الضحايا.. زينة للمعارض

الضحايا.. زينة للمعارض

الصورة
سوريون في مركز الهجرة التركية بولاية غازي عنتاب (أرشيف - إنترنت)
10 تموز 2019

يجادل كثيرون بأن الآراء والأفعال الإجرامية تكتسب زخماً وقدرة أسرع على تحقيق أهدافها من خلال بعض ردات أفعال ضحاياها الخاطئة، كما يصفونها، وذلك ليس لأن الضحية يجب أن تبقى ضحية، بل لأن الضحية في كثير من الأحيان تتميز عن جلاديها ببعدها الأخلاقي وعدالة قضيتها ويجب عليها التمسك بما يميزها، ومع غياب طريقة علمية لدراسة مدى تمسك الضحية بهذا البعد الأخلاقي، يصبح كل فعل أو كلمة تصدر عن الضحية من الممكن احتسابها مضرة بالأخلاقيات المنشودة.

ولطالما سعى الجلاد إلى تضخيم بعض ردات فعل الضحايا لسحب عنصر التفوق الأخلاقي وبالتالي التشكيك بمشروعية قضيتهم، وكثيراً ما يعمد إلى اختلاق الكثير من التهم لإلصاقها بضحاياه إذا ما كانت ردات فعلهم غير كافية.

ومن غير المعروف من قرر أن الضحايا لا يجوز لهم أن يكونوا إلا ضحايا، وبناءاً على هذا الفهم فهم مراقبون وملاحقون في كل لحظاتهم، وعليهم أن يبرهنوا دائماً عن كونهم ضحايا فمعظم الآخرين يحبون الضحية الضعيفة المعذبة المليئة بالجروح والندوب، ويرون في الضحايا مجرد مواد جيدة للعرض كمثال على وحشية الجلاد، لكن كمثال يتقن الموت والبكاء والفقد فقط، أو كما قال محمود درويش في رائعته مديح الظل العالي:

 

وعليك أن تمشي بلا طر ق  

وراء ٌ، أو أماما ً، أو جنوباً  أو شمال 

وتحرّك الخطوات بالميزان 

حين يشاء من وهبوك قيدك 

ليزينوك ويأخذوك إلى المعارض كي يرى الزوار مجدك

 

للضحايا حقوق فهم بإمكانهم أن يبكوا وأن يشتكوا، بل ومسموح لهم أن يشتموا العالم وأن يتساءلوا عن الإنسانية ومواثيق حقوق الاإنسان، والطريف أن كل ذلك عليهم أن يفعلوه في ضيافة المنظمات المنشأة أساساً لحماية هذه المواثيق، وفي رعاية الدول التي تدعي أبوتها للمواثيق، وفي كثير من الأحيان سيستعرض هؤلاء، أمام الضحايا، في رثاء الإنسانية، بل وسيزاودون عليهم في التعبير عن الغضب من صمت الضمير العالمي، أي صمتهم هم، بحيث يشعر الضحايا أحياناً بالخجل من كل تلك العواطف الجياشة.

من داخل سوريا إلى خارجها، وجد السوريون أنفسهم في المنافي بوجه استثمار سياسي لئيم تلو الآخر، حيث وجدت فيهم التيارات اليمينية الشعبوية فرصة لمواجهة الحكومات وإعادة إحياء القناعات والدعوات العنصرية لهذا اليمين، وبدأ هؤلاء في إطلاق الحملات والعبارات العنصرية والتحريض على كراهية السوريين مع تسليط الضوء على حياتهم الخاصة بطريقة مستفزة، فالسوري الضحية / اللاجئ من غير المسموح له الضحك أو الفرح، لاحقوه يوماً بسبب نوع موبايله وأخرى لأنه يحاول أن يعمل في أي مهنة ليعيل عائلته، فاستكثروا عليه الحياة وأصبح اللجوء تهمته وجرمه أنه ولد يوماً في بلد تحكمه عائلة الأسد، وهكذا صار السوري في موقع الدفاع عن أهله وما يجري في سوريا من جهة، وعن نفسه في بلاد المنافي وحقه بالحياة بوجه حمقى لا يعرفون طريقاً للسلطة إلا عبر استثمار ما وفره الأسد من دماء السوريين.

وبوجه كل هذه البروباغندا والدعاوي اللئيمة للنيل من السوريين، فمن أخطأه البرميل كانت دعوات الطرد والإهانة من نصيبه، عادت النصائح والتعليمات، التي اعتقد السوريون أنهم دفنوها مع أولى صرخاتهم المطالبة بالحرية، من نوع: احذر التحدث بالعربية أو تجنب اللكنة السورية ما استطعت، ابتعد عن تلك المنطقة، احذر أن تظهر الفرح أو السعادة في أي مناسبة فأنت لاجئ / ضحية وبالتالي الفرح لا يناسبك وسيصبح تهمة عليك، تجاهل العبارات العنصرية وتجنب النقاش والجدل.

هذه الحملات المستمرة أدت في ما أدت إليه إلى وجود نوع من الخوف المبالغ به من الوقوع في الخطأ، وفي وجه كل تلك الحملات صار المطلوب من السوري أن يتحول إلى قديس، وهكذا نشأ رقيب داخلي عند كل سوري يحاسبه على الابتسامة ونوع اللباس ومكان لقاء الأصدقاء بل على لحظات يقضيها مع أسرته. كما أدى ذلك إلى انتشار نوع محزن من النقاشات على صفحات التواصل الاجتماعي بين السوريين أنفسهم عن أصول التعامل مع المجتمعات المضيفة، بالإضافة لنصائح أخلاقية لا تنتهي للسوريين من أشخاص بعضهم وجد في ركوب موجة المواعظ فرصة، وآخرون نصبوا أنفسهم علماء مختصين بالاجتماع وحوار الحضارات، وكأن السوريين يحملون تبعة تصحيح الفهم الاستشراقي لشعوب المنطقة.

الرقابة على أفعال السوريين من قبل سوريين أصبحت مع كل حملة أو حادثة تتحول أكثر إلى شكل مرضي يشبه الإدمان

الرقابة على أفعال السوريين من قبل سوريين أصبحت مع كل حملة أو حادثة تتحول أكثر إلى شكل مرضي يشبه الإدمان، بحيث بات هؤلاء "الرقباء" من حيث يدرون أو لا يدرون يروجون للتفرقة العنصرية بل ويبررون حملات الكراهية تلك، التي من الواضح للجميع أنها مجرد استثمار سياسي انتهازي لا يبحث عن سبب أو حجة.

وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أحد مصادر زيادة الخوف والقلق عند السوريين عبر التضخيم والتبهير في طقوس شبه احتفالية بكل تصريح أو حادثة، وأصبحت البوستات والعناوين الصفراء من نوع "سوري يتعرض .. مسؤول يهدد بإخراج السوريين.." الأكثر حصداً للقراءات وبالتالي الأكثر تواتراً، وغاب عن مطلقي هذه النوعية من الأخبار، الباحثين عن عدد أكبر من القراء، أنهم إنما يزيدون من قتامة المشهد أمام السوريين، وأنهم بأفعالهم هذه، وإن كانوا يدعون حرصهم وخوفهم على السوريين وحنقهم وغضبهم من الحملات العنصرية، يساهمون في توجه السوريين أكثر فأكثر للعزلة.

غاب عن الدول التي لجأ إليها السوريون أي جهد حقيقي من قبل المؤسسات، التي نصبت نفسها ممثلة للسوريين، لتعريف المجتمعات المضيفة بالشعب السوري وشرح قضيته، وأنه لم يأت ليستوطن هذه المجتمعات أو يستولي على الأعمال فيها، كما لم تحاول الحديث إلى السوريين وتعريفهم بهذه المجتمعات الجديدة، وأصرت هذه المؤسسات على نهجها الغريب منذ أعلنت نفسها ممثلة للسوريين بأن اتخذت مكانها بين المعلقين، وكأن ما يجري هو فيلم سينمائي أو معرض رسوم، والمحزن أنهم حتى بهذه الوظيفة لطالما قدموا أسوأ التعليقات.

يتنازع السوريون في الدول المستضيفة مشاعر مختلطة ما بين الخوف والقلق مع كل تصريح بخصوصهم، وإصرار على البحث عن طريقة للتواصل والبرهنة أنهم لا يشكلون خطراً على تلك الدول. ينظر العالم إلى اللاجئين السوريين كضحايا لنظام ديكتاتوري، متجاهلاً أنهم أصحاب ثورة تم إجبارهم على ترك بلادهم وأرضهم، والأهم أنهم قبل كل ذلك بشر ولهم الحق في الحياة، حتى لو اضطروا إلى اختلاسها من بين آلام الفقد والحنين، لهم الحق في الحياة دون التقيد بكتاب أحمق عن شروط تحديد اللاجئ /الضحية. 

شارك برأيك