العدالة تبدأ من الداخل.. ملاحظات على زيادة رواتب القضاة في سوريا

2025.09.10 | 05:59 دمشق

2552543
+A
حجم الخط
-A

في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها سوريا، جاء قرار وزارة العدل برفع رواتب القضاة كخطوة طال انتظارها، في خطوة وُصفت بأنها إصلاحية وتهدف إلى تعزيز استقلال القضاء.

غير أن هذا القرار، في بنيته وآلية تطبيقه، يكشف عن خلل بنيوي في فهم العدالة داخل المؤسسة القضائية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى اتساقه مع مبادئ الإنصاف الوظيفي، والتوزيع العادل للموارد، والشفافية المؤسسية.

اليوم، لا يمكن الحديث عن استقلال القضاء بمعزل عن الكفاية المالية للقاضي. فالقاضي الذي يخضع لضغوط معيشية أو يشعر بعدم الإنصاف في تعويضه، يصبح عرضة للتأثيرات الخارجية، ويفقد جزءًا من قدرته على ممارسة دوره كضامن للعدالة. من هنا، فإن رفع رواتب القضاة لا يُعد ترفًا وظيفيًا، بل هو شرط بنيوي لضمان نزاهة السلطة القضائية واستقلالها.

لكن هذه الضرورة لا تعني أن أي زيادة مالية تحقق الهدف المنشود. فالمعيار ليس في حجم الزيادة فقط، بل أيضًا في آلية توزيعها، ومدى اتساقها مع مبادئ العدالة المهنية. إن تجاهل الأقدمية، وتغليب المنصب الإداري على الكفاءة، وتحويل التعويضات إلى أدوات تمييز، كلها مؤشرات على خلل في فهم وظيفة القضاء، وعلى غياب رؤية إصلاحية حقيقية.

أولًا: التمييز داخل الغرفة القضائية الواحدة

من أبرز مظاهر الخلل في القرار الأخير هو التفاوت الصارخ في الرواتب والتعويضات بين القضاة العاملين ضمن نفس الهيئة أو الغرفة القضائية. ففي حالات متعددة، يتقاضى قاضٍ راتبًا يفوق زميله الذي يؤدي ذات المهام، لمجرد أنه يشغل منصبًا إداريًا، بغض النظر عن الأقدمية أو الدرجة الوظيفية. بل إن بعض القضاة الجدد، ممن لم يمضِ على تعيينهم سوى أشهر، يتقاضون رواتب أعلى من زملاء لهم لديهم خدمة أطول.

هذا النوع من التمييز لا يُفسَّر إلا بغياب معيار موضوعي في توزيع الرواتب، ويؤدي إلى تقويض مبدأ العدالة المهنية داخل المؤسسة القضائية. كما أنه يخلق بيئة خصبة للغبن والتوتر والانقسام، ويُضعف روح الزمالة والتكافل بين القضاة، وهي عناصر أساسية لضمان استقلال القرار القضائي وتماسكه.

القرار الأخير برفع رواتب القضاة كشف عن فجوة كبيرة بين القضاة وباقي العاملين في الجهاز القضائي، من كتّاب ومحضرين وموظفي إدخال البيانات.

ثانيًا: تغييب معيار الأقدمية والدرجة.. مكافأة المنصب لا الكفاءة

في أي منظومة قضائية تحترم نفسها، تُعد الأقدمية والدرجة الوظيفية من الركائز الأساسية في تحديد الرواتب والتعويضات. فهي تعكس تراكم الخبرة، والاستحقاق المهني، والالتزام طويل الأمد بالمهنة القضائية. لكن القرار الأخير تجاهل هذا المعيار بشكل فاضح، وفضّل الموقع الإداري كعامل حاسم في تحديد الأجر، مما أدى إلى قلب منطق المكافأة رأسًا على عقب.

هذا النهج لا يُضعف فقط الحافز لدى القضاة الأقدم، بل يخلق شعورًا باللاعدالة داخل الجسم القضائي، ويحوّل الترقيات إلى مسألة حظ أو علاقات، بدلًا من أن تكون نتيجة طبيعية للكفاءة والالتزام. كما أنه يُفرغ مفهوم "الدرجة القضائية" من محتواه، ويُضعف من هيبة التسلسل الوظيفي، ويُكرّس منطقًا إداريًا هشًا لا يستند إلى معايير مهنية واضحة.

ثالثًا: الفجوة بين القضاة والموظفين الإداريين

القرار الأخير برفع رواتب القضاة كشف عن فجوة كبيرة بين القضاة وباقي العاملين في الجهاز القضائي، من كتّاب ومحضرين وموظفي إدخال البيانات. ففي حين تجاوزت رواتب بعض القضاة حاجز 1000 دولار شهريًا، بالكاد يحصل الموظف الإداري على 250 أو 300 دولار، رغم أن العملية القضائية لا تكتمل دون مساهمته المباشرة في الإجراءات والتنفيذ.

هذا التفاوت لا يمكن تبريره بمنطق "أهمية الدور"، لأن العدالة ليست نتاج فرد، بل منظومة متكاملة تتطلب تنسيقًا بين القاضي والكاتب والمحضر والموظف الفني. إن تكريس هذا الفارق المالي يعكس نظرة هرمية قاسية، تُضعف روح الفريق داخل المؤسسة، وتحوّل بيئة العمل القضائي إلى فضاء من التراتبية والتذمر، بدلًا من أن تكون فضاءً للتكامل والتعاون.

كما أن هذا التفاوت يُضعف من كفاءة الأداء العام، إذ يشعر الموظف الإداري بالتهميش، ويُفقده الحافز لتقديم خدمة قضائية فعالة، مما ينعكس سلبًا على جودة العدالة المقدمة للمواطن.

رابعًا: نشر الرواتب على الملأ

يُعتبر نشر رواتب القضاة والموظفين أمرًا غير مألوف في الأنظمة القضائية الرصينة، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بخصوصية القضاة، وفتح الباب أمام التأويلات والضغوط، بل وربما الاستهداف الشخصي. فالقاضي، بحكم موقعه الحساس، يحتاج إلى قدر من الحصانة المهنية التي تقيه من أي تأثير خارجي قد ينعكس على استقلالية قراره.

إن الكشف العلني عن تفاصيل الرواتب لا يخدم مبدأ الشفافية بقدر ما يهدد هيبة السلطة القضائية، ويعرض أفرادها لموجات من النقد أو الاستغلال، خاصة في بيئات تعاني من اضطرابات اقتصادية أو سياسية. كما أن هذا النشر يُضعف من تماسك الجسم القضائي، ويُغذي المقارنات الداخلية، ويُكرّس الشعور بالغبن بين القضاة أنفسهم، بدلًا من أن يُعزز روح الانضباط والثقة المهنية.

إن الحفاظ على خصوصية الرواتب القضائية ليس امتيازًا، بل ضرورة مؤسسية لضمان نزاهة العدالة واستقرارها.

إذا كان الهدف من رفع الرواتب هو بناء سلطة قضائية مستقلة ونزيهة، فإن الطريق لا يمر عبر الأرقام وحدها فقط، بل أيضًا عبر بنية توزيع عادلة، ورؤية مؤسسية متماسكة.

خامسًا: الاستفادة من التجارب الدولية

في العديد من الأنظمة القضائية حول العالم، يُنظر إلى هيكل الرواتب القضائية كأداة استراتيجية لضمان استقلال القضاء، وليس مجرد بند مالي في ميزانية الدولة. والتجارب الدولية تُظهر أن العدالة في الرواتب لا تتحقق برفعها فقط، بل بتوزيعها وفق معايير موضوعية، تضمن الإنصاف وتحفّز الأداء، وتُحصّن القضاة من الإغراءات دون أن تُكرّس التفاوتات الداخلية.

  • في فرنسا يتم الاعتماد على سلم قضائي موحّد يرتكز على الأقدمية والدرجة، مع زيادات طفيفة للمهام الخاصة مثل النيابة العامة أو محكمة النقض. هذا النموذج يُقلل من التمييز ويُعزز الانسجام المهني.

  • في ألمانيا يتم ربط رواتب القضاة بمستوى مرتفع يفوق متوسط رواتب القطاع العام بثلاثة أضعاف، لضمان تحصينهم من أي تأثير خارجي، دون خلق تفاوتات داخلية تُضعف الثقة المؤسسية.

  • أما في المغرب، فبعد إصلاحات 2011، تم إنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يشارك في تحديد الرواتب والتعويضات، منعًا لهيمنة السلطة التنفيذية، وضمانًا لاستقلال القرار المالي.

هذه النماذج تؤكد أن العدالة المالية داخل السلطة القضائية لا تُبنى على الامتيازات، بل على الإنصاف، والاستقلال، والشفافية في آليات التوزيع. وهي دروس ينبغي أن تُؤخذ بعين الاعتبار في أي محاولة إصلاحية داخل السياق السوري، إذا أُريد لها أن تكون جادة ومستدامة.

المطلوب: إصلاح قضائي حقيقي

إذا كان الهدف من رفع الرواتب هو بناء سلطة قضائية مستقلة ونزيهة، فإن الطريق لا يمر عبر الأرقام وحدها فقط، بل أيضًا عبر بنية توزيع عادلة، ورؤية مؤسسية متماسكة. الإصلاح المالي يجب أن يكون جزءًا من إصلاح شامل، لا إجراءً يُكرّس التفاوتات ويُضعف الثقة الداخلية. ولتحقيق ذلك، لا بد من اعتماد المبادئ التالية:

  • سلم رواتب موحّد وعادل يرتكز على الأقدمية والدرجة، مع هامش محدود للتمييز الوظيفي المرتبط بالمهام ذات الطابع الخاص.

  • إلغاء التمييز داخل الغرفة القضائية الواحدة، بحيث لا يُكافأ المنصب الإداري على حساب الكفاءة والخبرة.

  • إشراك القضاة أنفسهم في وضع آلية الرواتب والتعويضات، لضمان استقلال القرار المالي عن السلطة التنفيذية.

  • ربط الإصلاح المالي بإصلاح مؤسسي شامل يشمل التعيينات، التدريب، ضمانات الاستقلال، وتطوير البنية التحتية للمحاكم.

إن العدالة لا تُبنى على الامتيازات، بل على الإنصاف، والشفافية، والتكافؤ المهني. وأي إصلاح لا يستند إلى هذه القواعد سيظل هشًا، مؤقتًا، وعرضة للانهيار أمام أول اختبار حقيقي.

العدالة لا تُشترى.. بل تُبنى

العدالة تبدأ من داخل المؤسسة القضائية، من شعور القاضي بأنه جزء من منظومة عادلة، لا مجرد موظف محبط. وعندها فقط، يمكن أن يصبح القضاء سلطة حقيقية، لا وظيفة متذمرة، ويؤدي رسالته كركيزة لسوريا الجديدة.