العنف كجائحة عالمية أو "تأثير سوريا"

تاريخ النشر: 18.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 09:30 دمشق

"تأثير سوريا"، عبارةٌ لم تعد مجرد نحت تجريبي في سياق تحديد المصطلحات التي يحاول كثيرون وضعها للتعبير عن ظواهر تكرر حصولها هنا وهناك، فصارت أشبه بموجة عامة، لابد من البحث في أسبابها طالما أن تأثيرها بات يتجاوز محليتها.

كان أمر هذه العبارة في البداية أشبه بمحاولة السخرية من واقعة فاقعة، فحينما ظهر دونالد ترمب بشعاراته الانتخابية العنصرية، قال البعض إن هذا مرتبط بـ"تأثير سوريا" أو (syria effect)، ولكن أحداً لم يقتنع أن لسوريا وما يجري فيها فعلياً، علاقة بالانتخابات الأمريكية على هذا النحو الذي توحي به العبارة، وبدا أن السياق الذي يضخ مشاهد الدم يومياً لا يؤدي بالضرورة إلى أن يقرر الأمريكيون انتخاب رئيس لا يملك سوى الشعارات الشعبوية، ولكن لو دقق المناهضون للفكرة في أن جزءاً كبيراً من شعارات ترمب كانت تساق على بساط محاربة الإرهاب والإرهابيين القادمين من سوريا والعراق ومن دول أخرى، ربما كانوا سيتعاطون مع القصة بشكل مختلف، وبالتأكيد سيصبح الأمر أوضح حين يرون أن أغلب من قاموا بعمليات إرهابية في الولايات المتحدة وفي أوروبا كانوا مرتبطين مادياً أو معنوياً بالمعادلة القائمة في الشرق الأوسط،

"حالة الإفلات من العقاب هذه ستؤدي إلى تعميم العنف وتحوله إلى مادة يومية معتادة"

فإما أن يكون هؤلاء متطرفين إسلاميين، وإما أن يكونوا فاشيين أو نازيين أو قوميين جددا، تأثروا بما يجري، ووجدوا أن المناخ مناسب جداً للقيام بالأفعال التي تمليها عليها أيديولوجيا التطرف أولاً، وحالة الإفلات من العقاب ثانياً.

مناخات الحروب عملياً تؤدي بالضرورة إلى خلق موجات هائلة من الخطابات الشعبوية، التي تحرض الجماهير من أجل أن تمضي خلف شعاراتها المؤثرة، ولكن وجود القانون أو القوة الزاجرة كان يتكفل في السابق بقمع هذا الجنوح نحو العنف، وحين ينتفي وجود هذه القوة الكابحة، ويجد المجرمون أن أحداً لا يحاسبهم على ما يرتكبونه تحت مرأى العالم ونظره، وتحت عدسات كاميراته، طيلة سبع سنوات، مثل حالة نظام الأسد الذي ما انفك يقتل السوريين الثائرين على نظامه، ومثل أفعال تنظيم الدولة (داعش). فإن حالة الإفلات من العقاب هذه ستؤدي إلى تعميم العنف وتحوله إلى مادة يومية معتادة، يراها الناس دون أن يتأثروا بها، ويستهلكونها مع يومياتهم، فتصبح بعد فترة جزءاً من مكونات الفضاء الذي يعيشون فيه، وحين يستنقع العنف ستخرج النوازع الشخصية من قمقمها، لتتحول إلى إرادة قائمة في مواجهة المجتمع ذاته من خلال أدوات فاقعة التأثير كالعنف، وسيكتمل فعل هذه الأدوات حينما تمتلك سبل وصولها إلى الجمهور، فالقتل الذي كانت تقوم به ميليشيات الأسد ضد المتظاهرين السلميين، والذي تحول لاحقاً إلى حرب منقولة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، سيؤتي أكله في نفوس من يبحثون لأنفسهم عن دور ما في محيطهم، ولا يملكون من الأدوات سوى العنف، فتراهم يفتحون كاميرات جوالاتهم ليقوموا بالبث المباشر على فيس بوك وغيره، ناقلين أفعالهم من حيز الخصوصية إلى حيز العمومية عبرها!

هل ثمة مناخ مناسب لتولد العنف على كافة المستويات، وفي كل أنحاء العالم أفضل من المناخ الذي فرضته الحالة السورية؟!

تعبير "تأثير سوريا" يلخص الأمر كله، فكل ما يجري الآن راهناً من تمدد للعنف على مشهد العلاقات بين الدول، وعلى العلاقة بين الأنظمة وشعوبها، وكذلك على العلاقات بين الأفراد، يمكن ربطه بالواقع السوري، وقد مرت عبر الأخبار في الآونة الأخيرة سلسلة من الجرائم، التي ارتبطت كلها بسياق أساسي هو أن أصحابها أرادوا تسليعها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فقد قام (أبو مروان) بقتل زوجته وشرح تفاصيل فعلته عبر البث المباشر، وقبل أن ينهي الإرسال نصح الآخرين بتكرار ما فعله، مؤكداً أنه لن يتعرض لأي عنف من الشرطة الألمانية، وفي وقت لاحق قام شاب فلسطيني بطعن أخته وتصويرها وهي تنزف متألمة، فيما حملت الأيام اللاحقة أفعالاً مشابهة تعددت أماكن حدوثها شرقاً وغرباً بين بلدان الشرق الأوسط وأوروبا!

الملمح الأساسي الذي يمكن أن يتوقف عنده المدققون هو أن غالبية من يرتكبون الجرائم باتوا يستهينون بالقانون، وكأنهم يستمدون القوة من مشاهد سابقة رأوها وعايشوها طيلة السنوات السابقة، وهم على استعداد لتكرارها، وهم في الوقت ذاته يعرّضون بالضحايا، ويجعلون فعل انعتاقها من سلطتهم سبباً للقتل، وهنا لابد أن يتذكر من عايش الثورة السورية كيف كان مؤيدو النظام يحيلون أفعالهم المصورة بجوالاتهم أنفسهم التي تتمحور على إهانة وإذلال الثائرين على النظام إلى حجة تقول إن هؤلاء هم من تسببوا لأنفسهم بهذا المصير، لقد طلبوا الحرية..! وكل هذا إنما يجري بسبب هذه الحرية!!

تطورت المشاهد المصورة فتحولت إلى جرائم قتل بدم بارد،

"نزعات العنف الدموي لدى أولئك الذين وجدوا في الأنموذج الأسدي أو الداعشي مثالا جديرا بالتقليد والمحاكاة، لم تستيقظ بسبب فيلم واحد فقط، بل إنها تفجرت بعد تراكم كبير للأفلام العنيفة"

ففي فيلم سابق يتم دفن شاب وهو على قيد الحياة، وفي فيلم آخر يتم تصفية أشخاص عبر حراب البنادق، وأيضاً عبر الرجم بالحجارة، وفي المقلب الداعشي كانت العقوبات الوحشية الفاجرة تتوازى في تأثيرها مع تلك التي كان النظام يسربها ويبيعها المنتفعون لوسائل الإعلام، وضمن هذا السباق الدموي، برزت مشاهد اسُتخدمت ضد الثورة السورية من مثل مشهد (أبو صقار) الشهير، وأرادت الميديا المدافعة عن النظام أن تحولها إلى أيقونة عنفية تسم الثورة بالتطرف، ولكن نزعات العنف الدموي لدى أولئك الذين وجدوا في الأنموذج الأسدي أو الداعشي مثالا جديرا بالتقليد والمحاكاة، لم تستيقظ بسبب فيلم واحد فقط، بل إنها تفجرت بعد تراكم كبير للأفلام العنيفة، التي تمت رعايتها وبذل المال والجهد من أجل تسويقها لتصبح متاحة أمام الجميع. ولينتهي المشهد العام إلى واقع بات الجميع فيه على أهبة إلحاق الأذى بالآخر.

وبينما كانت سلاسل الجرائم الدموية تتسع عبر العالم كله، كان هناك مستوى آخر لتأثير سوريا، يمتد ويتسع بالتوازي مع العنف الجسدي، هو العنف اللفظي، والذي بات من الصعب في هذه الآونة إجراء القياس لمدى تحكمه بحياتنا، طالما أن الوقائع اليومية كانت تقسم الجميع، فإما أن يكونوا قتلة وإما أن يكونوا ضحايا، وفي الواقع: أليس هذا هو واقع سوريا المؤثرة؟!