الصين تتأهب للعالم الجديد

الصين تتأهب للعالم الجديد

الصين تتأهب للعالم الجديد
الصورة (إنترنت)
20 تموز 2019

في منتصف القرن الماضي ومع انتهاء حقبة المغامرات الثورية العقيمة التي قادها حكام الصين الشيوعية بعد استتباب حكمهم في ذلك البلد العظيم، من الثورة الثقافية إلى ثورة دكتاتورية البروليتاريا وحروب كشمير والتبت وتايوان واليابان، تنبه الحكام الجدد إلى فكرة أن حكم الصين ليس باللعبة و أن عملية حكم الصين وإدارتها لا تشبه إدارة بلد عادي بطريقة دكتاتورية وأساليب القمع والمنع المعهودة، بل كان الحزب الشيوعي الصيني على موعد مع مواجهة تنظيمية مع أكبر و أعقد وأكثر بلد في العالم من حيث الزيادة السكانية حيث لا تنفع معهم أية نظريات اشتراكية أو تأميمية عقيمة جرت في بلدان العالم، فنسب النمو السكاني فاقت الحد العالمي بأشواط كبيرة وغير متوقعة، وهكذا في منتصف السبعينات بدأت الحكومة العاقلة تتخلى تدريجياً عن ثوبها الاشتراكي الشيوعي التقشفي القاسي وبدأت عملية الدخول في الاقتصاد العالمي ولكن على طريقتها ..حيث تخلت عن إدارة الملكية العامة واكتفت بدور الحارس والمنظم لعملية الإنتاج التي بدأت في القطاع الزراعي المكون الأساسي للشعب الصيني وحررت القطاع الزراعي بالكامل مقابل نسبة من الانتاج للمزارع و تسويق النسب الباقية بمعرفة الدولة، ورويداً رويداً تحرر القطاع الزراعي و تنامت المساحات المزروعة في الصين خمسة أضعاف لتصبح الصين أكبر منتج زراعي في العالم خلال عقد ونصف وثاني أكبر مستورد للمواد الزراعية وملحقاتها التي تتطلب النهوض بقطاعات أخرى صناعية و تكنولوجية و لوجستية.

ثم أنشأت الحكومة المدن الصناعية الحرة ضريبياً و قانونياً لتكون الأساس الثاني للنهوض الاقتصادي مستفيدة من تدني أسعار اليد العاملة الصينية

ثم أنشأت الحكومة المدن الصناعية الحرة ضريبياً و قانونياً لتكون الأساس الثاني للنهوض الاقتصادي مستفيدة من تدني أسعار اليد العاملة الصينية، مما كان عامل جذب أساسي للرساميل الأوروبية والأميركية كي تزيد استثماراتها وانتاجيتها على حساب حقوق العمال الصينيين وجهدهم بالمقارنة مع نظرائهم الأوروبيين والأميركيين المحصنين بقوانين عمل وعمال تحمي ساعات عملهم والحد الأدنى لأجورهم و ضمانهم الصحي والاجتماعي، بعكس الصين التي ارتأت أن الوفرة السكانية لا بد أن تنتج وفرة إنتاجية حسب مبدأ توماس مالتوس عدو الماركسية التنظيري، وبالفعل فبدل أن توفر الحكومة عملاً لمليون عامل بأجور مرضية و ملائمة، وفرت فرص عمل لمئات الملايين من العمال بأجور متدنية لا تكاد تكفي العامل على الخروج من فاقة الجوع، وبذلك تضاعف الإنتاج آلاف المرات و خرج أكثر من 30 بالمائة من الشعب الصيني من خط الفقر الذي كان محدقاً ومسيطراً على الشعب الصيني لقرون طويلة هذا الخط الذي سبب اضطرابات اجتماعية و سياسية و اقتصادية أدت إلى اضطراب الصين سياسياً وإدارياً لعقود.

بعد تجاهل الحكومة الصينية للتحذيرات الدولية بشأن حقوق الإنسان والبيئة و النفايات النووية، استطاعت أن تراكم رأسمال مخيف بالنقد الأجنبي ولأول مرة استطاعت الصين أن تنجز مشاريع قومية رائدة في البنية التحتية لمواكبة العمل المستمر والدائم و المتطور الذى أدى إلى أعلى نسبة نمو اقتصادي ثابت في العالم وصل إلى 10% طوال عقدين على الأقل، مما أدى إلى طفرة ووفرة اقتصادية بسيطة ولكن شاملة على عموم الشعب الصيني المترامي الأطراف والذي تجاوز المليار في منتصف التسعينات، ومع تراكم رأسمال و البنية التحتية بدأت الصين بالتفرغ للصناعت التكنولوجية و الفضائية و قطاع البنى التحتية وتصدير تلك التكنولوجيات للعالم ومن ثم عملت على  إعادة تشكيل وتسليح جيشها بهدوء بعيداً عن الصراعات الدامية المحيطة بها، فهي لم تتبنى معارك الروس في أفغانستان ولا معارك الأميركان في جنوب شرق آسيا أو المحيط الهندي والهادي، وحتى الحروب في الشرق الأوسط و سباق التسلح الدولي كانت الصين بعيدة عنها تماماً ،من حيث الزج بقواتها أو تمويل جهة على أخرى، بل اكتفت بكونها طرفاً ثالثاً ينتظر فوز أحد المتصارعين حتى تعقد الاتفاقيات والتسويات معه، وحتى في كارثة اللاجئين الدولية، لم تتدخل الصين مطلقاً في تمويل أو استضافة أو التبرع لأكثر من 70 مليون لاجئ حول العالم في 2018، بل كان مجموع ما تبرعت به دولة كـالكويت هو أكثر بعشرة أضعاف مما تبرعت به الصين، فالأخيرة وقائدها الخطير الذي يجب أن ترفع له القبعات " شي شينجبينغ " الذي أدخل فكره الاقتصادي على الدستور الصيني جنباً إلى جنب مع الزعيم التاريخي للشيوعي الصيني "ماوتسي تونغ" بات هو الملهم الجديد للثورة الفكرية في الصين.

فلم يسبق أن ربطت أسماء الزعماء بأيديولوجياتهم إلا في حالات مثل ماو تسي تونغ ودنغ شياو بينغ، أو لينين و ستالين في الاتحاد السوفييتي، أو تيتو في يوغسلافيا، بينما  لم يضاف اسم دنغ إلى الدستور إلا بعد وفاته.

وبذلك تعين على تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والموظفين في المصانع الحكومية أن ينضموا إلى أعضاء الحزب الشيوعي الذين يبلغ عددهم 90 مليونا في دراسة "فكر شي جينبينغ" المتعلق بالعصر الجديد للاشتراكية بخصائص صينية.

الصين التي ارتأت أن الوفرة السكانية لا بد أن تنتج وفرة إنتاجية حسب مبدأ توماس مالتوس عدو الماركسية التنظيري

ويعد تعبير "العصر الجديد" الأسلوب الذي يستخدمه الشيوعي الصيني للإشارة إلى بدء المرحلة الثالثة من تاريخ الصين المعاصرة.

فالمرحلة الأولى التي تزعمها ماو كان هدفها توحيد البلاد عقب حرب أهلية طاحنة، أما المرحلة الثانية التي قادها دنغ فركزت على إثراء البلاد. وتتسم المرحلة الثالثة التي يقودها الرئيس شي بتعزيز الوحدة والثراء وجعل الصين أكثر انضباطا داخلياً وخارجياً.

فبعد حملاته الشهيرة التي شملت مليون مسؤولاً حكومياً طالتهم تهم الفساد والرشوة، بدأ الرئيس شي يفهم أن مواجهة دولاً ديمقراطية راسخة ذات نظام متعدد الرؤوس مثل الولايات المتحدة و دول الاتحاد الأوروبي واليابان  تتطلب إنهاء ملف الفساد والمحسوبية والرشوة التي عبر رشحها البسيط تؤثر على قيم الإنتاج و على سمعة الدولة الضامنة للقانون والتنافس الاقتصادي.  

ذلك التنافس الاقتصادي والتوسعي المرعب الذي تعيشه الصين والولايات المتحدة على مصادر الطاقة و اﻷسواق وحرية تدفق البضائع و سهولة وصولها إلى المستهلك، هو ما سيفرض تلقائياً تفوقاً عسكرياً وبالتالي سياسياً على العالم الذي لا بد أن سيخضع لنظام عالمي جديد يكون فيه الفائزون المنتصرون هم قادة القرن الجديد بعيداً عن القوى الحاكمة والمتحكمة في عالم القرن العشرين والواحد والعشرين المنهزمة التي لم تستطيع مواكبة النهضة التنموية والاقتصادية وبالتالي لم تستطع تطوير قدراتها العسكرية التي ستحكم بها اﻷسواق و مصادر الطاقة و المستهلكين ..الصين التي تنتظر بتأهب كبير سيأتي اليوم الذي ستجبر على التحرك عسكرياً لحماية مصالحها وبناء عليه ستتحدد حدود التقسيم العالمي في نادي الكبار الجدد.

 

مقالات مقترحة
رئيس حكومة نظام الأسد: سبع نقاط للمعالجة وتسعة برامج أولوية
غباء "البطاقة الذكية"يرهق المواطنين في مناطق سيطرة نظام الأسد
غرفة زراعة نظام الأسد: التصدير ليس على حساب المستهلك.. ولم يتوقف
شروط لبنانية جديدة تطول السوريين القادمين عبر مطار بيروت
ارتفاع عدد الإصابات بكورونا شمال غربي سوريا إلى 760
42 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام