كشف قسم التلوث بالأسلحة في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، لموقع تلفزيون سوريا، عن أرقام مقلقة تتعلق بحجم المخاطر التي ما تزال تشكّلها مخلفات الحرب على المدنيين السوريين، مؤكدة أن البلاد تحتاج إلى عشرات السنوات لتخفيض مستوى الخطر الناجم عن الذخائر المتفجرة.
وقالت نائبة منسّق قسم التلوث بالأسلحة في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، لين البيطار، إن اللجنة الدولية سجلت، خلال الفترة الممتدة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى اليوم، أكثر من 740 حادثة ناجمة عن الذخائر المتفجرة، أسفرت عن أكثر من 1,500 ضحية بين قتيل وجريح من المدنيين. وأوضحت لموقع تلفزيون سوريا،أن هذه الأرقام جمعت من مصادر ثانوية وبيانات متاحة للعامة، في ظل غياب نظام وطني موحّد للمسح والرصد.
وأشارت البيطار إلى أن حجم التلوث وانتشار الذخائر غير المنفجرة في سوريا يجعل من الصعب الوصول سريعاً إلى مرحلة الأمان، موضحة أن البلاد قد تحتاج إلى عقد من الزمن أو أكثر للوصول إلى مستوى منخفض من خطر الذخائر المتفجرة، وذلك تبعاً لحجم التلوث الراهن والجهود المبذولة في عمليات الإزالة لمخلفات الحرب.
غياب الخرائط الدقيقة لتواجد الخطر:
وبيّنت البيطار أن سوريا لا تمتلك حتى الآن تقديراً رسمياً للمساحات الملوثة بالذخائر المتفجرة والألغام، نتيجة لغياب عملية المسح كامل على مستوى البلاد. وأضافت أن جميع المناطق التي كانت جزءاً من النزاع أو تعرضت له يمكن اعتبارها ملوثة إلى أن يثبت العكس. وأكدت أن الحوادث المرتبطة بالذخائر المتفجرة والألغام تُسجل بشكل يومي في مختلف المحافظات السورية، لافتة إلى أن التقارير الرسمية الصادرة عن “مرصد الألغام” أظهرت أن سوريا سجلت أعلى عدد من ضحايا الذخائر المتفجرة لعدة أعوام متتالية.
وفيما يتعلق بالخرائط، أوضحت البيطار لموقع تلفزيون سوريا أنه لا توجد حالياً خريطة عامة يمكن مشاركتها مع المدنيين، مشيرة إلى أن الاعتماد على الخرائط يبقى محدوداً كونها تكون دقيقة فقط عند تاريخ إصدارها. وأضافت أن المساحات الملوثة تشهد تغيرات مستمرة، نتيجة تطهير بعض المناطق أو انتقال الذخائر من مكان إلى آخر، ما يجعل تحديث الخرائط تحدياً دائماً.
المحافظات الأكثر خطراً وتزايد النقاط الملوثة
دعت البيطار عبر موقع تلفزيون سوريا المدنيين إلى الحصول على المعلومات من خلال قنوات بديلة، من بينها التواصل مع فرق الهلال الأحمر العربي السوري المختصة بالتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة والألغام، أو فرق المسح غير التقني العاملة في المحافظات السورية، إضافة إلى السلطات المحلية عند توفر المعلومات. كما شددت على أهمية الانتباه إلى المؤشرات التحذيرية التي تدل على احتمال تلوث منطقة ما بمخلفات الحرب، مثل الأبنية المهدمة والأنقاض، الأراضي المتروكة وغير المستخدمة، حفر الانفجارات، أو الإشارات المحلية مثل كتابة كلمة “خطر” أو العلامات بالطلاء الأحمر وغير ذلك.
وحول المحافظات الأكثر خطراً، قالت البيطار إن غياب عملية المسح على المستوى الوطني يحول دون تحديدها بشكل رسمي، إلا أن البيانات المتاحة تشير إلى أن دير الزور وحماة وحلب والرقة وحمص تسجل أعلى أعداد من الحوادث والضحايا، في حين تشهد باقي المحافظات أيضاً حوادث مماثلة ولكن بوتيرة أقل. وأكدت أن هذه المعلومات مستندة إلى مصادر ثانوية وبيانات متاحة للعامة.
وأوضحت أن عدد النقاط الخطرة آخذ في الازدياد مقارنة بعامي 2023 و2024، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها ترك الأصول العسكرية في مطلع العام على نطاق واسع، واستهداف مواقع تخزين الذخيرة ما أدى إلى انتشار الذخائر المتفجرة، إضافة إلى توسّع الوصول إلى خطوط المواجهة والمناطق المتضررة التي كان الوصول إليها صعباً في السابق. كما لفتت إلى أن ازدياد السلوكيات الخطرة، مثل جمع الخردة المعدنية، يؤدي إلى نقل التلوث من منطقة إلى أخرى.
التحديات الميدانية للفرق العاملة في قسم التلوث بالأسلحة
وأضافت البيطار أن تقارير “مرصد الألغام” تشير إلى أن سوريا سجلت أعلى عدد من ضحايا الذخائر المتفجرة خلال ثلاث سنوات متتالية في أعوام 2021 و2022 و2023، بينما جاءت في المرتبة الثانية عالمياً من حيث عدد الضحايا في عام 2024. وبالنظر إلى عدد الحوادث المسجلة في عام 2025، ولا سيما الارتفاع الكبير خلال الربعين الأول والثاني من العام، توقعت البيطار أن تكون سوريا من بين البلدان التي تسجل أعلى أعداد الضحايا مع نهاية هذا العام.
وفيما يخص عمليات المسح والتخلص من المخلفات الحربية، أوضحت البيطار لموقع تلفزيون سوريا أن الوصول إلى بعض المناطق المستهدفة يكون صعباً أحياناً بسبب سوء الطرق أو كثافة الأنقاض، فضلاً عن طبيعة ونوع التلوث التي تؤثر على مستوى الصعوبة والوقت والجهد المطلوبين. وأضافت أن السلوك المحلي غير الآمن، مثل قيام المدنيين بنقل الذخائر أو جمع الخردة المعدنية لأسباب اقتصادية، يؤدي إلى تغيير مواقع الخطر ويستوجب إعادة المسح، ما يشكّل تحدياً إضافياً وخطراً كبيراً على الأفراد ومحيطهم.
وحول نطاق التغطية الحالية لعمليات الفحص غير التقني "تحديد مواطن الخطر دون التدخل بإزالة مخلفات الحرب"، قالت البيطار لموقع تلفزيون سوريا إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تدرب وتدعم فرق المسح غير التقني التابعة للهلال الأحمر العربي السوري، والتي تعمل حالياً في ست محافظات فقط. وبما أن المشروع انطلق في أواخر عام 2021 وما يزال محدود النطاق، فإن مستوى التغطية الحالي يبقى منخفضاً مقارنة بحجم التلوث بمخلفات الحرب الناتج عن النزاع في البلاد.
وأكدت البيطار في هذا السياق أن سوريا بحاجة ماسة إلى تكثيف الجهود وتعزيز التعاون وتحسين التنسيق بين جميع الجهات المعنية، بهدف توسيع نطاق الوصول إلى المناطق المتضررة وتقليل المخاطر التي يشكلها التلوث بالذخائر المتفجرة على المدنيين والمجتمعات المحلية.
وعن الفجوة بين ما اكتشف ميدانياً وما يرد من بلاغات المجتمع المحلي، أوضحت البيطار أن هذا الأمر طبيعي ولا ينطبق على جميع الحالات. فغالباً ما يبلّغ السكان المحليون عن أجسام يعتقدون أنها مشبوهة أو خطرة، وقد تكون هناك أجسام أخرى لم يتمكنوا من تحديدها. وفي حالات أخرى، يكون الإبلاغ عن أجسام يتبين لاحقاً أنها مجرد خردة معدنية. وأكدت أن اللجنة الدولية تشجع دائماً على الإبلاغ عن أي جسم مشبوه حفاظاً على سلامة المجتمع.
وفيما يتعلق بالوصول إلى المناطق المشتبه بتلوثها، قالت البيطار إنه لا توجد صعوبات تحول دون وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إليها، إلا أن العمل يجري وفق الإمكانيات والقدرات المتاحة. وأضافت أن فرق اللجنة الدولية تنتشر في المناطق التي تشكّل الذخائر المتفجرة فيها خطراً مباشراً على المدنيين، كما تعمل على تمكين تنفيذ مشاريع ومساعدات أخرى عبر ضمان سلامة الموظفين والمقاولين.
ضحايا الذخائر غير المنفجرة ضمن أولويات برامج الدعم وسبل العيش
وفي جانب دعم الناجين، قالت البيطار لموقع تلفزيون سوريا إن ضحايا الذخائر غير المنفجرة يُدرجون ضمن الفئات ذات الأولوية في برامج الإغاثة وسبل العيش التي تنفذها اللجنة الدولية والهلال الأحمر العربي السوري، بما في ذلك مبادرات الاقتصاد الجزئي، إلا أن محدودية الموارد تحول دون مساعدة جميع الناجين، ويتم تقييم الحالات وفق عوامل الضعف الاجتماعي والاقتصادي.
وأشارت إلى أن اللجنة الدولية تدير مركزاً لإعادة التأهيل البدني في حلب، يقدم خدمات تركيب الأطراف الاصطناعية والدعم النفسي، كما تدعم مركز إعادة التأهيل التابع للهلال الأحمر العربي السوري في شبعا بريف دمشق، إضافة إلى مراكز وزارة الصحة في حمص والقامشلي، مع إعطاء الأولوية لضحايا الذخائر غير المنفجرة. وكشفت عن تعاون قائم مع وزارة الصحة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإنشاء مركز لإعادة التأهيل البدني في دير الزور، من المتوقع أن يبدأ عمله في الربع الأول من عام 2026.
الأطفال والذكور البالغون الأكثر عرضة لمخاطر مخلفات الحرب
وفيما يتعلق بالفئات الأكثر عرضة للخطر، أوضحت أن نحو ثلث الضحايا هم من الأطفال، بسبب الفضول وقلة الوعي وقربهم من المناطق الخطرة، سواء في طرق التنقل أو أماكن اللعب أو حتى المدارس. وأضافت أن الذكور من البالغين يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا نتيجة أعمال الزراعة والرعي وجمع الخردة المعدنية، مشيرة إلى أن بعض المواسم الزراعية، مثل موسم حصاد الزيتون أو جمع الكمأة، تشهد ارتفاعاً في عدد الحوادث.
غياب لوحة بيانات وطنية مفتوحة وتطلعات لتوحيد المعلومات
وعن غياب لوحة بيانات عامة مفتوحة، قالت البيطار إن إنشاء مثل هذه اللوحات لا يقع على عاتق جهة واحدة، معربة عن أملها بأن يسهم تأسيس المركز الوطني للأعمال المتعلقة بالألغام في توحيد البيانات الوطنية ومشاركتها مع جميع الجهات المعنية، بما في ذلك المجتمع المدني.
وحول مشاركة البيانات، أوضحت البيطار أن اللجنة الدولية تتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، ورحبت بإعلان الوزارة عن إنشاء المركز الوطني للإجراءات المتعلقة بالألغام. وأكدت استعداد اللجنة للتعاون الكامل مع هذا المركز وجميع الجهات العاملة في المجال بما يضمن حماية المدنيين.
قنوات متعددة للتوعية وتقاسم الأدوار بين التوعية والإزالة
وبخصوص حملات التوعية، أوضحت البيطار أن اللجنة الدولية تعتمد عدة قنوات، من بينها الرسائل القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست
وبيّنت أن اللجنة الدولية تتولى تدريب ودعم وضمان جودة أنشطة التوعية والمسح غير التقني التي ينفذها الهلال الأحمر العربي السوري، في حين تنفذ الفرق التقنية "المسؤولة عن إزالة مخلفات الحرب" التابعة للجنة الدولية أعمال المسح التقني والإزالة والتخلص من الذخائر المتفجرة، في إطار شراكة تهدف إلى حماية أرواح المدنيين.
معرة الأرتيق، ريف حلب، سوريا – 24 نيسان 2025 – تصوير: رامي كمال
وفيما يخص تمكين المجتمعات المحلية، أكدت البيطار أن الاستدامة تتطلب تعزيز دور المجتمع في التوعي ة، وتشجيع السكان على مشاركة المعلومات حول المناطق الخطرة ونشر السلوكيات الآمنة وطرق الإبلاغ.
وختمت البيطار حديثها بالإشارة إلى التحديات التمويلية المتوقعة في العام القادم، في ظل الضغوط غير المسبوقة على المشهد الإنساني العالمي وتراجع التمويل الدولي. وأكدت أن أنشطة اللجنة الدولية المتعلقة بمخلفات الحرب في سوريا ستتأثر جزئياً بالتعديلات على الميزانية، إلا أن التركيز سيبقى على الأنشطة المنقذة للحياة وحماية المدنيين، مع الالتزام بمواصلة الوجود الإنساني للجنة الدولية في البلاد رغم الصعوبات التمويلية.





