العلويون السوريون: من عيد الرابع إلى عيد الجلاء

تاريخ النشر: 23.04.2018 | 10:04 دمشق

كان مديرنا جديداً. ولم تكن رائحة طائفيته السنّية قد فاحت بعد، عندما تقدم بعض زملائنا بطلب إجازة ليومين يفصلان بين العطلة المقررة في الغد بسبب ذكرى الجلاء وبين يومي العطلة الأسبوعية المعتادين، كي يقضوا وقتاً أطول بين عائلاتهم وأقاربهم في الساحل.

رفض المدير بحزم مبالغٍ فيه، مهدداً من سيتغيب بالعقوبات، بينما استنفر الزملاء بشكل حاد أيضاً، وتطاير من عيونهم الشرر الذي بدا لي أكبر مما يحتمله الموقف. ظننت أن مردّ ذلك هو أنهم كتّاب ومترجمون معروفون نسبياً، صودف كونهم موظفين في وزارة الثقافة، وأن تقييدهم بهذا الشكل الصارم أمر غير مناسب. وبناء على ذلك تدخلتُ، برخاوة الغافل، لتهدئة هذه الحرب المبكرة، حتى أمسكني زميل معتّق وانتحى بي جانباً وهو يقول بضيق خلق: «تعا لهون تعا... لك أنت شو دخلك؟! الجماعة فهمانين ع بعض... بكرة عيد الرابع عند العلويين»!

كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا العيد الذي أخذ اسمه من وقوعه في الرابع من نيسان وفق التقويم الشرقي، مما يصادف السابع عشر منه حسب التقويم الغربي المعتمد. وهو ينتمي إلى باقة أعياد الربيع (النيروز – شم النسيم) المعروفة في عموم المنطقة، وربما يرجع الاحتفال به إلى طقوس شعوب الشرق قبل الميلاد. وهو واحدٌ من اثني عشر عيداً سنوياً عند العلويين الذين كانوا يسمّونه «عيد الزهورية» أيضاً. ويحتفلون به بخروج أهل كل قرية أو مجموعة قرى إلى سهل واسع منبسط أمام أحد مقامات الشيوخ المباركين، حيث يذبحون الأضاحي ويتناولون الطعام والشراب، وتقام الدبكات التي يتغازل فيها العزّاب. ولا يندر أن تجد بين المتقدمين في السنّ الآن من يتذكر أن أول إشارات الاستلطاف بينه وبين زوجته قد حصلت في «الرابع» الذي كانت الصبايا تستعد له قبل مدة، فيغطين وجوههن وأيديهن بالأقمشة أثناء الأعمال الزراعية تحت الشمس، ليبرزن بياض بشرتهن في العيد الذي يُخِطن له مناديل خاصة مزينة بالخرز البراق والورود المشغولة بالسنارة. ولا تخلو التجمعات من باعة جوالين لبعض الحلويات أو المشروبات الشعبية، ومن متسابقين ولاعبي خفة وحواة ومهرجين وعارضي صندوق الفرجة... إلخ.

فإن المفتاح الأساسي لتفسير تراجع «الرابع» ليس هنا، بل في تغير طبيعة الجماعة العلوية وأدوارها.

وإذا كان أكثر هذه التفاصيل قد انقرض، بطبيعة الحال، فالملاحظ أن الاهتمام بالعيد نفسه شهد تراجعاً متزايداً منذ السبعينات أيضاً. ويبدو تتبع مسيرة الانحسار هذه أمراً حافلاً بالدلالات. فقد سهّل هذا التراجعَ، أولاً، أنه ليس من الأعياد العلوية المستندة إلى أصل إسلامي (كعيدي الفطر والأضحى)، أو إلى أصل مذهبي (كعيدي الغدير والفراش). ومن جهة أخرى تعرّض «الرابع»، بوصفه رأس السنة السورية القديمة والعيد الأكثر بهجة وصخباً عند العلويين، إلى منافسة غير متكافئة من رأس السنة الميلادية، الذي أخذ يغزو تقاليد السوريين منذ أواخر السبعينات. وإذا كانت هزيمة العادات المحلية أمام نظيرتها المتعارف عليها عالمياً أمراً مألوفاً، فإن المفتاح الأساسي لتفسير تراجع «الرابع» ليس هنا، بل في تغير طبيعة الجماعة العلوية وأدوارها.

إنه عيد من ملكوا البلاد وتماهوا مع الدولة حتى ابتلعوها.

إذ لا يبدو وقوع هذا العيد في يوم الاستقلال مجرد مصادفة أتاحت لشيفرات الطائفية ما يلزمها من تقية إن احتاج الأمر، بل يظهر هذا التاريخ المزدوج غنياً بالدلالة على تحول جماعة المزارعين المعزولين نحو الاندماج في «الدولة» التي أنشئت فعلياً عام 1946، ولكن الأهم هو السيطرة عليها بوصفها «سورية الأسد» منذ السبعينات والثمانينات، إما أن تكون كذلك أو لا تكون. لم تعرف أحداً قبل «الأب المؤسس»، ويجب أن لا تعرف في المستقبل سوى العود الأبدي لسلالته. عيد الجلاء، إذاً، ليس مجرد تورية عن الاحتفال «بالرابع»، بل هو عيد موازٍ يزاحم في العمق عيد الفلاحين البسطاء أولئك ويزيحه بالتدريج. إنه عيد من ملكوا البلاد وتماهوا مع الدولة حتى ابتلعوها.

وبالطبع لم يحصل هذا التحول دون تغيرات بنيوية في الجماعة التي تركت الزراعة خلفها واتجهت إلى المدن. ونتيجة توسع وجودها في الجيش، وفي القطاع العام المتضخم، لم يعد تقويم الخصب لديها مرتبطاً بدورة الأرض بل بقبض الرواتب أول الشهر. ولم يعد موسم انعتاقها مستمداً من أدونيس وعشتار وفق إيقاع الطبيعة بل صار منظماً وفق نشرة ترفيعات الضباط، حين يتوالد الرائد من النقيب والعقيد من المقدم، في دورة خلق خاكية.

كلمات مفتاحية