أثار تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي قال فيه إن فكرة أن العرب “طعنوا الأتراك في الظهر” خلال الحرب العالمية الأولى “غير منطقية وغير متوافقة مع الواقع”، جدلًا واسعًا وأعاد إلى السطح نقاشًا قديمًا ظلّ حاضرًا في الذاكرة العربية والتركية على حدّ سواء. هذا التصريح ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو تفكيك لرواية راسخة في الوعي القومي التركي الحديث، رُدّدت لعقود طويلة بوصفها تفسيرًا جاهزًا لانهيار الدولة العثمانية.
وانطلاقًا من هذا التصريح، كان من الضروري إعادة النظر في تلك المرحلة التاريخية الحساسة، والكشف عن حقيقة العلاقة بين العرب والدولة العثمانية بعيدًا عن الأساطير الدعائية والاتهامات التي حُمّلت لشعب بكامله. فالاتهام التقليدي الذي يصوّر العرب باعتبارهم سبب سقوط الدولة العثمانية لا يصمد أمام قراءة دقيقة للوقائع، بل يتجاهل السياق السياسي والفكري الذي سبق الثورة العربية الكبرى وما رافقه من تحولات داخل إسطنبول نفسها.
السياق التاريخي
يُستعمل تعبير “خيانة العرب للدولة العثمانية” كثيرًا في الخطابات القومية والسياسية، حتى أصبح مقولة جاهزة تُردّد من دون تمحيص. غير أن النظرة المتأنية لتاريخ تلك الحقبة تكشف أن هذا الاتهام لا يقوم على أسس موضوعية، بل يتجاهل السياق التاريخي والسياسي الذي سبق الثورة العربية الكبرى، ويتغافل عن السياسات التي قادت الدولة إلى الانهيار من الداخل قبل أن يتحرك العرب دفاعًا عن أنفسهم وهويتهم.
لقد كانت العلاقة بين العرب والدولة العثمانية على مدى أربعة قرون علاقة شراكة في الدين والسياسة والمصير. العرب لم يكونوا غرباء عن مؤسسات الدولة؛ شاركوا في إدارتها، وتولّوا مناصب رفيعة في الجيش والولاية، وأسهموا في الدفاع عن حدودها، بل كانوا من أركان شرعيتها بوصفها دولة الخلافة الإسلامية. لكن التحول الجوهري في طبيعة هذه العلاقة بدأ منذ انقلاب جمعية الاتحاد والترقي عام 1908م، وهو الانقلاب الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني وأدخل الدولة العثمانية في طور جديد من الحكم القومي التركي الصارم.
كان السلطان عبد الحميد آخر من حاول الحفاظ على فكرة “الجامعة الإسلامية” باعتبارها الرابط الأوثق بين شعوب الدولة المختلفة. وقد عبّر عن رؤيته بوضوح حين قال في إحدى مذكراته: “إن وحدة المسلمين هي الحصن الأخير لبقاء هذه الدولة، فإذا تفرّقوا انتهينا.”
كان يدرك أن الدين هو الرابط الذي يجمع العرب والأتراك وسائر الشعوب المسلمة تحت مظلة واحدة، وأن التخلي عن هذا الرابط سيؤدي حتمًا إلى التصدع والانقسام. غير أن الضباط القوميين الذين أطاحوا به لم يؤمنوا بهذا المبدأ، واعتبروا أن بقاء الدولة يقتضي جعلها تركية خالصة.
بداية الانقسامات
بعد خلع السلطان عبد الحميد عام 1909، صعد ثلاثة من قادة الاتحاد والترقي أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا إلى السلطة، وبدأت حقبة جديدة من المركزية القومية. وقد وصف المؤرخ التركي فؤاد أحمد هذه المرحلة بقوله:
“رأى قادة الاتحاد والترقي أن الإمبراطورية العثمانية يمكن أن تُبعث من جديد فقط إذا أصبحت تركية في جوهرها، وأن على العرب وغيرهم الاندماج قسرًا في هذه الهوية الجديدة.”
تجلّت سياسة “التتريك” في إجراءات عملية، منها فرض اللغة التركية في الدواوين والمدارس، وإقصاء النخب العربية من الوظائف العليا، والتعامل مع الجمعيات العربية بعين الشك والريبة. وكان العرب، الذين اعتادوا النظر إلى الدولة باعتبارها حاضنة للإسلام، يرون في هذه السياسات انحرافًا عن مبادئ الخلافة ومفهوم العدل الذي كان يوحّد الشعوب الإسلامية. ومع ذلك، لم تتجه النخب العربية فورًا إلى القطيعة، بل حاولت المطالبة بالإصلاح والمشاركة العادلة.
في تلك المرحلة ظهرت جمعيات فكرية وسياسية عربية معتدلة مثل “المنتدى الأدبي” و”الجمعية العربية الفتاة”، التي طالبت بالمساواة بين العرب والأتراك داخل الدولة، لا بالانفصال عنها. وقد كتب المؤرخ اللبناني جرجي زيدان في هذا السياق:
“إن الجمعيات العربية لم تُنشأ لفصل العرب عن الدولة العثمانية، بل لإصلاح أحوالها وإشراك العرب في حكمها على أساس المساواة.”
لكن هذه الدعوات ووجهت بقمع شديد من قِبل السلطة الجديدة في إسطنبول، التي اعتبرت كل تحرك عربي نوعًا من الخيانة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ازداد الضغط على العرب بعد أن أرسل قادة الاتحاد والترقي جمال باشا إلى بلاد الشام والجزيرة العربية لإخضاعها بالقوة. وقد اتسمت إدارته بالقسوة الشديدة، فامتلأت السجون بالمثقفين، ونُصبت المشانق في بيروت ودمشق عامي 1915 و1916. وقد وصف المؤرخ البريطاني ألبرت حوراني هذه الحقبة قائلاً:
“كانت سياسات جمال باشا نقطة اللاعودة في العلاقة بين العرب والدولة العثمانية، إذ ألغت آخر ما تبقى من الثقة المتبادلة بين الطرفين.”
الثورة العربية
في ظل هذا الواقع، لم تعد الثورة بالنسبة للعرب خيارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية. كان الاضطهاد اليومي، ومحو الهوية اللغوية والثقافية، وإقصاء العرب من مواقع القرار كافيًا لخلق شعور عميق بالخذلان. لذلك، عندما اندلعت الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن علي، لم تكن انفجارًا مفاجئًا ولا مؤامرة خارجية، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من السياسات الخاطئة.
صحيح أن بريطانيا دعمت الثورة وسعت إلى استغلالها لمصلحتها، لكن القول إن العرب حركتهم لندن من العدم يجافي الحقيقة. فقد أشار الباحث الأميركي ديفيد فرومكين في كتابه نهاية الدولة العثمانية إلى أن:
“الثورة العربية لم تُصنع في مكاتب لندن، بل وُلدت من رحم الاستبداد التركي الذي سحق هوية العرب تحت شعار التتريك.”
من الإنصاف القول إن العرب لم يثوروا ضد الإسلام أو ضد الخلافة، بل ضد الحكم الاتحادي الذي صادر روح الخلافة نفسها. وكما كتب المؤرخ السوري محمد كرد علي، وهو شاهد على تلك الأحداث:
“لو أن الاتحاديين أنصفوا العرب وأشركوهم في الحكم لما فكر عربي واحد في الثورة، ولكنهم ظلموا فتمرد العرب على ظلمهم، لا على خلافتهم.”
قرارات أطاحت بالدولة
أما القرارات التي عجّلت بانهيار الدولة العثمانية فلم تصدر عن العرب، بل عن قيادة الاتحاد والترقي نفسها. فقد أدخل الضباط الثلاثة الدولة في الحرب العالمية الأولى من دون استعداد كافٍ، ما أرهق الجيوش، وأدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد. وقد لخّص المؤرخ التركي شكري هانيوغلو هذه الحقيقة بقوله:
“حوّل قادة الاتحاد والترقي الدولة العثمانية إلى آلة حرب بلا رؤية سياسية، وكانت نهايتها نتيجة مباشرة لسياساتهم، لا لمؤامرات الآخرين.”
تلك القرارات، إلى جانب القمع الداخلي وسياسات التتريك، هي التي دمّرت أسس الوحدة العثمانية، وأفقدت العرب وغيرهم شعورهم بالانتماء إلى كيان يتسع للجميع. وعندما تحولت الدولة إلى مشروع قومي ضيق، كان طبيعيًا أن تبدأ القوميات الأخرى وفي مقدمتها العربية بالبحث عن كيان يمثلها ويحفظ لغتها وكرامتها.
إن تحميل العرب مسؤولية سقوط الدولة العثمانية هو في الحقيقة تجاهل لسياق أطول وأعمق. فكما كتب المؤرخ اللبناني الأمريكي فيليب حتّي:
“لم يخن العرب الدولة العثمانية، بل خذلهم الاتحاديون حين نسوا أن الإسلام كان الرابط الأقوى بين العرب والأتراك، فلما زال ذلك الرابط انهار البنيان كله.”
لقد كانت الثورة العربية في جوهرها محاولة لاستعادة العدالة التي فقدها العرب داخل كيان لم يعد يرى فيهم سوى عنصر تابع. لم تكن طعنة في ظهر الإسلام كما يروّج بعض الخطاب القومي التركي، بل كانت صرخة هوية وكرامة. لقد أراد العرب الحفاظ على قيم الخلافة التي حُرفت عن مسارها، وحين وجدوا أن تلك الخلافة لم تعد سوى سلطة قومية باسم الدين، اختاروا أن يرفعوا صوتهم دفاعًا عن الذات.
وفي النهاية، لا يمكن فهم سقوط الدولة العثمانية على أنه نتيجة لخيانة العرب، بل هو حصيلة طبيعية لتحولات فكرية وسياسية داخلية قادها قادة الاتحاد والترقي، حين أزاحوا آخر من كان يحافظ على وحدة الشعوب الإسلامية، وأحلّوا محلها سياسة التتريك والإقصاء. العرب لم يخونوا، بل قاوموا تفكك المعنى الذي قامت عليه الدولة العثمانية أصلًا: معنى العدل والوحدة الإسلامية. وكما كتب المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي في تقييمه لتلك المرحلة:
“إن العرب لم يثوروا على الخلافة، بل على من خان الخلافة، وحوّلها إلى سلطة قومية ضيقة لا تمت إلى الإسلام بروحه بصلة.”
وهكذا، فإن المنصف في قراءته للتاريخ لا يمكنه أن يرى في العرب خونة، بل شعبًا دافع عن كرامته أمام سلطة فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية. لقد كانت الثورة العربية لحظة وعي مؤلمة، لكنها أيضًا شهادة على أن العرب لم يكونوا عبئًا على الدولة العثمانية، بل أحد أعمدتها التي انهارت حين قررت الدولة أن تتخلى عنهم.
ما بعد إيران.. هندسة الهيمنة الإسرائيلية وصراع التوازن على مستقبل الشرق الأوسط
العدالة الانتقالية بين منطق القانون ومنطق التسويات
الوعي طريق الحرية.. قراءة في التجربة السورية على ضوء الجابري وبيغوفيتش
من عصر التنوير إلى عصر الأخلاق: الثورة الفرنسية والثورة السورية في ميزان التاريخ
بين فشل السلاح وضرورة الدولة.. قراءة في تجربة "العمال الكردستاني" وسياقها السوري