الطعام لا يكذب

تاريخ النشر: 19.06.2018 | 01:06 دمشق

فلنحتفل بالطعام !

تنبّه صديقٌ إعلاميٌ الى أن غالب المحكيات في الإعلام العربي، والمرئي منه خصوصاً، والتي تتطرق إلى قصص نجاح السوريين في بلاد اللجوء، وما أكثرها، تنحصر بـ "إبداعاتهم" المتعلقة بالطعام من تأسيس المطاعم أو المخابز أو بيع المواد الغذائية كما مساهمتهم في التعريف بالتقاليد المطبخية السورية لسكان هذه البلاد. وبالفعل، فللمتابع أن ينتبه إلى هذا التركيز المسلي والمكرّر، وكأنه ليس للسوريين في بلاد اللجوء سوى الطعام وحواراته. بالمقابل، فمن المنصف الإشارة إلى أن هذا التركيز يخف ويكاد ينعدم في معالجة وسائل الإعلام الغربي لنجاحات بعض اللاجئين. فكثير منها يتطرق إلى نجاحات في العمل التقني أو الطبي كما في الدراسات المتخصصة. ويتوقف الإعلام الغربي أيضا عند النجاحات الفنية على مختلف إبداعاتها.

وبمعزل عن التوقف عند العمل الإعلامي واختياراته المتنوعة والمتناقضة أحياناً، أثارت ملاحظة صديقي تعليقاً تلقائياً مازحاً سرعان ما تبين لي بأنه، وللأسف، كثير الجدية وعميق الألم. فقد أشرت إلى أن لبعض السوريين والسوريات في بلاد اللجوء نجاحات أخرى تتمثّل بالرقم القياسي من ساعات التواجد على وسائل التواصل الاجتماعية. كما ينتج عنها غالباً، قيامهم لأبسط الأسباب، أو حتى في ظل انعدامها، بممارسة فن التشهير وعلم الشتم لمن لا يروق لهم أو لمن يختلفون معه في الموقف أو في التحليل، وحتى لمن لا يعرفون ولو افتراضياً في حياتهم. شتائم "عظيمة" غزيرة الإنتاج وتعتمد على التكرار الذي لا يُحرج صاحبها ما دام مختبئاً خلف شاشته. كما هم / بعضهم يُبدعون ويتفننون باختراع القصص غير الصحيحة ونشر الأكاذيب والتي يُبني على مقتضاها كرات من الثلج النتن التي تتدحرج في كل الاتجاهات للتشهير بهذا وبذاك، او لإثارة مشاعر "العامة" التي غالباً ما تتلقف ما يصدر وتعتبره نصاً موثوقاً وتبني عليه الأحكام وتُنزل بمتهميه ما لذّ وطاب من عقوبات فيسبوكية ترجمتها الأساسية مزيدٌ من الشتائم.

في هذا الواقع، يجدر بعلماء الاجتماع كما علماء النفس بأن يتوقفوا أمام الكم الهائل من الوقت المهدور في هذا الحقل. كما يجدر بهم تحليل "النصوص" التي تشير إلى تطوّر خطير يكتنف مستقبل جيل بل أجيال من السوريين. وربما ربط أهل الاختصاص هذا "الانحراف" بما يسمى "تروما الحرب" أو بعملية "التكيّف" مع الواقع أو يمكن ربطه أيضاً بموضوع "البقاء على قيد الحياة"، الذي، كما في بعض الحالات القصوى لمجاعة أو لكارثة إنسانية، تدفع بعضاً من الناس إلى التخلي عن كل الأخلاق والمبادئ والقيم والحدود، مقابل البقاء أحياء.

في تاريخ الصحافة العربية المهاجرة، عُرِفَ بعض كبار الصحفيين بتخصيص الصفحات الأولى من مجلاتهم، التي كانت تحظى بقراءة واسعة نسبيا، لنشر الإشاعات التي يهدفون من وراءها إلى جمع المال. فمثلاً، يذكر أحد الأخبار الذي لا يتعدى بضعة كلمات، بأن "رجل أعمال عربي شوهد في كازينو يلعب القمار". وعلى المعني أن ينتبه وأن يُسرع بالدفع لصاحب المجلة لوقف تطور المعلومة، لأنه إن لم يفعل، فسيكون لها تفاصيل إضافية في أعداد قادمة تُشير إلى جنسيته وتُحدّد مجالات نشاطاته. إذا، فالتشهير قديم الممارسة، ولكنه كان قائماً على بعض الحقيقة. أما اليوم، فتشهير وسائل التواصل صار يعتمد أساساً على الكذب مستلهماً قاعدة جوزيف غوبلز، وزير دعاية هتلر:"أكذب... ثم أكذب حتى يعلق شيء ما في أذهان الجماهير"، أو قاعدته الأكثر تطوراً والتي يعتبر فيها أنه "كلما كبرت الكذبة، سهل تصديقها". 

يكفي، ليكون واحدنا من هذه الجوقة، بأن يهرف مثلاً بالقول بأنه علم من مصادر "موثوقة" بأن التحضيرات تجري لضم مدينة الباب (مثلاً بالتأكيد) السورية إلى الجمهورية التركية. فكل ما سيرد من تعليقات لن يتعلق بمصداقية المعلومة بمقدار ما سيكون مرتبطاً بالموقف من تركيا شتماً أو دفاعاً. وفي أحسن الأحوال، سيتوقف عند أمور المدينة وإدارتها مثنياً أو شاتماً للقائمين عليها. ولقد أثبتت الدراسات العلمية في مسألة التواصل، بأن الخبر الأول -كاذباً كان أم صحيحاً- هو الذي يؤثّر أساساً في ذهن المتلقي ويرسخ. ومهما جاء بعده من نفي أو من توضيح، فلن يشكل إلا إضافة اختيارية لمن أراد أن يتمحص في الأمور، وهم قلة عموماً، خصوصاً في وسائل التواصل التي سطّحت التفكير وأفقرت التحليل.

الذهنية النقدية ضرورية ولقد تأسست عليها مجمل العلوم الاجتماعية. أما نشر الأكاذيب والتشهير فلا يؤسس إلا لمزيد من التفسّخ والكراهية. فلنعد إلى الاحتفال بالطعام.