icon
التغطية الحية

العمل عن بُعد يحسم القرار.. سوريون يرسمون طريق العودة من ألمانيا

2025.09.26 | 04:13 دمشق

آخر تحديث: 26.09.2025 | 04:39 دمشق

لاجئون سوريون في ألمانيا ـ ap
سوريون يحتفلون أمام السفارة السورية ببرلين عقب سقوط الأسد ـ ap
برلين ـ مختار الإبراهيم
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد سقوط نظام بشار الأسد، تناقش ألمانيا مستقبل اللاجئين السوريين، حيث يشجع الحزب الديمقراطي المسيحي على العودة الطوعية للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، وقد عاد بالفعل 1867 سوريًا بتمويل ألماني.

- يخطط العديد من السوريين في ألمانيا للعودة لأسباب اقتصادية واجتماعية، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وإمكانية العمل عن بعد، مع وجود فرص جديدة في سوريا في مجالات التعليم والتكنولوجيا.

- تحسن الوضع الاقتصادي في سوريا ورفع العقوبات يعزز فرص العمل، مما يشجع السوريين على العودة، مع تسهيلات في قوانين الجنسية في ألمانيا ومصر للاستفادة من المهارات السورية.

بعد أكثر من عقد على وصول الموجة الكبيرة من اللاجئين السوريين إلى ألمانيا عام 2015، ومع سقوط نظام بشار الأسد  في 8 من كانون الأول 2024، تدور في أروقة السياسة الألمانية قضية جديدة للنقاش حول مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا، سيما مع دعوة الحزب الديمقراطي المسيحي -الحزب الحاكم- إلى توفير حوافز مشجعة للعودة الطوعية، للمساهمة في إعادة إعمار سوريا.

وكشفت وزارة الداخلية الألمانية، أن 1867 سوريا غادروا إلى موطنهم حتى نهاية آب الماضي بتمويل من الحكومة الاتحادية الألمانية. وحتى نهاية أيار الماضي لم يستفد من هذا الدعم سوى 804 لاجئ من سوريا. كما أن هناك سوريين آخرين غادروا بتمويل من الولايات. وإلى جانب ذلك، هناك مغادرات طوعية لسوريين لم يتلقوا تمويلا من الدولة الألمانية.

لكن أرقام الداخلية الألمانية لم تأخذ بالحسبان أرقام السوريين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية على اعتبار أنهم باتوا مواطنيين ألمان ولا يدخلون بحسابات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) فالبعض منهم بدأ يفكر بالعودة مع إمكانية الحفاظ على فرصته بالعمل، خصوصا وأن بعض الشركات بدأت فعليا بعد إغلاقات كورونا خلال 2020 إلى 2022 بمنح فريقها أريحية العمل عن بعد لأن ذلك يقلل الكلف التشغيلية ويحقق إنتاجية أعلى وفقا لبياناتهم.

سوريون يخططون للعودة من ألمانيا

"الخدمات في مدينة بون وعموم ألمانيا ربما الأفضل في أوروبا لكن بعد أحد عشر عاما من الغربة والبعد عن الأهل بدأت أفكر بالعودة، الغربة تقتلنا ببطئ"، بهذه الكلمات يصف زكريا حالته، وهو مطور برمجيات يعيش في شقة متواضعة وسط بون، هو الآن في منتصف العقد الثالث من عمره، وقد أتمّ قبل أشهر خطواته الأولى نحو العودة إلى سوريا، يتحدث بهدوء وعيون مشدودة إلى شاشة التلفاز في أثناء متابعة القنوات السورية، "على هذا الحال نعيش أيامنا بترقب كل الأخبار الإيجابية منذ فجر تحرير سوريا".

وبطريقة مشابهة بالتفكير يعتزم مؤيد مغادرة ألمانيا وخصوصا أنه حصل على الجنسية قبل شهرين، ويقول لموقع تلفزيون سوريا "أدفع تقريبًا 1000 يورو شهريًا مقابل شقّة ضيقة في برلين، ومع هذا المبلغ يمكنني أن أعيش مع عائلتي في حمورية بالقرب من دمشق وأدفع إيجار شقة لأختي وأخرى لأخي، وعملي كمطّور شبكات لن يتأثر، حتى وإن تطلب مني الحضور إلى ألمانيا فالموضوع لم يعد مستحيلا مع عودة كثير من شركات الطيران للإقلاع والهبوط من مطار دمشق".

كذلك أنهى سامي -41 عاما- تدريبا استمر لمدة ثلاث سنوات كمصمّم غرافيك، وبدأ عمله كموظف محترف في إحدى الشركات في مدينة دوسلدورف، لكنه كشخص عازب تكون ضرائبه مرتفعة جدا ما دفعه للتفكير بالعودة إلى حلب، خاصة وأن شقيقه هناك افتتح مؤخرًا مدرسة لتعليم اللغة الألمانية، ويحتاج إلى كوادر مؤهلة "عملي هنا في الغرافيك يمكن إنجازه مكتبيا بالمطلق، والانطلاقة الجديدة من سوريا ربما تكون ليست سهلة لكن فرصة العمل في التدريس ستكون عاملا محفزا لي ريثما يعود قطاع الغرافيك للانتعاش من جديد مع عودة شركات الإنتاج التلفزيوني إلى البلد".
ولفت سامي أنه متحمس لأي مبادرة من شأنها أن تعزز فرص التعليم في سوريا ويطمح أن يكون له دور في أي مساهمة في هذا المجال سيما وأن هناك جيل حرم من التعليم بعد أن بلغ عدد المدارس المدمرة في سوريا 7 آلاف مدرسة من أصل 19 ألف بحاجة لإعادة بناء أو ترميم.

العمل عن بعد في سوريا

في حمص، وفي غرفتها المكتظّة بالأوراق وجهاز الحاسوب وملحقاته، تجلس سهام، وهي مترجمة ومحرّرة لغوية، تحاول أن تفرز أوراقها على قسم بمصنف خاص، بعد أن استغرق شحن أغراضها قرابة الشهر من مدينة آخن في ألمانيا إلى منزلها في جورة العرايس وسط المدينة، تقول لموقع تلفزيون سوريا: "عملت مع الصحف والمواقع الإلكترونية الألمانية منذ وصولي إلى ألمانيا عام 2016، لأنني درست الأدب الألماني في جامعة دمشق، لكن أمي تعيش وحدها بعد أن استشهد أخي عام 2019 وتوفي والدي العام الماضي لذلك قررت العودة أنا وأختي سعاد بعد التحرير، واليوم أجد صعوبة في إيجاد فرصة عمل بدوام كامل لأن العمل الحر هنا في سوريا لا يكفي وحده".

بدت سعاد أكثر تفاؤلا من سهام حيث أن طبيعة عملها في مجال تكنولوجيا المعلومات وصيانة الشبكات تناسب السوق الواعدة في سوريا "عملي في شركات أوروبية مكنني من مراكمة خبرة لا بأس بها في هذا المجال، لاحظت أن السوق في دمشق بدأ يطلب وجوداً محلياً  في مجال الاتصالات والتحول الرقمي، أفكّر حاليا في تأسيس مكتب صغير أتمكن من خلاله من تأسيس وحدة محلية لشركة عالمية في مجالنا".

أما عامر، وهو محاسب مالي، فوجد أن الفرصة باتت مواتية للعودة إلى البلد خصوصا "بعد إزالة العقوبات الغربية والأميركية والانفتاح الاقتصادي الذي تشهده سوريا، أصبح التحول الرقمي في البلاد ليس خياراً، بل ضرورة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وخاصة بعد الإعلان عن تفعيل نظام التحويل المالي سويفت، حيث بات القطاع المصرفي السوري أمام فرصة ذهبية لإعادة تشكيله، بما يتناسب مع المعايير العالمية".
ويضيف عامر لموقع تلفزيون سوريا "بدأت شركات خليجية تدخل دمشق، وبدأت معها شركات المحاسبة والخدمات المالية تبصر النور من جديد، وخلال غربتي لمدة عشر سنوات كان عملي يعتمد على الإنكليزية والألمانية، وهذا سيسهل التواصل مع شركات عالمية، أفكر أن أؤسّس شركة في دمشق، بحيث يكون لها امتداد إلى لبنان والأردن".

استثمارات جديدة تدفع نحو العودة

يتوقع الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي بأن أعداد السوريين العائدين من ألمانيا بدأت بالارتفاع ترافق ذلك مع الإعلان عن دخول استثمارات جديدة إلى البلد واستقرار نسبي بقطاع الطاقة وبالتأكيد سترتفع الأعداد في حين لو ارتفعت نسب تحقيق مذكرات التفاهم التي تم توقيعها مع شركات عالمية أعلنت عن نيتها العمل في سوريا".
وأكد العيلي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن نحو نصف مليون سوري عادوا من تركيا منذ التحرير، ونحو ربع مليون عادوا من لبنان والأردن، والعراق، وهذه الأرقام سترتفع تدريجيا مع ارتفاع، وحاليًا يعيش في ألمانيا ما يقارب 975 ألف شخص من أصول سورية، وفقًا لتقديرات عام 2023 المبنية على مصادر رسمية."

ولفت العيلي أن العام 2024 سجّل رقماً قياسياً في منح الجنسيّة الألمانية، حيث تمّ تجنيس حوالي 291,955 شخصاً، كان السوريون في مقدمة المتلقين، نحو 83,150 منهم، كما أن معدل التوظيف بين السوريين في ألمانيا تحسّن، ووصل إلى حوالي 42% في أواخر 2024، وفقًا لبيانات وكالة العمل الألمانية.

وشدد العيلي على أن الدول بدات تسهل منح الجنسيات للعمالة المؤهلة حيث تم تعديل قانون الجنسية الألماني (يونيو 2024) وقلّت فترة الإقامة المطلوبة للتأهّل للجنسية عمومًا إلى 5 سنوات بدلًا من 8، ما سرّع منحها بالفعل، وكذلك فعلت مصر مؤخرا حيث أصدرت السلطات المصرية قرارا يقضي بمنح الجنسية لعشرات الأجانب، غالبيتهم من السوريين المنحدرين من مدينة حلب، في خطوة تُبرز رغبة القاهرة بالتمسك باللاجئين الذين أسهموا في الاقتصاد المحلي.

ويختم الخبير الاقتصادي العيلي كلامه بالإشارة إلى أن ملف عودة السوريين لا ينفصل عن حركة الاقتصاد والسياسة معاً، فكلما زادت فرص الاستثمار وتوفرت بيئة عمل مستقرة، ارتفعت أعداد العائدين، ليس فقط من ألمانيا بل من مختلف دول اللجوء.