العدمية الليبرالية الماكرونية أمام واقعية الكورونا

تاريخ النشر: 17.12.2020 | 23:10 دمشق

آخر تحديث: 17.12.2020 | 23:11 دمشق

يقارب الرئيس الفرنسي الشؤون المعقدة لمنطقتنا بنوع من الخفة التي لا تحتمل، ولكن المشكلة الأعمق لا تكمن في نوع مقاربته ولا في شكلها، بل في حرصه على تصويرها على أنها تمثل الحلول الجدية والمنطقية لكافة الأزمات المزمنة.

في مقاربته للشأن اللبناني مثلا بنى على إمكانية التوفيق بين تعويم حزب الله، ومن خلفه النظام اللبناني، مع تسييل الاقتصاد وإعادة تركيب التوازنات والشروع في إعادة وصل البلاد بالمنظومة الدولية.

 تلقّف الحزب هذه المبادرة وتبناها وعمل على الدفع بها إلى واجهة المشهد بتحايل واضح، في حين أنه، وفي الوقت نفسه، عزل بيئته عن المجتمع اللبناني، واجتهد في تأمين شروط صمودها واستقلالها عن الخراب اللبناني العام الذي صنعه.

ظهر لاحقا أن هذا السياق ليس عارضا أو خاصا بتناول الحالة اللبنانية، بل يمثّل ركنا أساسيا من  التدبير الماكروني لشؤون العلاقات الدولية.

 زيارته للسيسي أطلقت مسار شرعنة القمع والتنكيل وتغطيته في كل المنطقه وتحوّلت معه حقوق الإنسان إلى عائق لا مفر من تجاوزه وتسفيهه في سبيل تمرير صيغة العدمية الليبرالية التي ينادي بها، والتي لا تشكّل الأخلاق فيها بنية معيارية يجب الاحتكام اليها في أي قرار، بل تمثّل عائقا يجب تجاوزه والتخلص منه.

من هنا تكتسب إصابة ماكرون بفيروس كورونا والذي أدى إلى إلغاء زيارته المقررة إلى لبنان بين 21 و23 من شهر كانون الأول الجاري، طابع فتح المجال أمام بعض الواقعية السياسية، لناحية لجم مسار أو تأجيل العمل على مشروع عدمية ماكرونية يسعى لتسويقها بوصفها الإطار الناطم للحضور الفرنسي في لبنان.

إلغاء الزيارة لجم مهرجان الكارثة الاحتفالي الذي كان مقررا أن يقام على شرفه، خصوصا أنه حرص على أن يكون اليوم الأول من الزيارة هو نفس تاريخ ميلاده، وكأنه حاول الإيحاء بأن تاريخ ميلاده هو ميلاد الأمل.

 لا يستبعد بأنه قد يكون قد فكر في توظيف قرب تاريخ عيد ميلاد السيد المسيح في الـ 25 من الشهر ليعلن أنه يأتي للتبشير بقرب ولادة الانفراجات والحلول.

ماكرون كائن رمزي ويحب التلاعب بالرموز وتضمينها الشيء وعكسه انطلاقا من فلسفته التي تؤمن بالفرد والحريات والأسواق المفتوحة، ولكنها في الآن نفسه تمتنع في تثبيت أي تحديد دقيق لأي من العناوين الكبرى التي تنادي بها. ومن هنا فإن كل العناوين العريضة التي تدّعي الدفاع عنها يمكنها أن تعني شيئا محددا في الوقت الذي تدافع فيه عن عكسه.

ماكرون كائن رمزي ويحب التلاعب بالرموز وتضمينها الشيء وعكسه انطلاقا من فلسفته التي تؤمن بالفرد والحريات والأسواق المفتوحة،

المشكلة أن هذا اللعب في لحظة الخراب العظيم يصبح عنوانا لمجزرة وليس لفلسفة خاصة. لا يمكن التفاهم مع مبادرة تعتبر حزب الله مكونا طبيعيا لأن ذلك لا يقود إلى فتح دائرة شرعنة منظومات القمع في لبنان والمنطقة وحسب، ولكنه يجعلها سياقا أصليا وثابتا، ويعتبر أنها الإفراز الطبيعي لحياتنا وسلوكاتنا في الوقت الذي يسحل فيه كل من يحاول أن يقول العكس بقوة السلاح والأمن، السطوة السياسية والإقصاءالاجتماعي.

خطر الرؤية الماكرونية على لبنان خصوصا والمنطقة عموما أنها تتعامل مع واقعنا المر بوصفه مصيرنا ومستقبلنا وتعمل على تثبيته كأمر واقع، في حين أن كل النضالات العامة تستميت في التأكيد على عرضيته واستثنائية.

يختصر الأخ ماكرون كل بلد بديكتاتور محدد وقد وجد في حزب الله الهيئة الديكتاتورية المناسبة كما هو الحال في السيسي والولي الفقيه.

لا شعوب إذن في النظرية الماكرونية بل أفراد فقط، ولعل فكرة الحرية التي تمثل عماد المقاربة الليبرالية للعالم والتي تربطها بالفردية قد وجدت سقوطها الكبير في لبنان.

 التعامل مع الحزب تم انطلاقا من هذه الفكرة حيث ينظر إليه ماكرون كفرد أو يختصره في شخص أو بنية فردية، بينما يجتهد الحزب في تكرار أنه يمثّل بنية جماعية متصلة هي جماعة الجهاد الدائم.

ما سمح لماكرون بفشل مداه النظري في التعامل مع الحزب كان الديكتاتورية المؤلهة التي يمتاز بها نظامه القيادي بإناطته الأمور إلى فرد أو إلى ناطق  باسمه. هكذا وجدت ليبرالية ماكرون نفسها أمام ارتياح نظري، سعت لتحويله إلى خريطة عمل سياسي وتبرير ذلك بأنه ينسجم مع الأفكار الليبرالية والحرية الفردية.

حزب الله كان فردا بنظر الإدارة الماكرونية، وتاليا فإن حريته وطبيعيته وحقوقه مقدسة ولكن الشعب اللبناني لا زال شعبا.

هنا تكمن المعضلة لأن فكرة الشعب تحمل التباسات وتعقيدات ولا يمكن ردها إلى بنية واحدة واختصارها والنطق باسمها، وتاليا فإنها تشكل عائقا أمام حرية الفرد وحركة الأسواق الصانعة للتاريخ الجديد.

يجب ضبط الشعب وتقييد حركته ولكن الاستحالة العدمية تكمن في أن الضابط الذي يمنحه ماكرون بركاته الليبرالية ويشمله بتوصيفها، لا يمكنه الانتظام داخل أي عقد من أي نوع حتى إذا كان يمنحه التفوق والغلبة.

أزمته عميقه مع مفهوم العقد لأنه مهما كانت الكفة فيه ميالة لصالحه فإنها لن تكون مطلقة، وهولا يستطيع العيش إلا تحت ظلال المطلق.

 لبنان بنظر ماكرون جنة التناقضات التي يعشقها، قد اكتملت ملامحه الآيلة للاختصار بصيغتين فرديتين، يسمح تبجيلهما وإحاطتهما بهالات من الوهم والتقديس بتكوين صورتين مغايرتين تلغي كل واحدة منهما الأخرى وتشرعنها في الوقت نفسه، وهما فيروز ونصر الله، أما ما بينهما من كيان عريض يدعى الشعب اللبناني فهو لزوم ما لا يلزم.