تكشف العودة إلى البلاد، بالنسبة إلى الأزواج المنحدرين من مناطق سورية مختلفة، خلافات ربما ظلّت مؤجلة في الغربة: أين يقيم الزوجان؟ ومن يزوران أولاً؟ وأيّ العائلتين تحظى بالأولوية؟.
وبينما يُنظر غالباً إلى منزل عائلة الزوج بوصفه المحطة الأولى والطبيعية، قد تتحول عودة الزوجة إلى أهلها، بعد سنوات من الغياب، إلى زيارة مؤجلة تحتاج إلى موافقة وترتيب.
ومع الوصول إلى أرض الوطن، تبدأ العادات والتقاليد الاجتماعية بالضغط على الحياة الزوجية للأسر التي اعتادت الاستقلالية الكاملة في بلاد اللجوء.
فلم تكن العودة إلى سوريا بالنسبة إلى "لما" (فضّلت عدم كشف اسمها بالكامل) مجرد انتقال جغرافي. فالسيدة المنحدرة من الغوطة الشرقية بريف دمشق، والمتزوجة من رجل ينحدر من منطقة القلمون، وجدت نفسها أمام خلاف كاد ينهي زواجها.
تقول "لما" إن حياتها الزوجية في الغربة كانت مستقرة، وإن زوجها اعتاد مشاركتها الرأي في القرارات المتعلقة بحياتهما. وقبل العودة، اتفق الزوجان على الإقامة بالقرب من عائلتها، لأن المنطقة أقرب إلى مكان عملها وأكثر ملاءمة لظروفهما اليومية، لكن الاتفاق لم يصمد طويلاً بعد وصولهما إلى سوريا.
اتفاق الغربة يسقط عند العودة
تروي "لما" أن زوجها تراجع عن الاتفاق، وأصرّ في البداية على الإقامة في المنطقة التي تعيش فيها عائلته. ومع تمسك كل طرف بموقفه، تصاعدت الخلافات بينهما حتى وصلت، وفق قولها، إلى الحديث عن الانفصال.
وتوضح أنها لم ترفض الإقامة بالقرب من عائلة زوجها لأسباب شخصية، بل بسبب بُعد المنطقة عن مركز المدينة ومكان عملها، وما يترتب على ذلك من أعباء يومية إضافية.
وبعد مشاجرات طويلة وتدخل عدد من المقربين، توصّل الزوجان إلى حل وسط يقضي بالسكن في منطقة محايدة، لا تنتمي إلى عائلة أي منهما.
لكن "لما" تعتقد أن الخلاف لم يكن متعلقاً بالمكان وحده. فبحسب روايتها، تعرض زوجها لضغوط عائلية جعلته يغيّر رأيه، إذ نظر بعض أفراد عائلته إلى إقامته في مسقط رأس زوجته باعتبارها أمراً معيباً، أو دليلاً على أنه "لحق مرتو".
بالنسبة إليها، كشفت العودة أن كثيراً من العادات التي غادرتها ما تزال حاضرة، ولا سيما النظرة التي تعتبر أن الزوجة مطالبة باتباع زوجها، حتى في القرارات التي تمس عملها واستقرارها وحياتها اليومية.
ويقول الدكتور طلال المصطفى، أستاذ وباحث في علم الاجتماع، إن الضغط قد يكون كبيراً عند انتقال الزوجين من بيئة عاشا فيها باستقلالية نسبية إلى أخرى تصبح فيها العائلة الممتدة والمحيط الاجتماعي القرابي أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.
ويوضح أن العلاقة الزوجية، في كثير من المجتمعات الأوروبية، تقوم عملياً على اعتبار الزوجين وحدة مستقلة تُتخذ القرارات المتعلقة بحياتها الخاصة بينهما أولاً. أما في سوريا، فلا تنفصل هذه العلاقة دائماً عن شبكة العلاقات العائلية والقرابية؛ إذ لا يُنظر إلى الزوج والزوجة بوصفهما فردين فقط، بل أيضاً باعتبارهما ابناً وابنة وكنّة وصهراً، لكل منهم أدوار وتوقعات اجتماعية.
ويضيف أن الخوف من نظرة المجتمع قد يتحول إلى قوة ضاغطة تدفع الزوجين إلى التراجع عن اتفاقاتهما، لا عن اقتناع، بل تجنباً للانتقاد أو الاتهام بأنهما "لا يحترمان الأهل" أو أنهما "تغيّرا بسبب الغربة"، لتصبح المحافظة على الصورة الاجتماعية، في بعض الحالات، أهم من راحتهما.
حتى الشوق يخضع لترتيب اجتماعي
تجربة "هالة" بدأت قبل الوصول إلى سوريا. كانت تنتظر لقاء عائلتها بعد سنوات من الغياب، في حين كانت عائلة زوجها تقيم بالقرب منهما في بلد اللجوء، ثم سبقت الزوجين إلى سوريا بنحو شهر.
تقول هالة محمد، المنحدرة من ريف دمشق والتي فضّلت الظهور باسم مستعار، إن زوجها اشترط أن يكون منزل عائلته محطتهما الأولى، وأن يمضيا الليلة الأولى فيه. أما عائلتها، فكان مسموحاً لها بزيارتها خلال النهار فقط. وفي يوم الوصول، طلب منها ألا تتوجه إلى منزل أهلها، بل أن يأتوا هم لرؤيتها في منزل عائلته.
أثار ذلك لديها سؤالاً بقي بلا إجابة: لماذا تُعامل عودة الرجل إلى أهله بوصفها حقاً طبيعياً، بينما تصبح عودة المرأة إلى أهلها زيارة ثانوية تخضع للانتظار والموافقة؟.
وتقول: "ما الضرر في أن أذهب إلى أهلي أو أبيت عندهم؟ ومن وضع قانوناً يمنح الرجل الأولوية حتى في الشوق إلى عائلته؟".
ويرى المصطفى أن توقع أن تكون المحطة الأولى عند العودة هي منزل أهل الزوج، وأن تبقى الزوجة هناك قبل زيارة أهلها، يعكس تقليداً اجتماعياً يقوم على فكرة أن المرأة "تلحق زوجها". ويقول إن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العادة من تقليد اختياري إلى قاعدة تُفرض على المرأة، حتى لو خالفت ما اتفق عليه الزوجان سابقاً.
ويضيف: "ليست المشكلة في زيارة أهل الزوج أو احترامهم، بل في سؤال: من يملك حق اتخاذ القرار؟ هل هو الزوجان معاً، أم أن العرف الاجتماعي يقرر نيابة عنهما؟".
وبحسب هالة، لم يقتصر التغير على ترتيب الزيارات. فقد لاحظت أن زوجها، بعد العودة، أصبح أقل اهتماماً واحتواءً لها، وبدأ ينظر إلى مشاركته في الأعمال المنزلية باعتبارها انتقاصاً من رجولته، ولا سيما بعد تدخل أفراد من عائلته.
عاش الزوجان، وفق روايتها، شهرين من الخلافات المتواصلة، قبل أن تقول إنها "استسلمت للأمر الواقع" تجنباً للمزيد من المشكلات.
ويفسر المصطفى هذا التحول بأن الرجل لا يكون قد غيّر قناعاته الشخصية بالكامل بالضرورة، لكنه قد يتصرف بطريقة مختلفة تحت تأثير البيئة المحيطة. ففي بلاد اللجوء، قد يعيش الزوجان بعيداً عن الرقابة الاجتماعية المباشرة، ويضطران عملياً إلى تقاسم المسؤوليات واتخاذ القرارات معاً. لكن عند العودة إلى البيئة العائلية القديمة، يعود الرجل أيضاً إلى أدواره الاجتماعية التقليدية: الابن أمام أهله، والرجل أمام أصدقائه، والزوج الذي يُتوقع منه أن يكون صاحب القرار.
وقد يشعر بعض الرجال، وفق المصطفى، بأن المساواة التي كانت طبيعية في بلاد اللجوء يمكن أن تُفسر في محيطهم على أنها ضعف أو فقدان للسلطة، فيعيدون إنتاج سلوك أكثر تقليدية لإثبات مكانتهم أمام الآخرين.
"ماذا سيقول الناس؟"
لا تزال "سيدار"، وهي سورية تعيش في مصر وتنحدر مع زوجها من محافظة حلب، تفكر في العودة قبل أن تخوضها فعلياً. إلا أن الشروط التي وضعها زوجها جعلتها تخشى هذه الخطوة.
تقول إن زوجها اشترط أن تكون والدته المسنة المحطة الأولى، وأن يقيما في منزلها ثلاثة أيام قبل أن تنتقل لرؤية والدتها وإخوتها. وتضيف بسخرية أنه "سمح" لها بزيارتهم لساعات قصيرة خلال نهار تلك الأيام الثلاثة.
لا تعترض سيدار على حاجة والدة زوجها المسنة إلى وجود ابنها إلى جانبها، لكنها ترى أن الأمر كان يمكن أن يُناقش بينهما بطريقة تراعي اشتياق الطرفين إلى عائلتيهما.
وتقول إن زوجها يجيبها كلما سألته عن سبب إصراره: "أمي لازم ترضى عني، وشو بدهن يحكوا عني العالم؟".
بالنسبة إليها، تكشف هذه الإجابة أن القرار لا يصدر دائماً عن رغبة شخصية، بل قد يكون محاولة لتلبية توقعات العائلة وتجنب أحكام المحيط الاجتماعي، حتى لو جاء ذلك على حساب مشاعر الزوجة وحقها في المشاركة.
"عشت مع رجل آخر لا أعرفه"
أما "أنسام"، فلم تكن عودتها نهائية، بل جاءت إلى سوريا في زيارة استمرت خمسة عشر يوماً. ومع ذلك، كانت المدة كافية، كما تقول، لتلاحظ تغيراً حاداً في سلوك زوجها.
في بلد اللجوء، اعتادت أن يكون رأيها حاضراً في القرارات الصغيرة والكبيرة، وأن تتقاسم مع زوجها إدارة شؤون المنزل. لكن خلال الزيارة، شعرت بأن رأيها لم يعد مسموعاً، وأنها أصبحت مهمشة أمام أفراد العائلة والمحيط الاجتماعي.
تصف تلك الأيام بقولها: "عشت خمسة عشر يوماً مع رجل آخر لا أعرفه".
وبعد عودتهما إلى بلد اللجوء، واجهت زوجها بالتغير الذي طرأ على معاملته. فكان رده، وفق روايتها: "بدكن يقولوا عني زوج الست؟".
تكشف العبارة، في نظر أنسام، التي تعمل في مجال التجميل، حجم الخوف من الوصمة الاجتماعية التي قد تلاحق الرجل إذا أظهر احترامه لرأي زوجته أو شاركها المسؤوليات أمام الآخرين.
ويقول المصطفى إن تعبير "زوج الست" ليس مجرد مزحة اجتماعية، بل يحمل تصوراً واضحاً عن الرجولة والسلطة داخل الزواج. فالرجل الذي يستشير زوجته أو يوافق على رأيها قد يتعرض للسخرية أو الاتهام بأنه "مسيّر" من زوجته، ما يضغط على بعض الرجال لإثبات استقلالهم عن رأي زوجاتهم أمام الجمهور العائلي والاجتماعي.
ويضيف: "هذا النوع من الضغط خطير على العلاقة الزوجية؛ لأنه يحوّل القرار من سؤال: ما الذي يناسبنا نحن؟ إلى سؤال: كيف سيبدو هذا أمام الناس؟ وفي هذه اللحظة تصبح الزوجة هي الطرف الذي يدفع ثمن حماية الرجل لصورته الاجتماعية".
سلطة تستعيد حضورها عند العودة
تتقاطع هذه الشهادات عند شعور النساء بأن نمط العلاقة الزوجية الذي تشكّل في الغربة يتعرض للاختبار عند العودة إلى سوريا. فبعيداً عن المحيط العائلي، قد يتقاسم الزوجان القرارات والأعباء بصورة أكثر مرونة، لكن وجودهما مجدداً داخل شبكة الأقارب والجيران يعيد إلى الواجهة أسئلة السلطة والأدوار التقليدية.
وتقول سوريات تواصل معهن تلفزيون سوريا، وينحدر أزواجهن من محافظات مختلفة عن محافظاتهن، إنهن يتوقعن الإقامة في المناطق التي ينحدر منها الأزواج، لأن الرأي المتكرر داخل محيطهن هو: "الرجل وين ما بيروح، مرتو بتروح معه".
غير أن هذا التصور يتجاهل أن الزوجة، مثل زوجها، تملك عائلة ومدينة وذاكرة واحتياجات عملية. كما يحوّل مسائل قابلة للنقاش، مثل مكان السكن وترتيب الزيارات، إلى قواعد محسومة سلفاً لمصلحة طرف واحد.
ويشير المصطفى إلى أن شعور المرأة بتهميش رأيها بعد سنوات من علاقة قائمة على التشاور قد يخلّف أثراً عميقاً؛ فهي لا تشعر فقط بأن رأيها أُهمل في قرار معين، بل بأن مكانتها كشريكة في الزواج أصبحت أقل قيمة. وقد يقود ذلك إلى الشعور بالغربة داخل الحياة الزوجية، وفقدان الثقة بالزوج، والغضب المكبوت أو الانسحاب العاطفي، فضلاً عن تكرار الخلافات حول تفاصيل صغيرة تخفي وراءها سؤالاً أعمق عن صاحب الحق في القرار.
ويرى أن التوفيق بين احترام العائلتين واستقلالية الحياة الزوجية ممكن، لكنه يتطلب اتفاقاً واضحاً ومسبقاً بين الزوجين على قضايا السكن والزيارات ومدة الإقامة عند الأهل وطريقة التعامل مع تدخلات الآخرين، إلى جانب تضامنهما أمام العائلتين.
ويقترح المصطفى اعتماد مبدأ بسيط: "العائلتان متساويتان في الاحترام، لكن الحياة الزوجية ليست ملكاً لأي منهما"، مؤكداً أن توزيع الزيارات ينبغي أن يقوم على رغبة الزوجين وظروفهما، لا على قاعدة ثابتة تمنح أهل الزوج الأولوية دائماً أو تفرض على المرأة اتباع زوجها في كل ترتيب اجتماعي.
وهكذا، تصبح العودة بالنسبة إلى بعض السوريات مواجهة مع سؤال يتجاوز اختيار البيت الأول: هل يعود الزوجان إلى سوريا بوصفهما شريكين، أم يعود كل منهما إلى أدوار اجتماعية رُسمت له قبل سنوات؟.