بعد سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي والقلة المالية، طرحت الحكومة السورية في بداية العام الجاري العملة الجديدة كبداية مرحلة اقتصادية جديدة، ولكن إدخال هذه العملة لم يخل من تحديات اقتصادية واجتماعية أثارت قلق السوريين والتجار والخبراء على حدّ سواء.
الهدف من طرح العملة الجديدة
أطلق المصرف المركزي السوري العملة الجديدة بهدف تبسيط المعاملات اليومية أي أن الأرقام القصيرة أسهل في الدفع النقدي وتقليل أخطاء العد.
وتحسين التداول النقدي بعد تراجع قيمة الليرة السورية بنسب هائلة على مدى السنوات الماضية، حيث تم حذف صفرين من الفئات النقدية القديمة، بحيث أصبح كل 100 ليرة قديمة تعادل 1 ليرة جديدة، مع تداول الفئات الجديدة من 10 إلى 500 ليرة.
وكما لا تقتصر العملية على ورقٍ جديد، بل تهدف إلى تعزيز السيادة المالية وإعادة ثقة المواطنين بالنظام النقدي الوطني. بالإضافة إلى استبدال صور شخصيات بأيقونات وطنية يعكس "انطلاقة جديدة" للقطاع المالي.
ويقول الباحث الاقتصادي عمر السيد لـ "موقع تلفزيون سوريا " أن تبديل العملة أمر لا بد منه فهو ليس موضوعاً خيارياً وإنما بديهياً بالإدارة المالية للدول.
ويوضح السيد أي أن عند انخفاض قيمة العملة بشكل كبير لا تستطيع استعادة قوتها لذلك بعض الدول تلجأ إلى التصفير أي أن هذه الخطوة في سوريا ضرورية ولا بد منها.
ويشير إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك حروب أو انقلابات عسكرية أو تغيير أنظمة لتبديل العملة وإنما انهيار العملة هو الذي يفرض هذه العملية مثال كفنزويلا فقد استخدمت آلية الغاء الأصفار لأكثر من ثلاث مرات بسبب انهيار عملتها.
ويؤكد السيد أن عملية طرح عملة جديدة في سوريا سوف ينعكس إيجابيا على البلاد لتلبية المتطلبات المطلوبة ولتسهيل عملية التداول النقدي خصوصا للتجار والأشخاص الفاعلة اقتصاديا فإن استخدام المبالغ الكبيرة كان مصيدة بسبب "العملة القديمة" حيث كان هناك لجوء للعملة البديلة .
وينوه الباحث الاقتصادي إلى أن استخدام الدولار كان يخفض من قيمة الليرة ويجعلها بحالة عدم استقرار وانما طرح عملة محلية جديدة سوف ينعكس بشكل أقوى على الليرة السورية وبالتالي بشكل إيجابي على البلاد .
الاستخدام الداخلي والخارجي للعملة الجديدة
وبالنسبة لاستخدام العملة الجديدة داخليا وخارجيا بحسب الباحث الاقتصادي أنه يعتمد بالدرجة الأساسية على من يصدر العملة والبديهي أن من أهم من يصدر العملة هي الدولة نفسها بغض النظر عن مكان طباعتها.
وبالنسبة لكمية النقد يؤكد السيد أن كل دولة حرة بكمية النقد التي تطرحها في السوق ونوع العملة التي تستخدمها وهي التي تحدد قوانين استخدامها وللدولة أيضا حق بأنها تمنع أو تسمح باستخدام عملة معينة .
وبالنسبة لمخاوف التجار والمواطنين من استخدام العملة الجديدة يقول الباحث الاقتصادي إن "الإنسان عدو ما يجهل دائما ، فالخوف شيء بديهي وطبيعي فأغلب المواطنين يخافون من التزوير والتجار مازالوا يخافون طريقة التسعير الجديدة ، ومن الطبيعي أن يأخذ تداول الناس للعملة الجديدة وقتا لكي يستطيعوا استخدامها بالشكل الصحيح ".
أما بالنسبة للاستخدام الخارجي يقول عمر السيد في أغلب الأحيان لا تكون التعاملات بالعملة المحلية بين الدول وإنما بالعملات الدولية "كالدولار واليورو "وينوه أنه عمليا الليرة ليست مطروحة للتعامل الخارجي ولكن بمجرد اعتمادها وشيوعها بالاستخدام المحلي سوف ينعكس بشكل أوتوماتيكيا على الدول الأخرى وخصوصا المحيطة ويقومون بتصريفها أي أنها مرحلة مؤقتة لا أكثر .
وبالنسبة لكمية النقد المطروحة يوضح السيد أن المعادلة بين كمية النقد وقيمة العملة هي معادلة صعبة لأن إذا الدولة قامت بطباعة كثيرة للنقد وأغرقت السوق سوف ينعكس سلبا على قيمة الليرة أي هي معادلة عرض وطلب ويؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار .
أما اذا كان بحسب السيد يوجد شح بالعملة فالعكس هو الصحيح وإن ما يحدث في سوريا من تغيير للعملة ومخاوف من السوريين هو موضوع طبيعي، والدولة دائما هي التي تتحكم بموضوع طباعة العملة النقدية وكيفية طرحها ومن المؤكد ان هناك دراسة اقتصادية شاملة لانعكاس هذا الأمر على البلاد بشكل إيجابي .
أسباب ارتفاع الدولار في سوريا
بعد طرح العملة الجديدة لوحظ ارتفاع جديد لسعرصرف الدولار أمام الليرة السورية ، حيث كان للتجار والمضاربين دور واضح في هذه الفترة القصيرة .
وتقول الخبيرة الاقتصادية "لما الأغا" لـ"موقع تلفزيون سوريا" : إن العملة السورية الجديدة خطوة مهمة لإعادة تنظيم النظام النقدي، لكنها ليست حلاً كافياً لمشاكل المواطن اليومية، أي التحديات الاقتصادية الحقيقية مثل التضخم، ضعف القوة الشرائية، وارتفاع الأسعار، ما زالت قائمة.
وتضيف "الآغا " أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على حزمة شاملة من السياسات الاقتصادية تشمل الإنتاج، ضبط الأسعار، تحسين الجهاز المصرفي، وتعزيز الاستقرار السياسي.
وبالنسبة لارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية تؤكد الخبيرة الاقتصادية أنه لا يمكن استبعاد دور التجار والمضاربين في الارتفاع الأخير لسعر الصرف، إذ نشطت المضاربات بشكل واضح بعد طرح العملة الجديدة، مستندة إلى عامل نفسي أكثر من كونها ناتجة عن تغير فعلي في العرض والطلب.
وتضيف الاغا لـ موقع "تلفزيون سوريا " أن بعض التجار لجؤوا إلى التحوط عبر شراء الدولار وتسعير بضائعهم على أسعار صرف أعلى بشكل استباقي، ما خلق طلباً إضافياً في السوق الموازي وساهم في رفع السعر، مشيرة إلى أن هذه المضاربات ما كانت لتأخذ هذا الحجم لولا ضعف الثقة بالسياسات النقدية وغياب الشفافية حول حجم الإصدار النقدي، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق غير النظامية.”
التسعير بالدولار مستمر في الأسواق السورية
ومن المعروف أن الأسواق المحلية لا تزال تعتمد الدولار كمرجعية أساسية في تسعير السلع والخدمات مما يعكس تأثر السوق بتقلبات سعر الصرف واستمرار ضعف الثقة بالعملة المحلية .
وتوضح الخبيرة الاقتصادية لما الاغا أن تسعير السوق بالدولار أصبح سلوكا اقتصاديا قسريا بسبب عدم الاستقرار النقدي فالتاجر لا يستطيع المخاطرة بتراجع قيمة الليرة خلال دورة البيع ما يكرس التضخم ويضعف أي محاولة لضبط الأسعار .
وتشدد الاغا ان استمرار هذا النمط من التسعير ينقل أي ارتفاع في سعر الدولار مباشرة الى الأسعار مما يزيد في الضغوط المعيشية على المستهلكين ويبقي التضخم في مسار تصاعدي.
ومن جهته قال محمد عطايا أحد تجار المواد الغذائية في صحنايا :" إن استخدام آلية الدولار كتسعيرة هو للحفاظ على رأس المال".
ويؤكد إننا نشتري على سعر دولار مرتفع اذا لم نسعر على أساس سعر الدولار نخسر خلال أيام قليلة بسبب تقلب السوق.
ويشير الى انها فترة صعبة وقاسية وبديهية "فترة تبديل العملة "ولكنها ضرورية متفائلا باستقرار السوق بالاشهر القادمة.
أسباب تأخر الحوالات
يعيش معظم السوريين على الحولات الخارجية لتغطية نفقاتهم اليومية مما لوحظ مؤخرا ازدحام البنوك ومكاتب الصرافة تسبب بتأخيرات في وصول الأموال، مما أثّر على قدرة المواطنين على تلبية حاجاتهم اليومية.
وبحسب مواطنون في مكاتب الحوالات انهم ينتظرون لاكثر ساعات بل في اغلب الأحيان لايام لاستلام الحوالة المالية بسبب نقص السيولة في المكاتب ، ويؤكد المواطنون انه مازال الإستلام من شركات التحويل بالدولار او بالعملة القديمة .
وبحسب الخبيرة لما ان أن تأخر الحوالات يخلق فجوة في القطع الأجنبي ومع ندرة الليرة يلجأ الجميع للدولار ما يزيد التقلبات ويضع المستهلكين في موقف صعب.
غياب الفئات الصغيرة
يعتبر غياب الفئات الصغيرة تحديا واضحا في السوق وخصوصا بالتعامل ما بين التاجر والمستهلك الذين يعتمدون على عمليات البيع والشراء اليومية ، في حين ما زال التجار يسعرون على حسب الدولار لتفادي هذه الأزمة على حساب المواطن.
ويقول الاقتصادي حسان حميدي لـ"موقع تلفزيون سوريا" إن غياب الفئات النقدية الصغيرة تزيد من صعوبة عمليات البيع والشراء اليومية خصوصا في الأسواق الشعبية والمحال التجارية الصغيرة ، مما يضطر التاجر على تسعير السلع بالدولار أو الاعتماد القريب لها ، مما يؤدي لرفع الأسعار .
ويضيف حميدي في حديثه أن غياب الفئات الصغيرة يضعف القدرة على التداول بالليرة ويجبر السوق بالتعامل بالدولار مما ينعكس على الثقة بالعملة المحلية ، ويكون المواطن هو الخاسر الوحيد في هذه العملية والدولار ما يزال الحاكم في السوق .
ويشير إلى أن أي خطوة جديدة مهمة مثل طرح عملة محلية جديدة يكون لها ايجابياتها وسلبياتها وهذا أمر بديهي في الاقتصاد خصوصا في سوريا حيث تعرضت الليرة السورية لانهيار واضح بسبب سياسات الاقتصادية التي كان يتبعها النظام البائد .
وينوه الى انه من الضروري بعد التدوال لعدة اشهر قيام الحكومة بتقييم السوق وانعكاسه على حياة السوريين والقيام ببعض الإصلاحات المالية وخصوصا موضوع الفئات النقدية الصغيرة ، لكي لا تترك المواطن هو الحلقة الأضعف مع ارتفاع مستمر للأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
سوريون بين التفاؤل والقلق
بعد طرح العملة الجديدة المحلية يرى معظم السوريين أنها خطوة ضرورية متفائلون بتحسن الأوضاع المعيشية ولكنهم مازالوا بحالة قلق حيث أنها لم تنعكس حتى الآن على الأسعار في السوق بسبب استخدام التجار للتسعيرة على حسب سعر صرف الدولار .
ويقول احمد محسن " موظف "لموقع تلفزيون سوريا أن "العملة الجديدة أسهل في التعامل، وشكلها افضل من وضع صور شخصية عليها ، مشيرا إلى انها حتى الآن لم تنعكس على الأسعار في السوق ومازال التجار يستخدمون الدولار للتسعير فهي فعليا لم تغير من الواقع المعيشي للمواطنين، مطالبا الحكومة بوضع ضوابط للسوق واستقرار حقيقي لسعر الليرة.
ومن جهتها قالت خديجة "معلمة متقاعدة ": حتى الآن مازلت أستخدم العملة القديمة لأنني أخاف أن أدفع أكثر دون أن أشعر فالراتب التقاعدي بالكاد يكفي لشراء بعض المستلزمات، منوهة إلى ان استيعاب الأسعار الجديدة يحتاج وقتاً".
في حين قال ياسر معلا خريج اقتصاد :" إن تداول العملة الجديدة أسهل بكثير وأرجع معظم السوريين لحقبة زمنية كانت حياتهم الاقتصادية افضل، مشيرا إلى اننا يكفي تخلصنا من صور الأسدين رموز النظام البائد، ولكنها بالمعنى الحقيقي لن ينعكس تغيير العملة تأثيره على المواطنين بشكل إيجابي إلا بعد تأمين فرص للعمل للشباب ، وإنعاش عجلة الإنتاج المحلي.
والجدير بالذكر أن إطلاق العملة السورية الجديدة خطوة مطلوبة لإعادة تنظيم النظام النقدي، لكنها ليست حلاً كافياً لمشاكل المواطن اليومية.
ويعتمد نجاح هذه الخطوة على حزمة شاملة من السياسات الاقتصادية أهمها ضبط الأسعار، الاعتماد على الإنتاج المحلي، تحسين الجهاز المصرفي.