icon
التغطية الحية

العدالة على محكّ الإنصاف: كيف يرى الناجون وذوو الضحايا محاكمات مجرمي الحرب؟

2025.11.02 | 07:58 دمشق

ناشطة في رابطة عائلات قيصر تحمل صور لضحايا نظام الأسد - AFP
هل يمكن للعدالة أن تشفى من جراح الحرب في سوريا، وهل تتحول محاكمات مجرمي الحرب إلى اختبار حقيقي للإنصاف؟
تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تسعى الحكومة السورية لتحقيق العدالة عبر محاكمة شخصيات من النظام السابق متورطة في جرائم حرب، كجزء من مسار العدالة وإعادة الثقة بالمؤسسات، لكن حقوقيون يرونها اختباراً لجدية الحكومة.
- تواجه العدالة الانتقالية في سوريا تحديات بسبب تشابك الجرائم مع مصالح إقليمية ودولية، مما يتطلب توافقاً وطنياً ودعماً دولياً، مستلهمة من تجارب دولية مثل جنوب إفريقيا.
- رغم التزام الحكومة بمعايير العدالة، يشعر الناجون بالخذلان، مطالبين بقوانين واضحة وقضاء مستقل وجبر الضرر لضمان عدم تكرار المآسي.

تصف وزارة العدل في الحكومة السورية الاعتقالات المتكررة التي طالت شخصيات أمنية وعسكرية بارزة كانت متورطة في جرائم وانتهاكات خلال حقبة حكم نظام الأسد المخلوع بأنها "جزء من مسار العدالة وإعادة الثقة بالمؤسسات"، في حين يرى حقوقيون ومراقبون أن هذه الخطوات تمثل اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة في محاسبة رموز النظام المخلوع وملاحقة المتورطين في جرائم الحرب، ولقدرتها على تحويل المحاكمات من مجرد إجراءات شكلية إلى مسار حقيقي يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

يفتح اعتقال مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات بحق المدنيين، الباب واسعاً أمام تساؤلات السوريين حول مستقبل العدالة في بلادهم، وحول ما إذا كانت هذه المحاكمات بداية فعلية لمحاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء، أم أنها مشهد سياسي لإعادة إنتاج الثقة المفقودة.

وفي بلد مثقل بالانتهاكات مثل سوريا، تبدو العدالة اليوم ليست ترفاً قانونياً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية لترميم ما تهشم من الذاكرة العامة، فهي الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، والضمان الوحيد لئلا تتكرر المآسي نفسها في جيل جديد لم يعرف الحرب لكنه قد يرث جراحها إن لم تتحقق العدالة.

من يُحاكم وبأي قانون وأمام أي قضاء؟

العدالة الانتقالية ليست شعاراً سياسياً ولا انتقاماً مؤجلاً، بل منظومة من الإجراءات القانونية والسياسية تهدف إلى كشف الحقيقة، محاسبة الجناة، جبر الضرر، وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية مبنية على الاعتراف لا على النسيان.

في تجارب أخرى، مثل جنوب إفريقيا ورواندا ولبنان وتشيلي، تنوعت آليات العدالة الانتقالية بين محاكم خاصة، ولجان حقيقة، وبرامج تعويض وإصلاح مؤسسات، لكنها اشتركت جميعاً في سعيها لإنهاء دائرة العنف والبدء بمستقبل قائم على المحاسبة.

وانطلاقاً من هذه التجارب، يمكن القول إن العدالة الانتقالية في أي بلد يجب أن تجيب على أسئلة محددة: من يُحاكم؟ وبأي قانون؟ وأمام أي قضاء؟ وكيف يُضمن حق الضحايا في المشاركة والمعرفة؟

في الحالة السورية، تتضاعف التحديات بفعل تشابك الجرائم مع مصالح إقليمية ودولية، ما يجعل التوصل إلى نموذج شامل مهمة معقدة تتطلب توافقاً وطنياً ودعماً دولياً.

وحتى يتحقق ذلك، يبقى السؤال الأهم: كيف يرى السوريون أنفسهم شكل العدالة، ومن أين تبدأ في وطن لم يلتئم جرحه بعد؟

من وراء القضبان ومن بقي خارجها؟

ومنذ سقوط نظام الأسد، تواصل السلطات السورية الجديدة إعلانها عن إلقاء القبض على ضباط ومسؤولين سابقين تورطوا في جرائم حرب وانتهاكات جسيمة خلال حكم النظام المخلوع.

ووفق بيانات وزارة العدل، يخضع عدد منهم الآن للمحاكمات، في حين تُجرى التحقيقات مع آخرين. وفيما يلي أبرز الأسماء التي ألقي القبض عليها بترتيب زمني:

  • اللواء محمد حسن (كنجو)، النائب العام العسكري بسجن صيدنايا، المعروف بلقب "سفاح صيدنايا"، ألقي القبض عليه في كانون الأول 2024 بعد اشتباك مسلح مع مجموعة موالية له.
  • اللواء إبراهيم حويجة، رئيس المخابرات الجوية الأسبق، متورط في عمليات اغتيال واسعة أبرزها اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، اعتقل في آذار 2025.
  • اللواء محمد إبراهيم الشعار، وزير الداخلية الأسبق وعضو خلية الأزمة، سلم نفسه في شباط 2025 ويحاكم الآن أمام القضاء.
  • المفتي أحمد حسون، مفتي الجمهورية السابق، ألقي القبض عليه في أثناء محاولته الفرار عبر مطار دمشق في آذار 2025.
  • اللواء الطيار عماد نفوري، أحد أبرز القادة العسكريين في سلاح الجو والمسؤول عن مئات الغارات التي استهدفت المدنيين، اعتقل في نيسان 2025 في حلب.
  • العميد رامي إسماعيل، مدير إدارة المخابرات الجوية في الساحل، ألقي القبض عليه في تموز 2025 في أثناء محاولته الهروب إلى لبنان.
  • وسيم الأسد، ابن عم بشار الأسد، وأحد أبرز تجار المخدرات، اعتقل في حزيران 2025 بدمشق.
  • العميد رياض الشحادة، رئيس فرع الأمن السياسي بدمشق، ألقي القبض عليه في تموز 2025 بعد ملاحقة استمرت أسابيع.
  • ناريمان مصطفى حجازي، المعروفة بلقب "جزارة داريا، شاركت في مجازر داريا وجديدة الفضل، اعتقلت في أيار 2025 في طرطوس.
  • العميد دعاس حسن علي، رئيس فرع أمن الدولة في دير الزور، متورط في جرائم وعمليات فساد واسعة، ألقي القبض عليه في حزيران 2025.

كما أعلنت السلطات عن اعتقال شخصيات أخرى مثل: اللواء ميزر صوان، والعميد موفق حيدر، والعقيد زياد كوكش، والعقيد ثائر حسين، ومحمد داود ناصر المعروف بـ"قناص الأسد"، وعبد الرزاق المطلق، وعامر جديع الشيخ، ومالك علي أبو صالح، ونبيل دريوسي، إضافة إلى العميد عاطف نجيب، أحد أبرز وجوه النظام المخلوع والمسؤول عن الشرارة الأولى للثورة عام 2011.

تقول الحكومة السورية إن هذه الاعتقالات تمثل بداية مسار العدالة، لكنها لا تزال محصورة ضمن حدود "الجرائم الأشد جسامة"، في حين يرى حقوقيون أن نجاح هذا المسار يتوقف على ما إذا كانت العدالة ستصل إلى جميع المسؤولين بغض النظر عن رتبهم، لا أن تختزل في رموز محددة أو صفقات سياسية.

العدالة في اختبار الإنصاف

على الطرف الآخر من قاعة المحكمة، لا يقف المجرمون وحدهم، بل تقف ذاكرة السوريين المثقلة بالغياب، فهؤلاء الذين فقدوا أبناءهم أو نجوا من الاعتقال لا ينظرون إلى المحاكمات كلحظة انتقام، بل كلحظة انتظار للإنصاف الذي تأخر سنوات.

وبين الأمل الذي تحمله عناوين "العدالة" والخذلان المتراكم في القلوب، تتقاطع رؤى الناجين وذوي الضحايا حول سؤال واحد: كيف يمكن أن تتحقق العدالة في بلد لم تدفن فيه الجثث بعد، ولم تكشف بعد الحقيقة كاملة؟

تقول سمية عز الدين الفرج، وهي شقيقة معتقلين أحدهما قضى تحت التعذيب، إن المحاكمات الحالية "اختبار واقعي لمدى جدية السلطة في تحقيق العدالة"، موضحة أن تعامل القضاء مع المجرمين "سيكشف إذا كان في إنصاف فعلي أم مجرد استعراض".

وتضيف السيدة سمية أن العدالة بالنسبة إليها يجب أن تكون علنية وشفافة وتحترم الإنسان، لأن "القصاص لا يعني الانتقام، بل رد الكرامة".

في المقابل، يرى حسن صبح، شقيق معتقل مفقود، أن العدالة الحقيقية تبدأ من الاعتراف، ويقول إن "المحاكمات الحالية ما بتعني إلي شي، العدالة لما يكون لأخي قبر أزوره، ولما أشوف اللي قتله واقف قدام القاضي".

من جانبه، يشير أيمن الجبلي، وهو من ذوي الضحايا، إلى أن الإنصاف في الحالة السورية معقد لأنه "ليس فقط قانوني، بل هو مجتمعي كمان"، معتبراً أن العدالة الحقيقية يجب أن تشمل "كل سلسلة الجريمة، ولا تقتصر فقط على من قام بالفعل الإجرامي المباشر أو الأخير، بل تبدأ بمن وشى وكتب التقرير وصولاً إلى الذي نفذ داخل الزنزانة".

وتعليقاً على ذلك، أكد المتحدث باسم وزارة العدل السورية، عبد الله الشيباني، أن المحاكمات الجارية لمجرمي الحرب ومرتكبي الانتهكات "تلتزم بأعلى معايير العدالة وعلنية الجلسات، مع اتخاذ إجراءات لحماية الشهود".

ومع ذلك التأكيد، يشير ذوو الضحايا إلى أن العدالة لا تقاس بالتصريحات أو البيانات الرسمية، بل بما يترجم فعلياً على الأرض من خطوات تعيد الثقة بالمؤسسات، وتؤكد جدية الدولة في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

أي عدالة يريدها السوريون؟

بعد أن تحدث الناجون وذوو المعتقلين عن رؤيتهم للمحاكمات الجارية ومدى عدالتها، يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً: أي عدالة يريدها السوريون فعلاً؟ وهل هي عدالة القانون والعقاب، أم عدالة الذاكرة والاعتراف؟

في شهاداتهم، تتقاطع أصوات الغضب والرغبة في القصاص مع حاجة دفينة إلى الكرامة والإنصاف، لتشكل ملامح مفهوم جديد للعدالة في بلد ما زال يتلمس طريقه نحو الحقيقة.

تقول سوسن الهبالي، وهي ناجية من الاعتقال وشقيقة شهيد توفي تحت التعذيب، إن محاكمة المجرمين "هي جزء من العدالة، لكنها ما بتكفي"، وتضيف أن العدالة الحقيقية تبدأ "من تطبيق أقسى العقوبات على كل المتورطين، من الحراس حتى أعلى الضباط، دون مساومات"، مشددة على حماية الشهود وعلنية المحاكمات.

أما سمية عز الدين الفرج فترى أن العدالة التي تريدها "ما عاد بدها تكون العين بالعين، بدها تكون عدالة إنسانية تحترم الكرامة وتمنع التسييس".

وتضيف السيدة سمية أنه "ربما في مكان عميق بداخلي أتمنى أن تكون العدالة مثل ما كانت في شريعة حمورابي (العين بالعين والسن بالسن) لكننا اليوم في زمن مختلف، ولا نريد أن نكون مثل من ظلمونا".

ويعبر حسن صبح عن رؤيته ببساطة قائلاً إن العدالة "أنو كل اللي شاركوا باعتقال أخي وتعذيبه يكونوا خلف القضبان، مهما كانت المحكمة، وطنية أو دولية، ما بيهمني الشكل المهم النتيجة".

ورداً على ذلك، قال مسؤول في وزارة العدل إن "النموذج الأمثل للمحاكمات هو المحاكم الوطنية التي تعمل وفق القانون السوري وتستفيد من الدعم الفني الدولي"، مؤكداً أن "المحاكم ستكفل حق الدفاع وتضمن علنية الجلسات".

ويرى ذوو الضحايا أن الخطاب الرسمي، رغم تأكيده على معايير العدالة، يبقى "بارداً"، وما يزال بحاجة إلى خطوات عملية تظهر التزاماً حقيقياً بالمحاسبة، لأن العدالة في نظرهم تبنى بالفعل لا بالوعود.

كيف تصبح العدالة عادلة حقاً؟

وبعيداً عن شكل العدالة المنشودة، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن ضمان أن تكون هذه العدالة عادلة حقاً، لا مجرد عنوان رمزي أو وعد مؤجل؟

يرى الناجون وذوو الضحايا والحقوقيون المعنيون بالقضية أن العدالة لا تكتمل بالمحاكمات وحدها، بل تحتاج إلى قوانين واضحة، وقضاء مستقل، وإشراك حقيقي للضحايا في مسارها، حتى لا تتحول قضيتهم إلى رقم في ملف أو مادة في بيان رسمي.

يقول محمد الهندي، وهو ناشط حقوقي وابن معتقل قضى تحت التعذيب وشقيق معتقل، إن العدالة "لا تتحقق بالمحاكم وحدها، بل يجب أن تنصف المتضررين وتصلح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم".

ويضيف الهندي أن العدالة الحقيقية "تقوم على جبر الضرر، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً، حتى لا تبقى المحاكمات مجرد إجراء قانوني منفصل عن آلام الناس".

من جانبه، يرى أيمن الجبلي أن العدالة تبدأ "بكشف مصير المفقودين وتنفيذ الأحكام بسرعة وتعويض الضحايا"، مؤكداً أن معرفة الحقيقة "أول خطوة بالإنصاف".

وتشدد سوسن الهبالي على أن "العدالة لازم تكون شفافة وعلنية، لأن السرية بهيك قضايا بتخلي الناس تشك حتى بالحق".

وأكد المتحدث باسم وزارة العدل أن الوزارة "تعمل على دمج حقوق الضحايا ضمن مسار العدالة الانتقالية"، مضيفاً أن ذلك يشمل "التعويض المادي والمعنوي والحق في معرفة الحقيقة".

ويرى الناجون وذوو الضحايا وحقوقيون أن العدالة لن تكتمل إلا من خلال إجراءات ملموسة تترجم الوعود إلى واقع، وتتيح مشاركة فعلية للضحايا في مسارها بوصفهم طرفاً أساسياً فيها، لا مجرد موضوع لها.

بين الخطاب الرسمي وآلام الضحايا: وجهان للعدالة

في ظاهر المشهد، تبدو تصريحات الحكومة متماسكة ومنسقة لغوياً، حيث تتحدث وزارة العدل عن "دمج حقوق الضحايا في مسار العدالة"، و"علنية المحاكمات"، و"تعزيز المصالحة الوطنية"، إلا أن خلف هذه اللغة القانونية، يظهر شعور بالخذلان لدى الضحايا وذويهم، الذين يرون أن العدالة الحقيقية ما تزال بعيدة.

ففي الوقت الذي تضع فيه السلطات مسار العدالة ضمن أطر بيروقراطية محكومة بالسيادة، ما زال الناجون ينتظرون خبراً واحداً بسيطاً: أن يُعرف مصير أحبتهم، وأن يُعترف بما جرى.

تقول إحدى الناجيات من المعتقل إن "كل بيان حكومي عن العدالة يذكرنا بالسنوات التي كان نظام الأسد ينكر فيها وجود المعتقلين أصلاً".

ويمكن القول إن الهوة بين النص الرسمي ووجع الناجين وذوي الضحايا ليست لغوية فقط، بل قيمية أيضاً، ففي حين تشدد الحكومة السورية على "الاستقرار" و"المصالحة"، يطالب السوريون بـ"الاعتراف والمحاسبة".

وفي حين تتحدث السلطات عن "إعادة الثقة بالمؤسسات"، يقول أهالي المعتقلين إن الثقة لا تبنى ببيانات، بل بتقديم المجرمين للمحاكمات العادلة، وبضمان أن لا يتكرر ما حدث أبداً.

فالعدالة، في نظر الدولة، تبدو مساراً قانونياً منضبطاً، أما في نظر الضحايا، فهي استعادة لصوت صودر، واعتراف بجريمة لم تُسمّ باسمها بعد.

وبين هذين المفهومين، تبقى العدالة الانتقالية في سوريا في مرحلة اختبارها الأصعب: أن تثبت أنها قادرة على تضميد الجراح من دون أن تنكرها، أو أن تكون جسراً نحو المستقبل، لا غطاء لماض لم يُحاسب بعد.

العدالة كامتحان للسلطة والضمير

يعتبر الصحفي محمد الحموي أن العدالة التي يستحقها السوريون "يجب أن تكون ضمن مسار وطني ودولي متكامل يعيد للضحايا كرامتهم وحقوقهم، ويحاسب المجرمين، ويفتح الباب أمام دولة جديدة لا تبنى على الخوف والقمع".

ويضيف الحموي أن هذا المسار لا يكتمل إلا بوجود قضاء مستقل، وحماية للشهود، وتوثيق مهني للجرائم، ومراقبة دولية "تمنع تحويل العدالة إلى صفقة سياسية".

لم تبدأ العدالة الانتقالية في سوريا بعد فعلياً، لكنها أصبحت امتحاناً للسلطة ولضمير السوريين معاً، وهي ليست مجرد ملفات قضائية، بل ذاكرة وطن بكامله، معلقة بين الرغبة في الإنصاف والخوف من النسيان، فهل يمكن للعدالة أن تبنى فوق ركام الخوف، وهل يكفي اعتقال القتلة ومجرمي الحرب لتشفى ذاكرة أمة؟