العسكر والإسلاميون أمام موج الربيع العربي الذي لا يهدأ

العسكر والإسلاميون أمام موج الربيع العربي الذي لا يهدأ

الصورة
18 نيسان 2019

منير الربيع

كاتب وصحفي لبناني

تقول الحكمة التاريخية إن الأنظمة تقع في شرور أعمالها. وحكمة أخرى تؤكد أن مسار تكريس الاستعصاء لا بد له أن يتوقف، ويحصل انفجار اجتماعي سياسي يطيح بكل ما هو سائد على قاعدة القمع والإجبار. عاش المجتمع العربي أكثر من ستين سنة استعصاءً سياسياً واجتماعيا، تحت مظلّات كبيرة كالقومية، ومواجهة الرجعية وتحقيق التقدمية. جاءت الأنظمة العسكرية تحت شعار مواجهة العدو وتمكين المجتمع، وتعزيز الديمقراطية، بالإضافة إلى مواجهة التخلف وتعزيز التنمية الاجتماعية والبشرية، لكن النتائج المتحققة جاءت معاكسة لذلك، وكان لا بد من انتظار لحظة الانفجار.

انفجر الربيع العربي الذي سعت الأنظمة إلى تحويله إلى مقبرة للمجتمعات، عبر إغراقها بالمواجهات العسكرية أو بالتنظيمات المتطرفة، وكان الهدف وأد الثورات في مهدها، وإعادة إنتاج الأنظمة القمعية، تحت شعار الاستقرار وتوفيره في مواجهة الإرهاب. على مدى ستين سنة، انحسر الصراع في الدول العربية بين العسكر من جهة والقوى الإسلامية من جهة أخرى، هذا الصراع هو الذي أدى إلى الانفجار السياسي والاجتماعي في العام 2011.

ولمواجهة المدّ الثوري هذا، أعيد إنتاج الصراع ذاته، عبر القمع الذي مورس ضد قوى التغيير والشباب الثائر في الميادين، وكان الدليل البارز

العنف العسكري الذي مورس من شأنه إعادة إغراق المجتمع بحالة قمعية من شأنها أن تعزز وعضيات القوى الإسلامية للمستقبل

على ذلك، ما جرى في مصر عبر الانقلاب العسكري. صحيح أن تحرّك العسكر في مصر، جاء مستنداً إلى تحركات احتجاجية واسعة في الشوارع ضد الإخوان المسلمين وممارستهم، لكن العنف العسكري الذي مورس من شأنه إعادة إغراق المجتمع بحالة قمعية من شأنها أن تعزز وعضيات القوى الإسلامية للمستقبل. تماماً كما أدى القمع العسكري للإسلاميين طوال السنوات الفائتة إلى اكتساحهم للساحات والمواقع عند أول لحظة تحرّك فيها المجتمع، فظهروا الأكثر تنظيماً وتأثيراً. لو ترك الرئيس المصري محمد مرسي في منصبه بانتظار الانتخابات ولم يتم الانقلاب عليه، لكانت سجّلت هزيمة الإسلام السياسي بأيديه، وليس بأياد قمعية، وكان بإمكان الانتخابات أن تنتج قوى مدنية تغيرية خارج إطار العسكرة أو الأسلمة.

تعرف هذه الأنظمة ما تفعل وتقوم به. تعتبر أن ثنائية العسكر بمواجهة الإسلام السياسي هي أحد أسباب وجودها وتجلياتها. فالطرفان يحتاجان إلى بعضهما البعض. إذ تبدو هذه الثنائية حاجة للطرفين، لأن أي مشروع آخر بديل، لأن أي ديمقراطية أو مشروع مدني سيفتح آفاقاً لقوى بديلة خارج هذا الاصطفاف الذي نشأ في الخمسينيات. ولا يختلف هذا الانقسام عن البعد الإقليمي، ما يحتم حاجة الطرفين إلى استمرار هذه الثنائية لأن أي صيغة ثالثة ستكشف إلى حدّ كبير خواء المشروعين. خاصة أن الطابع الإيديولوجي الإسلاموي هو درة التاج لدى الفئة المناصرة لها، مقابل طابع التسلط والقمع والإمساك بالأفكار والثروات لدى الطرف الآخر، بينما يفتقد الطرفان إلى أي إجابات على أسئلة المواطن العربي وحاجاته.

وفي استعجال نعي الربيع العربي، جاء موقف الرئيس اللبناني ميشال عون، الذي يعبّر عن رغبة تلك الأنظمة السائدة في المنطقة، معلناً أن الربيع العربي هو جهنّم عربي، وفي هذا الموقف انقلاب على الذات وعلى الحقيقة أيضاً، ودليل فصام لدى أصحاب هذه النظرية، خاصة أن العسكر الرافض للثورات وصل إلى السلطة بانقلابات أطلق عليها اسم ثورات غايتها تحسين الأوضاع السياسية والمعيشية في المجتمعات. وتناسى عون أنه كان من أوائل الذي يقدمون أنفسهم "ثائرين" على المنطق السائد في إطلاقه حرب التحرير ضد الجيش السوري في ثمانينات القرن الفائت. وينسى عون أيضاً أن الثورة الفرنسية التي يتباها بها، استمرت على مدى 100 عام لأجل تحقيق أهدافها وإعلان الجمهورية وتحقيق الديمقراطية، وكانت ثورة عنفية. وكل تاريخ الثورات لا يخلو من العنف.

لكن الردّ على استعجال إعلان وأد الربيع العربي، جاء سريعاً من الجزائر والسودان. ما يحتم على الطرفين الوقوف أمام تحديات من نوع آخر، تتعلق ببناء الدولة والحريات والتنمية. فيما تقف هذه القوى عاجزة عن إيجاد أي أجوبة أو حلول لها، وليس لدى الطرفين ما يوحي بأن هناك رؤى لجذب الناس عن قناعة نحو هذه الاتجاهات.

والجديد في تحركات الجزائر والسودان هو تحول عام في مفهوم النظرة الدولية للأوضاع السياسية العالمية وخاصة في الشرق الأوسط. فالسنوات الأخيرة والأزمات التي مرّ بها العالم ويعيدها البعض إلى تدفق اللاجئين، فرضت تغيراً في التوجهات الدولية، التي تبدّي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على الاستقرار السياسي في هذه المنطقة من العالم. بروز عناوين "انعزالية" لدى الأميركيين والأوروبيين، على غرار "أميركا أولاً" أو إعادة إحياء مفهوم الدول القومية في أوروبا ووقف تدفق اللاجئين، ستحتم تغييراً في التعاطي الدولي مع التحركات الشعبية السائدة في المنطقة حالياً.

وتبرز رغبة دولية حول تطورات السودان والجزائر، بأن يحصل التغيير بشكل سلس، وعدم الذهاب نحو العنف، وهذا عبارة عن تحول في النظرة العالمية للأوضاع، ويتجلى ذلك بمواقف دولية عديدة حول رفض الانقلاب الذي جرى بالسودان والتأكيد على وجوب تأمين انتقال السلطة إلى جهات مدنية. وهذا سيفرض تحديات أمام غياب الديمقراطية والتنمية الحقيقية الذي يؤدي إلى وقوف عشرات آلاف الشبان على أبواب أوروبا للذهاب إليها، فتجد الدول الكبرى ضرورة في توفير أدنى مقومات العيش الكريم لهؤلاء داخل دولهم.

ولذلك لا يبدو التدخل الأجنبي بارزاً في أحداث السودان والجزائر، كما كان سابقاً، بل من خلال التركيز على تمكين الشبان داخل مواطنهم. وبالتالي فإن العامل الاقتصادي الاجتماعي وغياب الحريات، هو الأساس في مطالب الحراك الشعبي، على الرغم من أن هناك انهيارا على المستوى القومي، بينما جلّ المطالب تتركز حول تحسين الاوضاع السياسية والمعيشية. وفي مقابل هذه التحديات هناك من يريد أن يفرض عناوين أخرى للمعركة، كمواجهة الإرهاب أو الإسلام السياسي لصالح إيديولوجيا عسكرية، لكن يغيب عن بال هؤلاء أن تلك الشعارات أصبحت من الماضي.

 ومهما حاول هؤلاء اللعب على هذه الأوتار، فلا بد لكل الاستحقاقات التي يعجزون عن الإجابة عليها، أن تفرض نفسها في النهاية، فتبدو هذه الأسئلة قاتلة لهذه الأنظمة، خاصة عندما يطرح سؤال ماذا بعد الادعاءات بتحقيق الانتصار أو سحق الثورات؟ كل المؤشرات تدلّ إلى أنه لا بد من الانتقال إلى نوع من الصيغ، التي تتماشى مع التحديات التي لم تعد قابعة في نظرية متنازعة بين "مؤامرات إسلامية أو مؤامرات سلطوية". فالتحدي الأساسي يبقى في التوجه نحو الشباب وطموحاتهم وآمالهم، والتطلع إلى ما تفكر به هذه الأجيال.

الغرب عموماً بدأ يفكر جدياً في وقف تدفق المهاجرين انطلاقا من تنامي النظرية العنصرية، أو عدم التعاطي بسهولة مع موجات الهجرة، وهذه وحدها ستفرض تحديات كبيرة أمام أنظمة المنطقة، لتوفير الاستقرار ليس الأمني، بل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذه وحدها ستكون رافداً أمام إعادة تجديد التحركات الشعبية الثورية، التي لا بد من انتصارها ولو بعد حين، ومهما عرقل طريقها التعثّر.

شارك برأيك