هل تعكس الهشاشة النفسية للأفراد هشاشة وضعفاً سياسياً بنيوياً؟ لنطرح السؤال بطريقة أخرى: هل يمكن لحكم القانون أن يرضي الأنفس المضطهدة والمقهورة؟ وإذما وضع الإنسان بين حكمين: حكم القانون وحكمه الشخصي، هل يختار الأول ويكون راضياً من دون أن تغالبه نفسه بشهوة الاقتصاص النفسي؟ وحقيقة هذه الأسئلة تشير إلى المكنون النفسي للفرد ضمن إطار اجتماعه البشري، وهذا الأخير مسؤول بشكل رئيسي عن تكون وتشكل سيكولوجيا الأفراد وسلوكهم. فالمجتمعات التي تمكنت من بناء لوحة الإنسان العمومي وفق تعاقدها الاجتماعي وأساسه الحقوق والحريات العامة وأليات صونها بالقانون ومرجعية الدستور، بحيث تعزز مقومات الوجود الفردي نفسياً وسياسياً تؤهله لتشكيل قناعة تامة بأن القانون والقضاء تحقق له العدالة وتمكنه من صون كرامته الشخصية وتحصيل حقوقه الفردية وكرامته الشخصية متحققة بالفعل. أما تلك المجتمعات التي لم تزل تحبو في مرحلة ما قبل التعاقد المجتمعي وسيادة القانون لم تزل أحكام العشيرة والرأي والحكم الفردي تشكل بديلاً ذاتوياً عن القانون وبالضرورة العدالة! فكيف وإن كانت مستويات الظلم متراكمة تاريخياً كما في سوريا الثورة مثلاً، حيث القهر النفسي والشعور بالاضطهاد ما زال سمة غالبة على الحيز العمومي المجتمعي. فحتى وإن كانت الكلمات النظرية موجودة نسقياً (القانون والعدالة والقضاء) لكنها لم تتوطن بعد بمقومات واقعية ترسم الحد الفاصل بين الحكم الفردي والقانون العام. وبصورة أدق ما زالت الأبعاد الشخصية هي المتحكمة بسلوك الأفراد وليست المعايير القانونية العامة. ما يعني أن الهشاشة النفسية الناتجة عن الظلم والاضطهاد لم تزل تشكل محور السلوك الفردي، وهذا ما ينعكس بصورة فوضوية في طرق طرح الحقوق والمظالم وآليات تحصيلها.
الكلمات والجمل النظرية والفكرية بعمومها لا تشكل أرضية نفسية للمجتمع إلا عندما تصبح تجارب معاشة ويومية تختبر قدرتها ونفوذها المجتمعي بحيث تشكل بيئة عامة ومرجعية ثقافية، وهذا ما يحيل إلى جملة عامة تنتشر بالأوساط الشعبية مفادها "هذا تنظير"! فامتلاك القناعة بقدرة الحق والقانون على حفظ الكرامة الشخصية يتطلب أن يكون القانون قادراً على تحقيق العدالة ومحققاً جوهرها في الانصاف الشخصي. وليس فقط بل تعميم العدل بين الناس مجتمعياً، من هنا كانت مقولة الفاروق "العدل سيد بين الناس" جوهر العدالة وسيادة القانون. فالعدالة وإن كانت بجزء منها تقارب الانصاف مفهوماً لكنها تختلف عنها، فالأولى عمومية يُفترض تجسيدها كسيد حاكم عمومي، في حين الثانية ذاتية وشخصية وذات هوىً! والعدل يحتوي الانصاف كإحدى أجزائه ومكوناته النفسية، ولكنها لا تكتمل بتحقيق الإنصاف الشخصي وحسب بل حين يصبح القانون ذي سيادة وحق عام يطول الجميع من دون تمييز. في حين أن الإنصاف يتمثل ببعده الشخصي والفردي بينما تقيم العدالة مفهومها العام بالحق المجتمعي وانعكاساته الإيجابية على المجتمع برمته. فهل يمكن مقاربة ما يجري في سوريا لليوم من انتهاكات فردية من هذه الزاوية؟ والقصد الفعلي لهذا القول هو: أنه ما لم تتشكل الأطر القانونية الفعلية القادرة على تمكين الأفراد من علاج هشاشتهم النفسية ومظالمهم الحياتية ومتطلبات شعورهم النفسي بالقصاص الفردي، خاصة أمام المجازر التي ارتكبها النظام السابق والتي توصف بجرائم حرب جماعية ضد المجتمع، فمن الطبيعي أن تتكاثر ما نسميه السعي خلف الانتقام، أو شبهة الفكرة بذاتها حين توسم وترفع على بعد طائفي! فيصبح المجرم ليس شخصاً بذاته بل مكوناً بعامه، ما يثير نعرات طائفية متعددة الأوجه وتكرار الجريمة بوصفها اقتصاصا فرديا لمظلمة ما ولكن بأدوات مختلفة تعيد تكرار مشهد القهر والظلم النفسي ذاته ولكن باتت الضحية هي القاضي والحكم!
لنرقب مقاربة دقيقة: في أوروبا فُتحت العديد من المحاكم التي تحاكم بعض من رجالات النظام السابق، وهذه المحاكمات مستمرة منذ سنوات وأشهرها محكمة كوبلنز، والملاحظ أن القدرة القانونية للمحاكم الغربية كفيلة بالتحقيق لزمن حتى الوصول لمفهوم العدالة المرتبط بالإنصاف ذاته، حيث إن البنية المؤسساتية للدولة قائمة على مفهوم الحق العمومي للإنسان. فيحق للأفراد الادعاء ويحق للمجرم (والمثبت عليه جرمه بحكم المشاهدات المعروفة طوال 14 عاما) أن يجد من يدافع عنه! في حين في سوريا لليوم، لم تتمكن العدالة الانتقالية من السير بطريقها المفترض رغم بدء بعض من محاكماتها والقبض على آلاف المجرمين بحق الشعب السوري كمجرمي حفرة التضامن وغيرها. لكن إلى اليوم لم يتمكن كثيرون من امتلاك القدرة النفسية على الإقرار بأن هذه المحاكم يمكنها أن تأتي بحقوقهم وأنها لا تنصفهم نفسياً وحياتياً. وإلا لماذا شاهدنا ونشاهد تكرار أمثال تلك الجرائم على أفراد آخرين وبصفات طائفية معاكسة يكتنفها التعميم والشعور النفسي بالاقتصاص! وليس فقط تكثر الأحداث الفردية في بقاع واسعة في سورية تحت ذات العنوان وهو الشعور بالإنصاف الذاتي بدلا من تحقيق العدالة!
في أوروبا فُتحت العديد من المحاكم التي تحاكم بعض من رجالات النظام السابق، وهذه المحاكمات مستمرة منذ سنوات وأشهرها محكمة كوبلنز، والملاحظ أن القدرة القانونية للمحاكم الغربية كفيلة بالتحقيق لزمن حتى الوصول لمفهوم العدالة المرتبط بالإنصاف ذاته، حيث إن البنية المؤسساتية للدولة قائمة على مفهوم الحق العمومي للإنسان
ما زالت جروح السوريين عميقة وهي جمعية طالت المجتمع برمته، والتأخير بتحقيق العدالة الانتقالية وإعلان نتائجها مثبتة بالأدلة والشهود يسهم بشكل كبير في تأجيج نزعة الانتقام الفردية، وهذه بذاتها تعيد ترتيب الجريمة بأدوات جديدة، وتخلّ بأسس استعادة بناء أهلية القانون والقضاء العام. والواقع المثير للقلق هو كيف يمكن أن نخطو باتجاه العدالة الفعلية ما دام أصحاب المظالم أنفسهم يظلمون بعضهم البعض ويصرون على تسييس وتطييف قضاياهم بطريقة استقطابية تعميمية تمنح الأهلية للحق الشخصي أن يطفو بذاته للانتقام الفردي بدلاً من تحقيق العدالة؟ فالنظام القانوني وإجراءاته مسؤول عن الفصل في أي انتهاكٍ لكرامة الفرد. وكلا المعنيين للكرامة يتطلب الإدراك بأن الكرامة كشرف هي الإدراك بأن كل شخص يمتلك حقه الفردي بصونها وإنصاف ذاته، بينما تتطلب الكرامة كحق آليات قوية تطبق على الجميع وبنفس الطريقة وتحقيق العدالة، من دون السماح بأي وضع خاص أو تميزي أو انتقامي.
تقتضي العدالة وسيادة القانون أن تكون المحاكمات علنية وفردية باسم أفرادها أياً كان انتماؤهم، فالقانون لا يفرق في الانتماء بقدر ما يميز بين المجرم والمظلوم بالأدلة والشهود. فحيث تمكنت كوبلنز من تحقيق الإنصاف لعدد من السوريين كونها بدأت بحيثيات مؤسساتية تتعامل مع المجرم بصفته فردا مدانا بالأدلة والشهود، نترقب أن تنفتح المحاكم السورية على التحقيق في كل الجرائم التي طالت السوري كسوري، بصفته تعرض للانتهاك، لا بصفته منتمياً إلى طائفة معينة، وأن تكون هذا المحاكمات علنية مثبتة بالشهود والأدلة. وهذه إحدى أهم مبررات نقض الاقتصاص النفسي الفردي الذي بات يسود غالبية السوريين وكل يرى مظلوميته الوحيدة وحسب، في حين الحقيقة أن السوري بذاته هو من تعرض للانتهاكات بوسائل وطرق متعددة!
لربما اُتهم بالمثالية بهذا الموقف، لكني متيقن ما لم نتجاوز حدودنا الشخصية في الإنصاف الذاتي ونعترف بأخطائنا الفردية السابقة واللاحقة ونتقبل مسؤوليتنا عنها قضائياً وأخلاقياً، فإننا لن نخطو تجاه إقامة العدل بديلاً عن تسييس وتطييف قضايانا، وهذا خطر داهم. فالأولى ترفع من شأن القانون وتعزز وجود الأفراد في ظله، في حين الثانية تعيد تكرار الجريمة بطرق جديدة. والمعضلة فيها أن من يقوم بها يعتقد في ذاته أنه يحقق العدالة من خلال هشاشته النفسية كشفاء لذاته... في حين أن لسان حال الإعرابي يكرر من شدة هشاشتنا النفسية وضعف بنيانا القانوني والمؤسساتي: لم أمت لكني رأيت الموت مراراً، وآن وقت إيقافه بالعدل وسيادة القانون.....
موجات العشوائية الفوضوية والصراع الانتقالية
التوسع الإسرائيلي وتكرار هزيمة العقل العربي
كيف سنفسّر ونعالج جرائم كهذه؟ أسرة رانيا العباسي مثالاً
مشاهدات ونظريات.. حمّى الفوضى السورية
العدالة وهشاشتنا النفسية