العمال الكردستاني وسياسات فرض "الأمر الواقع"

العمال الكردستاني وسياسات فرض "الأمر الواقع"

الصورة
صورة لمؤسس حزب العمال الكردستاني "عبد الله أوجلان" في مدينة الرقة (إنترنت)
09 أيلول 2019

مهند الكاطع

باحث  في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري ، و 

تسيطر الميليشيات التابعة لحزب العمال الكردستاني PKK  على منطقة الجزيرة بشكل كامل منذ عام 2016، وما بين عامي 2013-2016 كانت هذه الميليشيات تسيطر على مساحات كبيرة من المحافظة، مع سيطرة الميليشيات التابعة للنظام مثل الدفاع الوطني على بعض أحياء مدينتي الحسكة والقامشلي، بينما شهد عاما 2013-2014 سيطرة لفصائل المعارضة على بعض النواحي في محافظة الحسكة، قبل أن تقوم داعش بالقضاء عليها تماماً، وتنسحب أخيراً في مسرحية من المناطق التي احتلتها لتسلمها لميليشيات العمال الكردستاني، لتصنع نصراً مزيفاً للأخيرة، وذريعة أيضاً لحرق عشرات القرى وتهجير أهلها. 

دعونا نستعرض أمام القارئ بعض النماذج لسياسات العمال الكردستاني الممنهجة في هذه المنطقة المهمة من سوريا، ربما لندرك خطورة الموقف، وما يمكن أن ينجم عنه على المدى البعيد:

 

1- الحالة التنظيمية

اكتسبت ميليشيات PKK ميزات تنظيمية من خلال الدعم اللوجستي والعسكري المباشر من نظام حافظ الأسد منذ أوائل الثمانينيات حين كان النظام يستخدم العمال الكردستاني كورقة ضغط على تركيا بدعم وتوجيه من السوفييت آنذاك، قبل أن تصبح ورقة الكردستاني بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بيد الأسد وحده. كما كانت وما تزال العلاقات التنظيمية داخل الحزب هي سرية للغاية، بحيث لا يعرف المجندون أسماء القادة ولا شيء عن تحركاتهم، وهذا ساهم في تعزيز قدرات هذه الميليشيات مقارنة بباقي الميليشيات التي تم اختراقها داخل سوريا.

 

2- التفرد بالسلطة

كأي ميليشيا و حزب شمولي، لا يقبل العمال الكردستاني بأن يكون هناك أي قوى أخرى تعمل خارج سلطته، وخارج سياساته وإرادته، سواء أكانت تلك القوى عسكرية أو سياسية، عربية أم كردية، مع استثناءات تتعلق بالقوى المرتبطة بالنظام السوري، والتي جرى تحجيمها بشكل كبير بعد عام 2016، وإبقاؤها كجزء من شعرة معاوية التي لم يقطعها العمال الكردستاني مع النظام حتى الآن.

العمال الكردستاني من خلال إعلانه عن تشكيل إدارة ذاتية، كان لا بد له من أن يظهر أمام الرأي العام بأنه يطبق شعارات الديمقراطية التي يزعمها، لذلك قام باستخدام وجوه عشائرية واجتماعية من العرب والسريان، وتسويقهم على أنهم جزء من مشروعه بوصفهم ممثلين عن مكوناتهم الاجتماعية، دون أن يكون لهؤلاء دور في اتخاذ أي قرارات فعلية، وكان العامل الأبرز لجميع تلك الشخصيات، هو سعيها إلى تحقيق مكاسب مادية مجزية. وكل شخص يمتلك برامج ورؤى تختلف عن رؤية الكردستاني، يتم تصفيتها أو قمعها وتهجيرها، بما في ذلك القوى الكردية.  

 

3- التجهيل الممنهج

اتبعت ميليشيات العمال الكردستاني في المناطق التي سيطرت عليها سياسة تجهيل ممنهج استهدف الأطفال والشباب

اتبعت ميليشيات العمال الكردستاني في المناطق التي سيطرت عليها سياسة تجهيل ممنهج استهدف الأطفال والشباب، ومن نماذج هذا التجهيل، هو عملية السيطرة الكاملة على المؤسسات التعليمية، وفرض منهاج تعليمي مؤدلج وفق رؤية تسويقية لسياسات العمال الكردستاني وتنظيرات قائده عبد الله أوجلان، هذا بخلاف أن هذه المناهج المستحدثة تفتقد لأبسط قواعد المنهج العملي والخبرات، والكم الهائل من الأخطاء والعيوب التي تعتريها، يضاف إلى ذلك أن معظم المعلمين المنتدبين للتدريس في هذه المدارس من غير المؤهلين، وكثير منهم غير حاصل على الشهادة الثانوية. أما الشيء الأخطر لفئة الشباب، فهو مسألة نشر حبوب المخدرات ومادة الحشيش بينهم، بحيث بات تداول وتعاطي هذه المادة دون أي رادع، وبشكل شبه علني، فالبيع يتم بمراكز معروفة، ناهيك عن التساهل الواضح في زراعة مساحات واسعة من القنب الهندي (الحشيش) في مناطق مختلفة من مناطق سيطرة قسد.

 

4- سياسات الترهيب

سياسة اعتمدتها ميليشيات العمال الكردستاني منذ سنة 2013، فقد بدأت السياسة بترهيب السكان في مناطق سيطرتها، عن طريق سلسلة من المجازر التي تم ارتكابتها بحق الأغلبية العربية، وقد طالت الجرائم المكون الكردي أيضاً، كما أن عمليات حرق القرى بصورة جماعية، وتهجير سكانها ومنعهم من العودة إلى قراهم المنكوبة لمدة سنة أول أكثر (أكثر من مئة ألف نسمة من ناحية الشيوخ بعين العرب لم يعودوا حتى اللحظة إلى منازلهم)، كل هذا ساهم في إرهاب ممنهج للسكان لإخضاعهم لسلطة الأمر الواقع.  

ومن سياسات الترهيب الجديدة، هي مسألة تسريب مقاطع مصورة لانتهاكات بحق عرب، ونشرها بشكل متعمد، ويجري تصويرها بصورة تترك ثغرات بالفيديو نفسه من حيث طريقة التصوير، ومع ضحايا حقيقيين تم تأكيد هويتهم،  وهذه السياسة تدخل في إطار حرب نفسية الغاية منها تحطيم إرادة سكان المنطقة من العرب وإخضاعهم لسلطة الإرهاب وكذلك تعميق الشرخ الاجتماعي بين العرب والأكراد، للدرجة التي تصبح معها عملية إصلاح العلاقة مستحيلة مستقبلاً.

 

5- "الكفيل الكردي" للسوريين

لا يسمح لأي سوري من أي محافظة، الدخول لمناطق سيطرة ميليشيات العمال الكردستاني إلا بشرط وجود "كفيل كردي" يقوم بكفالة هذا الشخص، كما يسمح للعناصر العرب الذين يقاتلون ضمن صفوف هذه الميليشيات أيضاً بتقديم هذه الكفالة، وفيما عدا ذلك لا يسمح لأي شخص آخر من أبناء المنطقة أن يقدم كفالته لأي سوري آخر قادم للمنطقة، وتهدف هذه السياسات العنصرية بشكل خاص لمحاولة رسم صورة السيطرة الكردية على المناطق بحدود قومية في ذهن المواطن السوري العادي، بحيث يتهيأ السوريون لأي مشروع مستقبلي للمناطق التي تسيطر عليها قوات الأمر الواقع التي تتخذ قشرة قومية كردية لها ضمن هذه السياسات. 

 

6- سياسة الحواجز "العربي السيئ والكردي الجيد"

تنتشر الحواجز التابعة لللإدارة الذاتية بشكل كبير، والحواجز هي من أهم نقاط الاحتكاك المباشر بين الشعب وسلطات الأمر الواقع. و يتلخص المشهد اليومي في معظم المناطق، بقيام العناصر العرب الذين يشكلون اليوم النسبة الأكبر في قسد، بإيقاف السيارات للتفتيش (غالباً ما يتم اختيار هؤلاء العناصر بعناية بحيث يكونون من الأميين، والجهلة، وأصحاب السمعة السيئة، والمنبوذين حتى من ذويهم)، وبموجب تعليمات لهؤلاء يقومون بتعطيل السير، وتفتيش سيارات تضم عوائل، معلمات، طلاب، مدارس، وتتم عملية التحقق من الهويات بشكل مبالغ فيه وبطريقة استفزازية، والطريف هو أنه حتى إذا كانت السيارة تقل أشخاصاً معروفين للعناصر على الحاجز، كأن يكونون من أبناء قريتهم أو حيهم، فإنهم يقومون بذات الإجراءات، والغاية الأساسية من هذه السياسات استفزاز الناس للدرجة التي ينذر بصدام بين أصحاب السيارات والعناصر على الحاجز، في هذه اللحظة يخرج مسؤول كردي عن العناصر من مقره، ويتقدم ببطء باتجاه الحافلة، متظاهراً أنه يحاول أن يفهم الموضوع، وعندما يسمع لشكوى الناس، يقدم لهم الأوراق معتذراً بلطف وأدب ورقي، ومنوهاً بأن وضع عناصر عربية على الحواجز هو لمساعدتهم ولتسهيل التفاهم مع المواطنيين، وتكون النتيجة المرجوة لهذه السياسات، هو ترسيخ صورة العنصر العربي وربطها بكل ما هو سيئ، مقابل صورة ناصعة للعنصر الكردي المبتسم المحترم، الذي يقوم بتسهيل عبور الناس على الحواجز.

هذه الممارسات المختلفة، تساهم في ترسيخ مشروع الكردستاني على أنه أمر واقع يحقق الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية المطلوبة، مقابل الرهان على أطراف أخرى (معارضة، نظام)، تشهد مناطق سيطرتهم عدم استقرار وفوضى تفجيرات واغتيالات، واستهداف للطيران الحربي، فالأمان بالحد المتوفر في مناطق قسد وبدعم أميركي، يجعل الناس تميل للتصالح مع الواقع، وتصبح القضايا الأخرى مثل مستقبل المنطقة، الهوية، التفرد بالسلطة، مشروع كيان قومي، كلها مسائل يتم تأجيلها أمام ما يمكن أن يحدث في حال فقدان الأمان، متخذين من مناطق سيطرة المعارضة التي يتم قصفها بوحشية من قبل النظام والروس وبصمت المجتمع الدولي مثالاً حياً على ذلك المستقبل المجهول في حال غادرت قسد المنطقة!.

شارك برأيك