهجرين لموقع تلفزيون سوريا.
ويفيد هؤلاء المهجرون بأن مناطق التهجير في شمال غربي سوريا، توفر لهم مستويات معيشية وخدمية وتعليمية جيدة مقارنة ببلداتهم الأصلية، في حين ما تزال هذه البلدات بحاجة إلى إعادة إعمار للبنى التحتية من كهرباء وإنترنت ومشافي وشوارع ومرافق عامة في ظل الدمار الهائل والسرقات الممنهجة التي طاولتها خلال السنوات السابقة من قبل جنود النظام المخلوع.
بالرغم من عودة أسرته من عمان إلى ريف دمشق، لا يزال محمد وهو مهجر يقيم في إدلب، يرفض فكرة العودة إلى مدينته الأصلية مفضلاً البقاء في إدلب حيث يعمل وتدرس طفلته الصغيرة في إحدى المدارس الخاصة، لكنه يزور شهرياً لأيام عديدة، ريف دمشق حيث يلتقي بأهله وأقاربه ثم يقفل عائداً نحو منزله المستأجر في إدلب.
حول هذه الحالة التي تتسم بالسفرات الطويلة الدورية بين دمشق وإدلب، يوضح محمد لموقع تلفزيون سوريا أنه اعتاد على المنطقة التي يقيم فيها منذ العام 2021 فقد تمكن من تأسيس حلقة معارف وأصدقاء أدالبة، إضافة لعمل مثمر، ربما يتوقف ويعود من الصفر في حال قرر الرجوع نحو مدينته بريف دمشق.
ويتابع: "كل شيء تقريبا متوفر هنا، مقر عملي قريب ومدرسة طفلتي في الحارة القريبة والمشفى في الشارع المقابل، بينما لا تزال مدينتي المدمرة بريف دمشق تفتقر إلى أبسط الخدمات الصحية والتعليمية".
مهجرون يفكرون بالاستقرار الدائم
أما أبو المجد وهو مهجر آخر من ريف دمشق يقيم في بلدة المسطومة بريف إدلب، فيعمل على خطة استقرار مكونة من بندين، بحسب ما يوضح لموقع تلفزيون سوريا وهما شراء قطعة أرض في المسطومة حيث تقيم عائلة زوجته الإدلبية وتشييد منزل عليها، بالتوازي مع ترميم منزله بريف دمشق وجعله صالحاً للسكن، على أن يقضي جزءاً من وقت عطلته في هذا المنزل في حين يفضل الاستقرار في المسطومة حيث يعمل إضافة لكونه لا يزال طالباً في الدراسات العليا بجامعة إدلب.
يقول أبو المجد: "الزواج من إدلبية ربما يكون قد شدني إلى الاستقرار في المنطقة التي أحببتها لبساطة أهلها، لكن هذا ليس السبب الوحيد فعملي هنا ومكان دراستي أيضاً في الجامعة لا يبعد سوى بضعة كيلومترات".
خطة لدمج المخيمات
في مناطق المخيمات، ما يزال قرابة نصف تعداد المهجرين يفضلون البقاء داخل الخيام، إما لتعرض منازلهم ومتاجرهم الأساسية للتدمير أو لعدم توفر الخدمات في بلداتهم الأساسية في حين يشكو قسم من المهجرين من ندرة فرص العمل ما يجعله مجبراً على البقاء داخل الخيمة إلى أمد غير محدد، بحسب حديث مصدر مطلع عامل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لموقع تلفزيون سوريا.
ويوضح المصدر أن بقاء المهجرين داخل الخيام جعلهم يعملون على تنفيذ خطة دمج للمخيمات بحيث تلغى المخيمات الفارغة أو التي لا تحوي سوى عدد محدود من السكان، لكنه يشكو من ضعف الدعم الإنساني والإغاثي للمخيمات في ظل شح التمويل وحاجة من تبقى من سكان الخيام إلى خدمات المياه والإصحاح والسلل الإغاثية والتعليم.
أرقام وإحصاءات
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أعلنت في حزيران الماضي أن أكثر من مليوني لاجئ ونازح سوري قد عادوا إلى ديارهم من داخل سوريا وخارجها، لا سيما من الدول المجاورة مثل لبنان وتركيا.
وبخصوص حركة العودة الداخلية، أفاد تقرير للأمم المتحدة صادر في 19 من آب الماضي، بعودة أكثر من 1.5 مليون نازح داخلي إلى ديارهم منذ نهاية تشرين الثاني 2024، بالتزامن مع بداية عملية "ردع العدوان" العسكرية التي أطاحت بالنظام السابق. وتعتبر سوريا من بين الدول التي تضم أكبر عدد من النازحين داخلياً على مستوى العالم، حيث يبلغ عددهم 7.4 مليون نازح، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.
وتقدر الأمم المتحدة أن حوالي 16.5 مليون شخص في جميع أنحاء سوريا سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية بحلول نهاية عام 2025. ومن أصل 575,4 مليون دولار أميركي مطلوبة لعملية سوريا في العام الحالي، تمكنت الأمم المتحدة من تأمين 22% من المبلغ، وفقًا للتقرير.