العلاقات التركية الأميركية.. إعادة صياغة أسس التحالف الاستراتيجي

تاريخ النشر: 10.02.2021 | 00:02 دمشق

ما من شك أن البوادر الأولى لرؤية مستقبل العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة بعد وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى السلطة، لا تبشر بكثير من التفاؤل بالنسبة لبعض المراقبين، في ظل اندلاع "تراشق" إعلامي" جديد قديم، حول مدى مسؤولية واشنطن عن انقلاب عام 2016 في تركيا، والردود التي تناوب على إطلاقها أكثر من مسؤول أميركي لنفي مسؤولية بلاده عن الوقوف وراء محاولة الانقلاب.

منذ عقدين تقريبا، كانت ملامح التحالف الاستراتيجي التركي الأميركي تتبدل رويدا رويدا، مع تعاظم الدور الإقليمي لتركيا، وانشغال واشنطن بملفات كانت تعدها أكثر أهمية، منذ عهد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي اصطدم بحليفه التركي في أكثر من ملف.

تدخل أوباما شخصيًّا لدى الرئيس التركي للسماح لقوات سوريا الديمقرطية بالتحرك غرب الفرات، لتحرير مدينة منبج من تنظيم الدولة، واعدًا بسحب قواتها بمجرد دحر تنظيم الدولة من المنطقة، الأمر الذي لم يتم وأزعج الأتراك حينها

ففي عام 2014، عادت إدارة أوباما للعب دور عسكري في المواجهة مع تنظيم الدولة في العراق وسوريا. ففي الأخيرة وجدت إدارة أوباما في الفصائل الكردية السورية، ما بات يُعرف بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تشكِّل وحدات حماية الشعب الموالية لحزب العمال الكردستاني عمودها الفقري، الأداة المناسبة لمواجهة التنظيم. وقبلت تركيا على مضض دورًا لقسد في شرق الفرات، على أساس أن الدعم الأميركي للفصائل الكردية سيظل محدودًا. وفي 2016، تدخل أوباما شخصيًّا لدى الرئيس التركي للسماح لقوات سوريا الديمقرطية بالتحرك غرب الفرات، لتحرير مدينة منبج من تنظيم الدولة، واعدًا بسحب قواتها بمجرد دحر تنظيم الدولة من المنطقة، الأمر الذي لم يتم وأزعج الأتراك حينها.

في يوليو/تموز 2016، حين شهدت تركيا محاولة انقلابية، قادتها عناصر موالية لجماعة فتح الله غولن، وجدت تركيا أن واشنطن، حتى وإن لم تكن خلف المحاولة الانقلابية بشكل مباشر، لكنها عرفت بها قبل وقوعها، دون أن يبلغوا نظراءهم الأتراك. فضلا عن رفض إدارة أوباما الطلب التركي بتسليم غولن، المقيم في بنسلفانيا.

وخلال حقبة الرئيس ترامب أضيف ملف منظومة إس 400، إلى ملفات الخلاف بين البلدين، وفتحت سلطات الادعاء الأميركية ملف بنك خلق التركي واتهمت المؤسسة المالية بمساعدة إيران على التهرب من العقوبات الأميركية. وفي عام 2018، لم تستجب تركيا لمطالب واشنطن بالإفراج عن القس الأميركي، أندرو برنسون، الذي سجنته السلطات التركية بانتظار محاكمته بتهمة الاتصال بتنظيمات إرهابية كردية، وفرض ترامب عقوبات على مسؤولين أتراك.

تعقيدات الملف النووي الإيراني وصعوبة تبلور توافق على المستوى المنظور، وتوجه واشنطن نحو التصعيد في المواجهة سياسياً مع روسيا، واقتصادياً مع الصين، قد يدفع إدارة الرئيس بايدن إلى تجنب تأزيم العلاقة مع تركيا

بين نهج أوباما الصدامي واللامبالي بمصالح الحليف التركي، ونهج ترامب الأقل حدة في التعامل مع المخاوف والمحاذير التركية في سوريا وغيرها من الملفات، تبدو إدارة بايدن حائرة في اتخاذ موقف واضح ومحدد إزاء حليف، انتهز فرصة انشغال الإدارات الأميركية بترتيب أولوياتها في المنطقة، فأطلق (أي تركيا) لنفسه عنان توسيع نفوذه الإقليمي بشكل مطرد، لتجد واشنطن نفسها أمام حليف جديد تحول إلى مارد اقتصادي وعسكري، ويتمتع بنفوذ سياسي جيوسياسي في أكثر من ملف إقليمي من سوريا إلى ليبيا وحتى النزاع الأرميني الأذري، وصولاً إلى الملف الخليجي الذي وقفت فيه بشكل حاسم ضد الحصار المفروض ضد قطر، وعقدت أنقرة خلال الحقبة ذاتها تحالفات سياسية وعسكرية مع موسكو، وأخرى اقتصادية مع الصين، موسعة بذلك "مروحة" خياراتها الدولية، ومتممة بذلك استعداداتها لتبوء مكانتها الجديدة على الساحة الدولية، لا سيما مع تقهقهر دول أخرى في مواجهة فيروس كورونا، مغيرة بذلك (أي تركيا) أسس التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، والتي لم تكن فيها تتمتع بموقع "مميز" ضمن دائرة المصالح الأميركية، ليصبح ميزان الكفة السياسية مختلفا بعد نحو عقدين من التخبط الأميركي في تلمس ملامح سياستها العامة في المنطقة، وتجاهل مصالح حليفتها تركيا، التي نجحت خلال السنوات الماضية في اجتراح خط سياسي يقلل من الاعتماد على الحليف الأميريكي سياسياً وعسكرياً.

تعقيدات الملف النووي الإيراني وصعوبة تبلور توافق على المستوى المنظور، وتوجه واشنطن نحو التصعيد في المواجهة سياسياً مع روسيا، واقتصادياً مع الصين، قد يدفع إدارة الرئيس بايدن إلى تجنب تأزيم العلاقة مع تركيا، لا سيما أن أنقرة بدأت تخطو خطوات إيجابية نحو أوروبا، فهل تعي إدارة بايدن حجم التحولات الاستراتيجية التي تطل من خلالها تركيا ممسكة بمفاتيح الحل والعقد في أكثر من ملف إقليمي؟ وهل سيتبع الرئيس الأميركي الجديد سياسة تهدئ من "اندفاع" مجموعة "الرؤوس الحامية" في إدارته، ليباشر فتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع المارد التركي القادم؟