درج في الوسط الثقافي السوري مصطلح الطوائف كبنى اجتماعية، والطائفية كنزوع متوتر وعصبي، كما تم نحت مصطلح الأقلوية لتمييزه عن مجرد الانتساب لأقلية ما، إذ ليست كل طائفة تحمل نزوعا طائفيا ولا كل أقلية تحمل شعورا أقلويا بالمستوى السياسي والاجتماعي، بالمقابل ليس بالضرورة أن تحمل أكثرية ما شعورا نديا مقابلا تجاه طائفة لمجرد الاختلاف الديني أو العرقي؛ مثلما لا يمكن نكران مقابلة النزوع الطائفي لجماعة مذهبية بموقف ندي تحمله النخب بالنقد والتعرية، ويحمله العامة بردود تشابِه النزوع الشعبوي ضمن الجماعة الطائفية.
تم تداول مصطلح "الطائفة السنية"؛ ثم تُولِّد منه اصطلاح طائفية سنية وفيه نزوع إقصائي تجاه الطوائف؛ والتي غالبا ما يتم تصويرها في المجال الثقافي بالطائفية السنية تجاه غيرها من الطوائف وكأنها جزء منها، ليتم تصوير سوريا وكأنها مجموعة طوائف متقابلة كدولة لبنان التي تعيش هذا الحال من دون انتباه للفرق بين البلدين، مع العلم أن الأكثرية لو تحولت إلى أقلية عددية في بلد ما فلن تطبع بطابع أقلوي في مستوى الثقافة الداخلية لأبنائها؛ نظرا لشعورهم بأنهم جزء من أمة تنتشر خارج تلك الحدود وجوارها، هنا لا بد من إيجاد مقاربة تمس رحم الواقع بعيدا عن أن يطرح التحليل معيارية أخلاقية.
ثمة أيضا طروحات تتحدث عن الشعور بالتفوق الذي يستحضر ممارسات فوقية من قبل السنة تجاه غيرهم؛ دون تمييز بين الشعور بالتفوق الذي يستدعي ممارسات إقصائية؛ وبين التعامل مع التاريخ الحضاري المتشارك به، ومع الكثرة والسواد والسيادة والمتن الوجودي للسنة في الدولة كمسلَّمة ما عادوا يفكرون فيها؛ ما جعلهم متن الثورات والحامل التاريخي للتغيير بالمفهوم الماركسي؛ ما يجعلهم بعيدين عن السعي لتثبيتها وتكريسها وعاشوا استرخاء الأكثرية وعدم تحشدها، وبعد معاناة من تحييدهم وتأطير دورهم الفاعل في الدولة وعدم إبراز سوى خدم نظام الأسد، بالتوازي مع تدمير حواضر إسلامية كالموصل والرقة وحلب بعد مأساة حماة، استدعى ذلك استعادتهم لدورهم التاريخي؛ وهو ما تم النظر إليه على أنهم بمارسون الفوقية والتعالي، وفي حين نشدد على وجود شعور بالسيطرة والتفوق فإنها لا ترقى إلى مستوى الشعور المحكوم بأدوات وفواعل تشبه تلك التي توجد كحوامل ودوافع لدى الجماعة الطائفية أو الأقلية، كما أن شعور التفوق نفسه لم يحمل شعورا باحتكار الحقوق وتمييزها عن المغاير في الانتماء الديني، وحصره بالمجتمع المسلم حيث إن صور الشراكة والتشابك تاريخيا حاضرة كذاكرة حية وقارّة لدى الجميع.
تحدث د.عزمي بشارة عن الطائفة والطائفية وانطلق من تكون الطائفة تاريخيا نتيجة صراع سياسي بين الشيعة والسنة، وحدد الطائفة بما تمثله الأقليات من الطوائف بعيدا عن السنة في شرحه للمشكلة الطائفية. غير أنه لا بد من تلمس قراءة السنة لأنفسهم خصوصا في سوريا ما يقربنا أكثر من الذهنية العامة لها، وتجاوز الانطباعات التي تشكلت تاريخيا لدى الغير عنها؛ سواء عقب أحداث طارئة في مرحلة الثورة أو بعد سقوط الأسد، إن تلمس تلك القراءة يفيد في تفكيك كثير من الشعارات التي تم إطلاقها عقب التحرير، وهي نوعان قراءة دينية، وأخرى تاريخية حضارية تتمظهر في سلوك المجتمع ككل مترابط دون افتراقات حادة ولا اقتتال منذ قرون، هي متوارثة واجتماعية ومرتبطة بالحياة الشعبية والتدين الشعبي الذي شهدته سوريا ما بعد الجلاء عموما، مع بقائها طبيعية وعفوية في مرحلة الأسد لدى من تماهوا مع الخطاب الوطني الظاهري المبني على الاتساق القسري بين الجماعات؛ الذي فرضه الأسد لضبط المجتمع فنشأ قسم من المجتمعات بلا خطاب تنابذ، وبقي بسيطا بما أنه لم يصطدم بوقائع طائفية أو تحشيدية، وتماهى مع مجتمع المدينة في المدن الكبرى كدمشق وكلنا يعلم اندماج علويي دمشق القدماء بأهلها ما قبل مرحلة الأسد في المجتمع الدمشقي.
أما القراءة الدينية عن الذات والآخر لدى السنة فهي تتبع تحولات الرؤية للمذهب من الفقه إلى السياسة ثم إلى الطائفة التي تحولت لدين خاص وثقافة حينا؛ ودينا حينا آخر؛ مع ترابط مع الدين الإسلامي بالجذور، ثمة نقطة يحملها أغلب السوريين خارج المجتمع الإسلامي- السني؛ وهي النظر إلى الجميع كبنى طائفية بما في ذلك السنة والعلويون والدروز والإسماعيلية وعلى أنها خطوط أو طرق متوازية بجانب بعضها بعضا، في حين يراها السني على أنها بنى تشكل جزءا من الهوية العربية الإسلامية للدولة وقد تكون فسيفساء فيما بينها دون السنة، حيث يرى السنة أنفسهم على أنهم متن كأكثرية من جهة وكدين من جهة أخرى، كصانع أساسي- وليس وحيدا- لهوية الدولة، هذه النظرة وبعيدا عن القبول بها أو عدم القبول هي رؤية موجودة سواء عبر إحالة هذا التعدد والمذاهب والطوائف إلى افتراقات عن النص الإسلامي الأول والذي يمثل الدين الإسلامي وهي ما سمي ب"أهل السنة والجماعة" بصوفيتها، ومُرجِئَتِها، ومبتدعيها، وسلفييها، ودعوييها، وأحزابهم. بالتالي ينظر لها على أنها تفرعات عن النهر الكبير الأساسي وصارت تسير بجانبه، أو انحرافات عن خط سيره وصارت تسير بجواره تقترب في نقاط وتبتعد في أخرى، أو ينظر لها كأقليات دينية تعيش تحت جناح الأكثرية بشراكة بنيت تاريخيا منذ العهد الأموي وحتى العهد العثماني، كما يُرى أن هوية الدولة هي هوية عربية مسلمة؛ حيث مثَّل الإسلام بكل بعده الديني والحضاري تاريخيا إطارها ومتنها، ويُرى أن مقولة السنة– (نظرا لاعتبار السنة بقوا الوحيدين من يرتبطون بالسلف وفقهه وحكمه وهكذا يرون أنفسهم )؛ بالتوازي مع ذلك لا يبدو مهما إن كفروا غيرهم أم لا لا باعتبار أن أغلب الجماعات الدينية تدعي امتلاك الحقيقة دينيا، وتعيش متجاورة ومتشاركة في شتى مجالات الحياة، يرى المسلمون أن الهوية أزيحت لصالح الخط الانتهازي في الأقليات الذي أطره الأسد مدعيا حمايتها، ومن الطبيعي أن تعود لعهدها السابق، وهي ليست نابذة ولا عرقية أو قومية حتى في شقها العربي؛ لأن العروبة الثقافية والثقافة الإسلامية يحملهما غير المسلم وغير العربي كذلك، وما شهدناه من مظالم لغير العرب غالبا كان من انعكاسات سياسات الطرح القومي العربي التي حاولت خدمة العروبة كإطار جامع فشوهتها، ودفعت لتشكيل ما يناوئها من حركات قومية واضرت بالمجتمعات كما ظهر في دراسات المفكر العراقي سليم مطر حول الهوية العراقية، فوقعت القواعد المجتمعية ضحية دكتاتورية الأنظمة القومية العربية والمتدثرة بأيديولوجياتها، في سوريا الثورة تم التنابذ بطرق شتى؛ في حين بقي الداخل متماسكا بالجوار والتشابك والتشارك الإنساني الوجداني؛ الذي يدخر تاريخا من التعاون بعيدا عن أزلام الأسد وشركائه. لكن معضلة الحكم الحالي لدى الكثير هي فيما سمي باللون الواحد، وهي متعلقة بتمثيل الأقليات في الغالب؛ في حين أن الدافع خلف ذلك معضلة أكثر حدية وهي توسيع دائرة الثقة التي لم تشمل "السنة" أنفسهم فكيف بالأقليات التي يبدو أنها ستأخذ اهتمام السلطة أكثر من مخالفيها من السنة.
ثمة ترابط جدلي بين العرب السنة وسمات الأكثرية، من حيث مسؤوليتها وقدرتها على الاحتواء، وعلى تقديم المميز من غيرها من جهة، وبين الأقلية الطائفية كمذهب ديني خاص بالجماعة وبين شعورها بالأقلوية، وتحولها من جماعة مذهبية أو جماعة اجتماعية إلى جماعة سياسية؛ تحاول دورا سياسيا عبر قدرتها على التحشيد وعبر اللعب على مفهوم الخوف والقلة. وقد أثبت علم الاجتماع، أن الأكثرية لا تُبنى عادة على العصبية المغلقة، بل على انفتاح البنية والهوية واستيعابها للاختلاف، لأنها ترى نفسها الإطار الجامع (الأمة/المجتمع).
لم ينظر العرب السنّة تاريخيًا لأنفسهم كـ"طائفة"، بل كـحامل للكل الإسلامي والعربي. هذا ما يجعل هويتهم أقل تقوقعًا وأكثر قابلية للتماهي مع تصورات وطنية أو قومية أو حتى أممية. بمعنى أنها هوية مرنة، لديهم رأسمال رمزي جامع (اللغة، الثقافة، الفقه الأكبر، الأكثرية العددية) يجعلهم أقل حاجة إلى الاحتماء بعصبية طائفية صلبة.
خيانة المثقف بين المثقف العضوي ومثقف الجماعة
هل نبرئ داعش بتبرئتنا أخواتها.. عندما يكون المثقف جزءاً من المشكلة
بين جحيم الدولة ونعيم المعارضة.. شرعية السلطة ولاشرعية المعارضة
الممتعضون والطائفيون والأقلويون كخوارزمية
لئلا تستمر دمشق في خطئها مع قبائل الجزيرة