العالم يتغير ... إيران ستتغير؟!

تاريخ النشر: 24.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 26.11.2018 | 03:51 دمشق

الأسباب كثيرة تلك التي دفعت كازاخستان "بشكل طوعي"، إلى التخلص من ترسانتها النووية الضخمة جداً، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، لتذهب سدى أربعمئة وستة وخمسون اختباراً نووياً تم إجراؤها في هذا البلد على يد السوفيات أنفسهم، بين سنوات 1949 و1989، استقلت كازاخستان عام 1991، وأغلقت موقع سيمي "بلاتينسيك" للتجارب النووية التي طالت إشعاعاتها أكثر من مليون ونصف إنسان، والسؤال الكبير لماذا؟!.

تسربت دعاية في التسعينيات، وجدَتْ لدي وأنا أقرؤها اليوم شيئا من التصديق، بأن وسطاء أذربيجانيين وكازاخستانيين وروس، باعوا رؤوسا نووية سوفييتية من جيل الستينات، اشترت إيران ثلاثة منها، ما دفعني للتصديق هو تزامن هذه الدعاية يومها مع إعلان "سي أي إيه" تنفيذها عملية غير مسبوقة، بتهريب مئة كيلوغرام من اليورانيوم السوفييتي المخصب من كازاخستان إلى أمريكا، وربما كل ما فعلته "سي آي إيه" يومها هو شراء اليورانيوم حالها حال جميع من اشترى، ثم نقلها بالطائرة إلى الولايات المتحدة، ولنتذكر اعتماد الولايات المتحدة وجهاز مخابراتها على شاب عراقي يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما، استطاع إقناع إدارة الرئيس بوش الابن بأن لدى العراق مواقع تجارب نووية.

هنالك فرضية تقول بأن الملف النووي خدعة، وكما تستخدم صناعة السلاح كخدمة للتجارة، فإن صناعة السلاح وأخباره تستخدم كذلك للهدف الاقتصادي نفسه.

لنقوم بجردة سريعة على الشرق الأوسط، لنقم باستطلاع في سوريا والعراق، ونسأل المواطنين هل تخافون من القنبلة النووية؟!، يقول خبراء بأن معظم المدن السورية، تلقت كل منها ما يعادل من ثلاث قنابل نووية في بعض المناطق إلى خمسة قنابل نووية في بعض المناطق الأخرى، نسبة إلى الدمار والضحايا، لذا وربما لم يعد هذا السلاح يخيف أحدا في منطقتنا التي شبعت نارا، فإذا كان لدى إيران ثلاثة رؤوس نووية، فإنها غير فعالة بالغالب، وأما إذا تم سحب اليورانيوم منها فهي لا تشكل خطراً، أو قدرة على إنتاج قنبلة ذرية فعالة، وربما إيران التي قصدها بعض العلماء الروس، كما قصد آخرون أوروبا والصين وأمريكا والهند وباكستان، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، و بعد أن أصبح مرتب العالم الروسي لا يتجاوز 3 دولارات حينها، ربما بدأت بعض التجارب النظرية، والمفضوحة، بحكم علاقات هؤلاء العلماء بزملائهم في بلدان أخرى وأجهزة مخابرات، يوم تحول العلماء الروس إلى مرتزقة حقيقيين.

"لم ولن يتم ضرب إيران، بل ستستمر المشكلة الدبلوماسية العالمية معها، لأن بلاد العم سام تعرف بالضبط ماذا تملك بلاد فارس، بينما ضرب العراق حين اعتمد على خبرات محلية"

وبكل حال فإن التقنية النووية لم تعد سرا، بل لم تعد أهمية كبرى حين يتحدث سيد البيت الأبيض عن قوات في الفضاء، وحين نعلم أن هناك ما هو أشد فتكا، نفهم تخلي الديكتاتور الصغير "كيم" عن مغامراته، حتى لو كان هذا التخلي ضمن صفقات معينة، وبمناسبة الحديث عن كوريا الشمالية، فنحن الصحفيون ناقلون لا نملك الحقيقة، نحن جزء من النظام العالمي وصفقاته السرية، موكل إلينا أن ننقل لكم ما يصلنا عبر وكالات الأنباء، والمؤتمرات الصحفية، لكننا للأسف لم نكن نعرف مثلا بزيارة رئيس جهاز المخابرات الأمريكية "مايك بومبيو" إلى بيونغ يانغ في نفس اليوم الذي نقلنا لكم فيه خبرا مفاده بأن العالم على صفيح ساخن، يوم كان ترامب وكيم يتبادلان الشتائم والتهديدات الجدية!.

لم ولن يتم ضرب إيران، بل ستستمر المشكلة الدبلوماسية العالمية معها، لأن بلاد العم سام تعرف بالضبط ماذا تملك بلاد فارس، بينما ضرب العراق حين اعتمد على خبرات محلية، أدت إلى شح المعلومات بشأن ترسانته، وأبحاثه، وتجاربه، لدى أجهزة المخابرات العالمية.

هناك دول في المنطقة تتعامل مع الملفات الإقليمية والتغييرات العالمية بسذاجة، فالدول المحكومة بأفراد تتفرغ أجهزة مخابراتها لحماية هؤلاء الأفراد، لا تدرك هذه الدول، ولا تريد أن تدرك أن الملف النووي، ملف اقتصادي ولعبة تجارية بحتة، لنلاحظ الخلاف الأوروبي الأمريكي، بعد الاتفاق كادت إيران أن تعيش بحبوحة بفك العقوبات عنها، واستفادت أوروبا من عقود بمليارات "اليوروهات" في طهران، بينما شعرت واشنطن أنها تعرضت للغبن، وأن الملف تم إنهاؤه بشكل غير مناسب وغير مفيد لها.

وصل ترامب "التاجر" إلى البيت الأبيض، ألغى الاتفاق، ابتز دولا خليجية، لأجل ذلك، ثم ابتز أوروبا، معتبرا أن العالم مستعمرة أمريكية، ويجب على الجميع الدفع، الأوربيون قبل العرب، الشريك الأوحد الذكي لواشنطن في هذه المسرحية هي إسرائيل، لاحقا سيسرب لنا لننقل لكم، أن ترامب أخطأ وأن إيران تعمل على التخصيب ويجب منعها ويجب أن تتسلحوا من جديد وهكذا …!

لكن هل من أنباء جيدة ستحملها هذه المسرحية هو سؤال مشروع، وكي نحاول الإجابة عليه يجب أن نتذكر المظاهرات الإيرانية العارمة في شوارع العاصمة طهران، التي نادت بسقوط خامنئي، والتي ما تزال نارا تحت رماد، ولنتذكر تصريحات ترامب ومساندته للشعب الإيراني في نفس خطاب نقض الاتفاق، الحراك القادم سيكون الأخير في إيران، ليس لأن هذا النظام عدو للنظام العالمي الاقتصادي، أو لأنه عدو للإمبريالية الصاعدة على يد ترامب، بل لأن دوره انتهى، ولم يعد مخيفا لشعوب المنطقة، وحان وقت تغيير جزئي، يحرك المال العربي الساكن، لقد خسرت الحكومة الإيرانية ومرجعيتها الدينية انتصارها المعنوي بإلغاء الاتفاق النووي، الذي صدعت به رؤوس مواطنيها، ووعدتهم بإصلاحات اقتصادية وبحبوحة، إلغاء الاتفاق هو دفعة سيكولوجية للإيرانيين ضد نظام الثورة، لذا سيتم على الأقل استبدال الوجوه، وليس هناك حتى فرصة، ليراجع هؤلاء مشغليهم ويطلبون منهم لعب أدوار أخرى، وهذا جيد بالنسبة لنا للشعوب المقهورة التي شبعت حربا وقهرا وفقرا وقتلا.

الأخبار الجيدة هي أن مرحلة الاستبدال سوف تتضمن محاولات إيرانية لتقديم القرابين للعم سام، لإطالة عمر النظام الإيراني، سيقدم النظام الإيراني "كبش فداء" أو أكثر، وهو يملك واحدا في جنوب بيروت، مكروه محليا، سرق لبنان من فرنسا، وحول البلد الفرانكفونية ومشروع الديمقراطية المخملية، إلى قط مشاكس عابث، وتمتلك "كبشا" آخر في دمشق، لا يعترف أحد حتى الآن وعلى رأسهم روسيا بملكيتها له أصلا، بل يعتبر حصة فرنسية روسية، وتمتلك "كبشا "سمينا" في العراق" سرقته من أمريكا أوباما، الذي اعتقد أنها سوف تديره بشكل جيد، لتحوله باباً لتغولها، ثم لتتفاجئ بأمريكا ترامب ذي العقلية الاقتصادية الجشعة، الذي ساءته الصفقة التي استفاد منها الإيرانيون والأوروبيون وحدهم.

في الختام فإن الإمبريالية الصاعدة بقيادة ترامب، تشعر اليوم بالغبن، يذكرنا ذلك بما بعد الحرب العالمية الثانية، واختراع "البترودولار"، الذي حاول الأوروبيون محاربته ولم ينجحوا بقيادة الفرنسي شارل ديغول، وبالتالي نشهد اليوم صراعا بين "الفيلة" يلوح بالأفق، -أوروبا والصين وأمريكا وروسيا-، على شكل العالم الجديد الذي يريد ترامب فرضه، ولكم أن تتخيلوا التغييرات الدراماتيكية غير المسبوقة في السعودية وأسبابها، وتخيلوا أيضا حجم المرشد في صراع كهذا، والدكتاتوريات الصغيرة أيضا، نتبعها بالميليشيات السياسية والاقتصادية المسماة ظلما بالطائفية، كيف سيأكل بعضهم بعضا، وبمعنى لعبة الورق، "انتهى الفت العب أوراقك".

 

 

كلمات مفتاحية