"العديل" صندوق الذكريات الأسود

"العديل" صندوق الذكريات الأسود

"العديل" صندوق الذكريات الأسود
عبد الحميد السراج

تاريخ النشر: 04.03.2021 | 07:20 دمشق

ثمة معادلة غير متوازنة في كتابة المذاكرات لا يخفى على أي متابع لذلك النوع من الكتابة وجودها، تنحو إلى درجة التحريف أحياناً، نتيجة دوافع شخصية، شعورية أو لا شعورية، تتحكم في سردية ونسج الحادثة من قبل راويها وشاهدها المفترض.

فكيف تبرز تلك العوامل إذا تم تدعيمها بهواجس وانفعالات مضاعفة، تتصارع فيها غيرة من نوع ما، كتلك التي نشهدها بين أصهرة العائلة الواحدة وكنائنها، وليست تلك الغيرة من نسج الحكايا أو قصص الجدات وكبار القوم، بل جاءت مخاضاً لواقع زمني طويل، نَقل تواتراً منذ بداية عهد تشكيل الأسرة وفي كل مجتمعاتها، حوادث مختلفة، تحولت إلى "حدوتة" شعبية.

في عالم الذاكرة السورية الحديثة، نعثر على تجربتين مهمتين في كتابة المذكرات، خطهما "عديلان" لرجلين كانا خلال منتصف القرن الماضي، من أبرز الشخصيات في تاريخ سوريا.

عوالم السياسة ومجتمعها ليست منفصلة في سياقها عن كل تلك العوالم، بل ربما هي بيئة أكثر خصوبة لنمو تلك الغيرة واتساعها، نتيجة ارتفاع سقف الطموحات فيه وتدرجها.

في عالم الذاكرة السورية الحديثة، نعثر على تجربتين مهمتين في كتابة المذكرات، خطهما "عديلان" لرجلين كانا خلال منتصف القرن الماضي، من أبرز الشخصيات في تاريخ سوريا، أولهما كتاب "السلطان الأحمر"، والذي يتحدث عن العقيد عبد الحميد السراج رجل المخابرات الشهير قبيل الوحدة وخلالها، بشهادة "عديله" الصحفي غسان وصفي زكريا ، والثاني كتاب "أيام حسني الزعيم 137 يوماً هزت سوريا" ،أول انقلابي عسكري في سوريا، "لعديله" الصحفي المعروف نذير فنصة.

لم يختلف كثيراً نزوع الكاتبين في توثيق مذكراتهما، إلى محاولة إبراز "الأنا" بشكل واسع على اتساع سطور الكتابين، على الرغم من اختلاف التعاطي بينهما مع الشخصية المحورية ، فبينما كان غسان زكريا ،هجومياً ،صادماً في تعاطيه مع المواقف التي يذكرها عن السراج، وعن حياته معه، وحول بطانته من رجال المخابرات، والأحداث الواسعة التي يذكرها عنه، منذ كان حارساً في سوق "بحسيتا" في حلب وحتى هروبه من السجن، بدعم من عبد الناصر بعيد الانفصال، وهنا ربما يقف القارئ في حيرة من أمره أمام ما يقصه الكتاب، فلا يخفى على أحد ممارسات السراج ودوره المخابراتي الطويل في قمع الحريات وفرض سطوة الدولة البوليسية على المجتمع السوري، وعملياته الأخرى خارج جغرافيته، كخلق فتنة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1958 بعد تدبير اغتيال الصحفي اللبناني نسيب المتني، كل ذلك التاريخ "الأحمر"، تبدو تفاصيله بين دفتي الكتاب، يرويها شاهد قريب، يختلف مع السراج في نزعته الحزبية، ودوره السياسي، فهو الكاتب القادم من أوساط الحزب القومي السوري ومن المتعصبين له، ذلك الحزب الذي اعتقل السراج قياداته، واغتال بعضها، وطارد فلوله لسنوات، وهو الصحفي الذي يقول عن نفسه إنه كان متنفذاً في البلاد، وكون صداقاته من السياسيين والقادة العسكريين، والصهر الأقدم لعائلة ارتبط السراج بابنتها الصغرى ، ورأى الكاتب في ذلك الارتباط تقليلاً من شأن العائلة.

وبينما يحاول غسان زكريا في روايته التركيز على إظهار الوجه الوطني لخصوم السراج، وإبراز المبررات لهم، ويظهر نفسه خلال المذكرات كواحد منهم، نرى الأمر مغايراً في رواية نذير فنصة عن الزعيم، حيث تبدو الصورة معكوسة في قولبتها، ونجد الزعيم في روايته شخصاً صالحاً دفعته الظروف إلى انقلابه العسكري، وأثارته هيبة السلطة ومغرياتها، وبقي وفياً لبياض قلبه وكفه، مصرّاً أن يبقى انقلابه أبيضَ، حتى لاقى مصيره ،ليكون دمه فداء لذلك البياض.

الكاتب الذي كان "عديلاً" للزعيم، وسكرتيره الخاص، ومهندس تحالفاته الداخلية والخارجية، يبرز في الكتاب فضله عليه، ودوره في إعادته للجيش بعد تسريحه، ونقله بعدها من دير الزور إلى دمشق، ثم مساهمته في تسلمه منصب قيادة الجيش، ولا يفوت فرصة خلال سرد المجريات دون أن يجد مبرراً لنفسه أو لشخصيته المحورية عن تداعيات أي تصرف حصل.

وجهان مختلفان بين "العديلين" في مذكراتهما، لكن النوازع واحدة، فبينما تبدو الغيرة في العدوانية تجاه السراج، تظهر بطابع "التفضيل" على الزعيم في الرواية الأخرى، وربما قرب الكاتب من الدائرة المقربة لشخصيته أو بعده عنها، يلعب دوراً في تصوير المشاهد واستذكارها، فالأول كان خارج دائرة القرار، بينما كان الثاني في عين عاصفتها، لكن كل تلك التباينات، لا تلغي أهمية تلك المذكرات، ودورها في توثيق مراحل تاريخية ، حيث تبدو كأنها سيناريو يصنع مشهداً درامياً، لتصبح الشخصيات أمامك من لحمٍ ودم.

كلمات مفتاحية