العكيد وسندريلا صورة الكارثة القادمة

تاريخ النشر: 10.08.2021 | 07:19 دمشق

يخطر بالبال أحياناً، أنّه بدون ثورة 2011، وما تلاها من حرب إبادة شنّها نظام الأسد على مواطنيه. كانت هجرة السوريين لتتم طوعاً (ربما بأعداد أقل) بهدف مغادرة جهنم الأسد، لو كانت قوانين الهجرة المحلّية والعالمية تسهّل ذلك. فمن الذي يحتمل قضاء كامل عمره في جحيم الأبد الذي شيّدته سلطة الأسديين؟ أما وأن التهجير قد حدث قسرياً ومفاجئاً، فإن خيارات الوجهات كانت محدودة. الأسعد حظاً (نسبياً) من وصل إلى البلدان الغربية، ونجا بأطفاله، مع احتمال راجح بحصولهم على مستقبل مرموق. للحقيقة تطالعنا كثير من الصور بنماذج مبشّرة، عن حياة ما كان نظام الأسد ليوفرها حتى لأطفال أشد الموالين له. ولكن ماذا عن سيئي الحظ، من الأطفال الذين علقوا في مخيمات النزوح؟

"سندريلا سوريا" طفلة من ريف إدلب، بعيون جميلة. انتشرت صورتها على وسائل التواصل الاجتماعي مع لقبها الجديد، لتجلب آلاف التعليقات التي تشيد بجمال قسماتها الطفولية، وتعتبر أن المعاناة لم تستطع إخفاء جمالها المبهر. لكن ما خلف الصورة كانت سندريلا، بارعة الجمال، مجرد طفلة تبيع البسكويت على طريق حارم سرمدا الحدودي بعد أن تركت الدراسة.

"العكيد" طفل سوري آخر انتشرت صورته وهو يحمل كأساً من الشاي. تعلو شفتيه ابتسامة رجل كبير، حتى إنّ وقفَته تشبه إلى حدّ كبير وقفة "القبضاي" في المخيّلة الشعبية، وكما في حالة سندريلا سوريا فإنّ العكيد بقي "ترند" أياماً ليست بالقليلة. ومثلها كان مجرد طفل تابع الدراسة لعام واحد، في القرية القريبة من مخيمه، لكنه وبقية أطفال المخيم تركوا الدراسة لبعد القرية عن المخيم، وشدة وعورة الطريق. هو عكيد حسب اللقب، لكن وحول الشتاء لم تعترف بلقبه. كانت ثقيلة على جسدٍ الصبي الصغير.

ألقاب كثيرة برّاقة وودودة، يطلقها بحبّ روّاد وسائل التواصل على أطفال سوريين في المخيمات ومراكز الإيواء. تبدأ بسندريلا ولا تنتهي بالموناليزا

"الأوسطه" طفل مهجر من القلمون يعمل في ورشة إصلاح سيارات في مدينة إدلب. لن يخفى على أي عين تقع عليه، أنه راكم كمّاً هائلاً من الشقاء على وجهه ذي السنوات العشر. لن يتردد بالإجابة بنعم، حين يُسأل: هل أنت الأوسطه؟ معلم الورشة يعدد ما يعتبره ميزات استثنائية. ذكاؤه الحاد، وفضوله لمعرفة كل تفاصيل المهنة. فكان أن أطلق عليه لقب الأوسطه لقناعته بأنه لو امتلك القوّة العضلية لما احتاج إلى مساعدة أحد في إصلاح أية سيارة. قبل صاحب الورشة، أدرك والد علاء، وهو اسمه قبل أن يصبح أوسطه، ذكاء ابنه وبنى أحلامه على ما يعتقد أنه سيكون مستقبلاً مميزاً لطفله الاستثنائي. لكن الأب توفي بعد التهجير بعام واحد، آخذاً معه مستقبل علاء، ليبقى الطفل وحيداً في بلاد تعتبر نقاش عمالة الأطفال ترفاً فائضاً عن الحاجة.

ألقاب كثيرة برّاقة وودودة، يطلقها بحبّ روّاد وسائل التواصل على أطفال سوريين في المخيمات ومراكز الإيواء. تبدأ بسندريلا ولا تنتهي بالموناليزا. نماذج عن آلاف الأطفال في شمال غربي سوريا. نفرحُ لملامحهم الجميلة والمعبّرة الظاهرة في الصورة، يصبحون "ترند" لأيام، ليعودوا بعدها إلى شقائهم منفردين ومنسيين. خلف تلك الصور مأساة جيل ذاهب بكامل عدم إحساسنا بالمسؤولية إلى جحيم سنختبره مستقبلاً وقريباً. يستطيع أي إنسان أن يصل إلى أعداد الأطفال السوريين خارج التعليم في شمال غربي سوريا وحدها، من خلال عبارة صغيرة على محرك البحث "غوغل"، ولكن شهوداً من المنطقة يؤكدون بأن جولة بالسيارة لساعات قليلة، كافية لرؤية واقع أكثر صدقيّة وألماً من كل إحصائيات الأمم المتحدة. الأمم المتحدة تذكر أنهم ثلاث مئة ألف طفل يعيشون مأساة يومية، وهم خارج التعليم وخارج حتى شروط العيش الصحي، ويرتفع العدد عند بعض المنظمات العاملة في المنطقة ليغدو ثلاث مئة وخمسين ألف. ليس الفارق بالكبير جداً. لا بأس. إنه مجرد خمسين ألف حلم إضافيّ تحولت إلى كوابيس.

إحصائيات ستضاف لإحصائيات كثيرة قبلها، تحمل من التدليس الكثير. فبقية الأطفال خارج تلك الإحصائيات، ليسوا بحال أفضل. هم أيضاً لا ينالون تعليماً حقيقياً لأسباب كثيرة، منها ظروف الازدحام في المدارس، حيث يحوي الفصل الواحد عدة أضعاف العدد الطبيعي من الطلاب في أغلب المدارس، ولا يتسع المجال هنا لفتح ملف نقص الكفاءات التدريسية، وعدم أهلية نسبة كبيرة ممن يقومون بهذه المهمة. استقطبت المنظمات الإغاثية معظم الكفاءات المختصة لتعمل خارج اختصاصاتها، بحثاً عن دخل يؤمن لها الكفاف، فمهنة التعليم في شمال غربي سوريا تبدو بمثابة العمل التطوعي بدخل بسيط أحياناً، وبلا دخل في العديد من الحالات.

لا يبدو مستقبل هؤلاء الأطفال بائساً فحسب، بل بالغ القتامة، وسوف يضيف إلى رصيد البلد درجة أشدّ من السواد وانعدام الأمل. أطفال معظمهم أميون، والمحظوظون منهم هم من بلغوا في تعليمهم القراءة والكتابة والمبادئ البسيطة للحساب. هذا إن تجاهلنا باقي عناصر المأساة التي عاشوها من معاينتهم القصف ورؤية جثث الضحايا من الأحبة قبل التهجير، ليليها العذاب والضياع والشقاء وانفراط عقد الأسر بعد التهجير. وستغدو اللوحة مصمتة بالكامل، إذا أضفنا إلى تلك الخلطة وجود جهات مموَلة، ما زالت منذ سنوات تحقن رؤوس الأطفال في الخيام، عبر مناهجها الدراسية، بأفكار تجعل الطفل يكره كل آخرٍ مختلف، وتجعل من قتل هذا المختلف، ومن الموت عموماً، أحد أقصر الطرق للوصول إلى الجنّة، حيث الحياة الحقيقية الموعودة.

من ينأى به أهله عن سوق الحشو الإيديولجي هذا، فربما لن ينجحوا ليكون بمنأى عن مستنقع الحشيش والكبتاغون الذي يتم توزيعه في خيمة ملاصقة

حقائق الأرض تتحول جميعها إلى عوامل تولِّد سلوكاً عدوانياً، يظهر جليّاً منذ الآن لدى الأطفال. عوامل سوف تدفع مئات آلاف الأطفال لتشكيل جيش من الضائعين، وفي حالات كثيرة، لدخول نفق التطرف العقائدي، وعدم تقبّل أي اختلاف. ومن ينأى به أهله عن سوق الحشو الإيديولجي هذا، فربما لن ينجحوا ليكون بمنأى عن مستنقع الحشيش والكبتاغون الذي يتم توزيعه في خيمة ملاصقة تماماً لخيمة تصنيع عشاق الموت العبثي. حينئذ لن يكون الأوسطه ولا سندريلا ولا حتى العكيد ذاته، بمنأى عن الكارثة.