icon
التغطية الحية

العاصفة المطرية تكشف عورة شوارع دير الزور.. من المسؤول؟

2026.04.06 | 16:10 دمشق

أحد سكان سوق الجبيلة يحاول فتح تصريف المياه في وسط الشارع - خاص تلفزيون سوريا
أحد سكان سوق الجبيلة يحاول فتح تصريف المياه في وسط الشارع - خاص تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا - سامر العاني
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تحديات البنية التحتية في دير الزور: كشفت العاصفة المطرية عن ضعف البنية التحتية، حيث غمرت المياه الشوارع وعطلت الحركة في الأسواق والطرق، مما أثار تساؤلات حول كفاءة التخطيط العمراني.

- تأثير الأمطار على الحياة اليومية: تسببت الأمطار في شلل الحركة لمدة يومين، مما أثر على النشاط التجاري في الأسواق المزدحمة وصعوبة التنقل بسبب الطرق غير الصالحة للسير.

- الأسباب الهندسية والحلول المقترحة: تعود مشكلة تصريف المياه إلى سوء تنفيذ المشاريع، واقترح مختصون استخدام مواد أكثر ملاءمة وتحسين التخطيط الفني والرقابة لتحسين البنية التحتية.

يحاول بعض المدنيين في دير الزور فتح منافذ لتصريف المياه في شوارع دير الزور، بعد أن تحولت العاصفة المطرية التي ضربت المدينة خلال الأيام الماضية إلى اختبار حقيقي للبنية التحتية فيها، ولا سيما شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، فقد شهدت شوارع رئيسية وأحياء مأهولة طوفانات غير مسبوقة أدّت إلى تعطّل الحركة في الأسواق والطرق الحيوية، وأعادت الحديث حول كفاءة أعمال التعبيد والتخطيط العمراني في المدينة.

يمكن تقسيم دير الزور، من حيث تأثير الأمطار، إلى قسمين رئيسيين، يتمثل الأول في الأحياء التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات القصف الذي نفذه النظام المخلوع، وهي مناطق من الطبيعي أن تفتقر إلى شبكات فعالة لتصريف مياه الأمطار بسبب حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية فيها.

أما القسم الثاني فهو الأحياء المأهولة التي لم تتعرض لدمار كبير، بدءاً من حي الجبيلة وصولاً إلى حي الجورة، إضافة إلى الشارع الممتد من مسجد الصفا حتى كلية العلوم، وهو الشارع الوحيد الذي شهد أعمال تعبيد بعد سقوط النظام المخلوع، إلا أن المفارقة تمثلت في تعرضه أيضاً لفيضانات ملحوظة لم تكن متوقعة.

شلل أسواق دير الزور

تسببت مياه الأمطار التي غمرت شوارع دير الزور بحالة شلل شبه تام في الحركة داخل المدينة لمدة يومين، إذ تعطلت حركة السير وأغلقت العديد من الطرق الحيوية، وبرزت آثار ذلك بشكل واضح في الشوارع التجارية المزدحمة عادة مثل شارع سينما فؤاد وسوق الجبيلة، اللذين يعدان من أكثر مناطق المدينة ازدحاماً.

يقول ليث عبود، وهو صاحب أحد محال الغذائيات في سوق الجبيلة، لموقع تلفزيون سوريا، إن العاصفة أثرت بشكل مباشر على حركة البيع والشراء في السوق، موضحا أن السوق الذي يشهد عادة حركة دائمة خلا تقريباً من المارّة خلال اليومين اللذين أعقبا هطول الأمطار، مضيفاً أن مبيعاته تراجعت إلى حد شبه معدوم بسبب صعوبة وصول الناس إلى السوق بعد أن غمرت المياه الطرق المؤدية إليه.

وفي شارع سينما فؤاد، يصف صاحب أحد محال الألبسة المشهد بأنه غير مألوف في أحد أكثر شوارع المدينة ازدحاما، ويقول إن الشارع بدا شبه خالٍ من المارة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة البيع، لافتاً إلى أن الأمطار لم تؤثر فقط على المتاجر الصغيرة، بل على كامل النشاط التجاري في المنطقة لأن الزبائن ببساطة لم يتمكنوا من الوصول إلى الشارع في ظل تجمع المياه في الطرق.

أما عمر الكاطع، وهو أحد سكان حي الجبيلة، فيقول إن تأثير الأمطار لم يقتصر على الحركة التجارية بل طال الحياة اليومية للسكان. ويوضح أنه لم يتمكن من الذهاب إلى عمله أو حتى الوصول إلى الأسواق لشراء احتياجات المنزل الأساسية، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الطرق أصبح غير صالح للسير سواء للمركبات أو للمشاة.

أسباب هندسية وراء المشكلة

يرى المهندس ياسر الشيخ، الذي عمل سابقاً في مجلس مدينة دير الزور قبل اندلاع الثورة السورية، أن مشكلة تصريف مياه الأمطار في المدينة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل المتراكمة.

ويشير الشيخ في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن شبكة تصريف المياه في دير الزور كانت تُعد في السابق من أفضل الشبكات على مستوى سوريا، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية للمدينة المنحدرة باتجاه نهر الفرات، وهي طبيعة تساعد عادة على تسريع جريان المياه داخل الأنابيب وتقليل احتمالات انسدادها، ما يعني أن المشكلة الحالية لا ترتبط بضعف التصميم الأساسي للشبكة.

لكن الشيخ يلفت إلى أن أحد أبرز الأسباب يعود إلى طريقة تنفيذ مشاريع التعبيد، فبعض المتعهدين، بحسب قوله، اعتادوا تنفيذ الأعمال دون الالتزام الكامل ببنود المناقصات والمواصفات الفنية المحددة، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور مشكلات في البنية التحتية بعد فترة قصيرة من تنفيذ المشروع.

ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على المتعهدين فقط، بل تمتد أيضاً إلى آلية عمل لجان المناقصات والإشراف، فالمشاريع تمر عادة عبر ثلاث لجان رئيسية هي لجنة الإشراف، ولجنة الاستلام المؤقت، ولجنة الاستلام الدائم، غير أن هذه اللجان غالباً لا تُلزم المتعهد بإعادة تنفيذ العمل في حال وجود أخطاء، بل تكتفي برفض أجزاء من المشروع أو اقتطاع جزء من المبلغ المتفق عليه أو حجب جزء من التأمينات الأولية، ونتيجة لذلك تبقى العيوب الفنية في الشوارع كما هي دون معالجة حقيقية.

أخطاء في الميلان ومواصفات الأسفلت

يشير الشيخ إلى أن من بين الأسباب التقنية الأخرى التي تؤدي إلى تجمع المياه في الشوارع مسألة الميلان الهندسي للطريق، فمن المعروف في تصميم الطرق أن يكون هناك ميلان بسيط باتجاه فتحات التصريف الموجودة عادة على جانب الطريق، إلا أن ما يظهر في عدد من شوارع دير الزور، بحسب قوله، هو وجود ميلان معاكس لاتجاه التصريف، الأمر الذي يؤدي إلى تجمع المياه في منتصف الطريق بدلاً من انسيابها نحو المصارف.

كما يؤكد أن عملية تعبيد الطرق تمر بعدة مراحل متتالية تبدأ بمرحلة القشط ثم التصفير، يليها مد طبقة القميص الإسفلتي، وكل مرحلة من هذه المراحل لا تقل أهمية عن الأخرى، مشيراً إلى أن أي خلل في تنفيذ إحدى هذه المراحل ينعكس بشكل مباشر على المراحل اللاحقة، ما يؤدي في النهاية إلى ظهور مشكلات في سطح الطريق أو في قدرة الشارع على تصريف المياه.

ويضيف أن مواصفات مادة الإسفلت المستخدمة في بعض المشاريع قد تكون عاملاً إضافياً في تفاقم المشكلة، إذ إن جزءاً من الإسفلت المستخدم لا يطابق المواصفات الفنية المطلوبة، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور سريع في حالة الطرق ويزيد من احتمالات تشكل الحفر وتجمع المياه عند هطول الأمطار.

حلول إسعافية تثير انتقادات

في أعقاب العاصفة المطرية التي كشفت حجم المشكلات في شوارع المدينة، بادر مجلس مدينة دير الزور إلى تنفيذ أعمال ردم للحفر المنتشرة في عدد من الطرق في محاولة لمعالجة الأضرار التي خلفتها الأمطار، غير أن هذه الخطوة أثارت انتقادات من بعض المهتمين بالشأن الخدمي بعد استخدام تربة زراعية في عمليات الردم، وهو ما قد يؤدي، بحسب مختصين، إلى تفاقم المشكلة بدلاً من حلها.

وفي هذا السياق انتقد قصي الأبكع، وهو مختص بمجال الحوكمة، عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، طريقة المعالجة التي جرى اعتمادها، معتبراً أن ما تم تنفيذه لا يستند إلى معالجة فنية مدروسة.

وكتب الأبكع أن ردم الحفر بالتربة الزراعية يعني عملياً أن أول هطول للأمطار سيحوّل هذه التربة إلى طبقات من الوحل، ما سيؤدي إلى جريانها مع مياه الأمطار نحو مصارف الصرف الصحي، وهو ما قد ينتهي بانسداد الشبكات وتفاقم المشكلة بدلاً من احتوائها.

وتساءل الأبكع عما إذا كان هذا الإجراء قد تم بناءً على دراسة فنية حقيقية، مشيراً إلى أن مثل هذه الأعمال يفترض أن تتم بإشراف مهندسين مختصين قادرين على تقييم الحلول المناسبة للطرق المتضررة، خصوصاً في مدينة تعاني أصلاً من هشاشة في بنيتها التحتية بعد سنوات من الإهمال والدمار.

ولفت إلى أن البدائل الفنية لمعالجة الحفر في الطرق متوفرة داخل المدينة، موضحاً أن كميات كبيرة من الأنقاض يمكن استخدامها كحل مؤقت من خلال فرشها في الحفر ودكّها بالآليات الثقيلة لتشكيل طبقة أكثر صلابة، كما يمكن، بحسب رأيه، استخدام مواد أكثر ملاءمة مثل الحجر الأبيض المعروف محلياً بـ"الغرابية" أو البحص الصغير مع إضافة مواد رابطة مثل النفط الخام أو مخلفات الحراقات قبل دكّها لتشكيل طبقة أكثر تماسكاً وقدرة على تحمّل الظروف الجوية.

ويرى الأبكع أن اللجوء إلى هذه المواد كان من شأنه أن يوفر حلاً أكثر متانة واستقراراً مقارنة باستخدام التربة الزراعية التي تعد مادة غير مناسبة لمثل هذه الأعمال، خاصة في ظل توقع هطولات مطرية لاحقة قد تعيد المشكلة إلى الواجهة.

ويضيف أن ما يحدث لا يعكس فقط ضعفاً في التنفيذ، بل يشير أيضاً إلى هدر في الموارد المتاحة وزيادة في معاناة السكان الذين يواجهون صعوبات يومية في التنقل داخل المدينة، مؤكّداً أنّ إدارة شؤون المدن، ولا سيما في مرحلة إعادة التعافي، تتطلب قرارات مدروسة تستند إلى حلول هندسية واضحة لا إلى إجراءات سريعة قد تخلق مشكلات إضافية مستقبلاً.

وفي ختام ملاحظاته شدد الأبكع على ضرورة مراجعة مثل هذه الإجراءات الخدمية ومساءلة الجهات المسؤولة عنها، معتبراً أن تحسين واقع الطرق والبنية التحتية في دير الزور يحتاج إلى تخطيط فني دقيق ورقابة فعلية على تنفيذ الأعمال بما يضمن معالجة المشكلات من جذورها بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة قد تزيدها تعقيداً.