الطفل السوري في مناطق سيطرة النظام: أريد أن أصبح ضابطاً

تاريخ النشر: 19.11.2021 | 04:07 دمشق

بعد التغييرات العميقة التي أحدثها في بنية المجتمع السوري، بدءاً من الشرخ الوطني الكبير وتمزيق الروابط وتفتيت النسيج العام، وليس انتهاء بتدمير الوطن وعرضه للبيع في المزاد العلني، يعكف نظام الأسد اليوم على تشويه وعي الأطفال وفهمهم وذاكرتهم وحشوها بمخلفات مفاهيمه وتقييد فكرهم في مربع فكري ضيق في سعي حثيث لتثبيت روايته عن الحدث السوري كمرجع وحيد للأجيال القادمة، مرجع لا يقبل التشكيك، ولا يقبل الحذف أو الإضافة..

يبدو ذلك واضحاً إن توقفنا قليلاً مع أطفال سوريا في المناطق التي يسيطر عليها الأسد، ففي سؤال لشريحة واسعة من الأطفال عن حلمهم وماذا يحبون أن يكونوا في المستقبل، (تمت الاستعانة بأصدقاء من الداخل لطرح السؤال) كانت الإجابات مفاجئة وفاجعة وتدعو للتوقف والتأمل، فكثيرون من هؤلاء الأطفال عبروا عن رغبتهم في أن يكونوا ضباطاً في الجيش العربي السوري، أما عن سبب هذه الرغبة فكان الجواب صادماً أكثر: لكي أحارب الإرهابيين وأحمي بلدي منهم!!

العسكرتاريا في الصدارة..

هكذا تراجعت الأمنيات التقليدية والمتمثلة في الرغبة في أن يكون الطفل طبيباً أو مهندساً لصالح حلم الضابط، بل إن جزءاً كبيراً ممن لا يزالون يتمسكون بحلم الطبيب على سبيل المثال لم يعودوا يجدون أسباب حلمهم التقليدي هذا في مساعدة الناس وتخفيف آلامهم كما اعتاد الطفل سابقاً أن يقول، فالطفل في سوريا الأسد يريد أن يكون طبيباً لكي يساهم في مداواة جرحى الجيش وعلاجهم، وينطبق هذا على من يريد أن يكون مهندساً، أو طياراً، أو غيرها من المهن المستقبلية، حيث لا بد للطفل أن يوظف رغبته في تخصص ما بمهمة "وطنية"، حسب المفهوم الأسدي لمعنى الوطن..

يبدو الأمر مرعباً حقاً، فنحن أمام جيل قتلت براءته ووظفت لصالح أجندة العصابة، جيل يتم تدريبه على الحياة العسكرية بأسوأ أشكالها، جيل تمسح منه ذاكرة الاحتلال الإسرائيلي لجزء حيوي واستراتيجي من بلده ويحدد عدوه بابن بلده الذي سعى من خلال ثورته على النظام إلى سوريا أفضل، وآمن بدولة مدنية تعددية وناضل ضد الأبدية والتوريث والاستبداد والفساد والإجرام، فتم إلصاق تهمة الإرهاب به، وتصنيفه كعدو قائم ومحتمل حتى في المستقبل، فكل الأطفال السوريين الذين يعيشون في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو خارج سوريا، أو حتى أولئك الذين يجمعهم ذات الحي وذات المدرسة مع الأطفال في مناطق النظام، سيجابهون بأبناء جيلهم من هؤلاء الأطفال ممسوخي الذهن، مغسولي الدماغ وهم في أتم الجاهزية لقتالهم إن طالبوا بالحرية والعدالة في المستقبل، إنه جيل مقطوع الصلة تماماً بالرواية الحقيقية وجاهز لتقديس رواية النظام والدفاع عنها بتعصب يتعدى التعصب الديني والمذهبي والعرقي..

طواعية أو بالإكراه..

يمكننا في هذا السياق أن نفرق بين أطفال المؤيدين والشبيحة من جهة، وأطفال الصامتين والمعارضين المتظاهرين بتأييد الأسد -وما أكثرهم في الداخل السوري- من جهة ثانية..  

بالنسبة للشبيحة والمؤيدين فهم لا يتوانون أن يتخذوا من أولادهم أيضاً وسيلة لتأكيد ولائهم، فمنطق الطفل هو انعكاس لمنطق البيت والتربية المنزلية، وحينما يعلن الطفل عن رغباته التي تثبت حبه للجيش وتردد رواية النظام، فتلك رسالة "عفوية" يتباهى بها المؤيدون باعتبارها تدعم موقفهم لدى أجهزة الأمن وتعطيهم الحق في المزايدة بالوطنية، رغم أن أكثرهم لا يتمنى لطفله هذا المستقبل نظراً لمعرفة المؤيدين العميقة بطبيعة النظام واستعداده لزج جيشه في محرقة مجانية، ولكنهم يتظاهرون بالحماسة لرغبات أولادهم تلك طمعاً في إرضاء النظام.

أما الصامتون والمعارضون، فهم لا يجرؤون على البوح بقناعاتهم أمام أطفالهم، لأن كلمة واحدة خارج السياق قد ينطقها الطفل ستودي بالأهل إلى مصير مجهول، فكثيراً ما تم اعتقال السوريين من خلال كلمة ينطقها أطفالهم وتكون غير متطابقة مع رغبات النظام، لذلك فما على هؤلاء الأهالي إلاّ أن يشجعوا أطفالهم على تبني رواية النظام تجنباً لبطشه. 

لقد فتح الأسد جبهة جديدة ضد السوريين وتحديداً ضد مستقبل سوريا، جبهة في غاية الخطورة، لقد اعتاد الأسد على قتل الأطفال وارتكاب المجازر الجماعية بحقهم، وقتلهم بالبراميل والكيماوي.

بين الولاء والمواطنة..

تحيق المخاطر اليوم وبشكل غير مسبوق بالجيل الجديد من أطفال سوريا الذين حُكم عليهم بالعيش في مناطق سيطرة النظام، حيث وضع النظام خطة متكاملة لغسيل أدمغتهم ليس فقط فيما يتعلق بفهم الحدث السياسي والشأن العام، وإنما أيضاً فيما يتعلق بتكوينهم الفكري وانتمائهم الوطني، فالأسد كان عدواً لدوداً لمفهوم المواطنة، ولكنه بعد الثورة أخذ يتعامل مع هذا المفهوم على أنه عدوه الوحيد والخطر الأكبر الذي من شأنه أن يهدد وجوده، ولهذا فلا بد من العمل بشتى الطرق على تغيير مفهوم المواطنة والاستعاضة عنه بمفهوم الولاء الخالص الذي لا يخالطه فهم آخر، لقد كسب الأسد التأييد والولاء من خلال تكريس الخوف والرعب والقمع غير المسبوق، ولكن خطته الجديدة تقضي بالهيمنة على عقول الأطفال وقطع الفرصة عليهم للوصول إلى أي حقيقة أخرى غير التي يريدها، ومنع التفكير إلا من خلال الإيمان بتلك الحقيقة الكاذبة.

بين الأب والابن..

 لقد نجح حافظ الأسد قبل ابنه في القضاء على مفهوم المواطنة، لكن الوريث يكثف كل أدواته اليوم لانتزاع ما تبقى من انتماء وطني وتبديله بحالة الولاء للقائد الأوحد بدءا من الطفولة، ولا سيما لدى شريحة الأطفال الذين نشؤوا في ظل المأساة السورية، وعاشوا كرهائن في مناطق سيطرة النظام دون أن يتسنى لهم الاطلاع على أي مراجع أخرى، ودون أن يتسنى لهم معرفة ما إذا كانت ثمة مراجع مختلفة تتناول الحدث السوري.

يبدو الفرق بين خطة الأسد الأب والابن، أن الأب كان يكتفي بأدلجة الأطفال أو قمعهم أو يلجأ للاثنتين معاً (الأدلجة والقمع) ليضمن الولاء ويترك هامشاً لأحلام الأطفال ورغباتهم في المستقبل شريطة أن تبقى تحت هيمنته، ولكن الأسد الابن يصر اليوم على خلق جيل معاق ذهنياً، معطل التفكير، عبر مصادرته لأحلام الطفل وصياغتها على مقاسه ومن خلال جرعات السم الفكري التي يتلقاها الطفل السوري بكثافة، ففي المدرسة وعن طريق المعلمين والمديرين والموجهين ومدربي الفتوة ومشرفي الطلائع، ومن خلال المناهج المدرسية التي يسممها الأسد، من خلال الشارع والأحاديث العامة التي يسمعها الطفل أينما ذهب، من خلال الإعلام، وصولاً إلى الأحاديث المنزلية، لا يجد الطفل السوري في مناطق الأسد إلاّ تلك الرواية المسممة فتستولي عليه دون أن يجد مصدراً مختلفاً يتعارض معها.. 

جبهة جديدة..

لقد انشغلنا على مدى السنوات العشر الماضية بواقع سوريا وحاضرها في ظل ممارسات عصابة الأسد وتوحشها وإجرامها في حق سوريا والسوريين، ويبدو أننا لم نجد الفرصة للوقوف مع ما يخططه الأسد لمستقبل سوريا من خلال الجيل الجديد، من خلال تجنيد الأطفال الفكري لخلق جيل متوحش مُعادٍ لوطنه وأبناء وطنه وجاهز للانقضاض عليه وقتاله، وتلك جريمة تضاف إلى جرائم الأسد وتعادل في وحشيتها وبشاعتها كل الجرائم المرتكبة في السنوات العشر الأخيرة.

لقد فتح الأسد جبهة جديدة ضد السوريين وتحديداً ضد مستقبل سوريا، جبهة في غاية الخطورة، لقد اعتاد الأسد على قتل الأطفال وارتكاب المجازر الجماعية بحقهم، وقتلهم بالبراميل والكيماوي.. إلخ، ولكنه اليوم يقتلهم بطريقة أخرى، يقتلهم فكرياً واجتماعياً ووطنياً، تلك إبادة جماعية من نوع آخر، إبادة لجيل كامل، إبادة وجوده وفعاليته وقدرته على التأثير والتغيير، أو حتى إمكانية الفهم والمعرفة، إنه هولوكوست من نوع جديد، ولا بد من فرملة هذا المشروع عبر طرحه وتكثيفه ونقله إلى المنظمات الدولية المعنية بالطفولة ومنظمات حقوق الإنسان باعتباره جريمة حرب ضد الأطفال، جريمة ضد الإنسانية، والأهم هو توعية السوريين بخطورة هذه المعركة وبمدى خبث المخطط وما يخبئه من عنف وتوحش مرتقب يضمن انقسام السوريين إلى ما لا نهاية.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار