الصراخ يخسر

تاريخ النشر: 12.06.2018 | 01:06 دمشق

آخر تحديث: 14.06.2018 | 23:11 دمشق

في سنوات الدراسة والشباب، كانت لنا حوارات فكرية تدور حول أمور السياسة وشجون حقوق الإنسان في جو من الرهبة والخوف. وغالباً ما كان الخلاف صعب الإدارة خصوصاً بين التوجهات الأيديولوجية المتباعدة مع ترسّخ التصنيفات والتصنيفات المقابلة لدى جميع الأطراف. ولكنني، ومنذ ذاك الحين، توقفت عند ظاهرة التضامن الأعمى وغير المشروط لمجرد الصداقة أو التواجد في المجموعة الفكرية نفسها أو حتى نتيجة للشللية. وتساءلت عن مشروعية هذه الظاهرة وأخلاقيتها. فهل انتمائي إلى توجه فكري ما يفرض علي أن أتبنّى كل ما يصدر عن "رفاقي" في هذا التوجه؟ وهل إن هم، أو أحدهم، جانبوا الأخلاق في توصيل فكرهم الذي معه اتفق، فهل يجب أن أقبل به وأسانده من باب القَبَلية الفكرية أو الأيديولوجية؟

في لقاء دولي حول حقوق الإنسان في العالم العربي، انبرت رفيقة نضال لتواجه ممثلاً لإحدى الدول عبّر عن موقف دولته بلغة مبسترة وبدبلوماسية محنّكة ولكن بتهذيب عالي المستوى. ولقد أغدقت عليه الرفيقة المناضلة ما لذّ وطاب من موبقات الكلام وشتائم العصر الحديث كما الذي سبقه. فتمتع هو بالصمت المريب ورسم ابتسامة صفراء تُنمُّ عن شعور المنتصر. وبالفعل، فقد انتصر هو من وجهة نظر الحضور. حيث لم يكن ما يمنع الحقوقية، على الرغم من الاستفزاز الذي حرّك مشاعرها وعاطفتها الإنسانية، من أن تلبسهما لغة راقية ونبرة صوت هادئة مع كل ما ترغب من أبعاد أخلاقية وإنسانية، لتدين بسترة الحقوق ودبلوماسية المواقف لدى ممثل الحكومة المعنية. حركاتها العنيفة وكلماتها الأقرب إلى الشتائم منها إلى مقارعة الحجة بالحجة أفقدتها إمكانية الاستناد إلى الذخيرة القانونية التي تمتلكها وإلى مئات الوثائق والأدلة التي يمكن لها أن تمحّض حجج المندوب الرسمي وتطيح به بلا رجعة من ذهنية المتلقي.

لقد اكتسب المندوب احترام الحضور، حتى ممن لا يتفق معه في الكلام، وخسرت رفيقتنا حجتها وكادت تخسر قضيتها لأنها، ومن حيث لا تدري، أضرّت بمشروعيتها والتي لم يتمكن أحد من الحضور المتضامن معها من التعبير عن تأييدهم لها نتيجة الطريقة التي عبّرت من خلالها عنها. ومن الإنساني بالطبع أن يكون الإنسان الملتزم متحمّساً ومتأثراً، وبالتالي، فسيكون من الصعب عليه، بنسبة عالية، أن يتناول موضوعاً حساساً ربما هو نفسه كان من شهوده أو من ضحاياه، ببرودة أعصاب وبصبر أيوب وإخوانه. بالمقابل، لا يوجد ما يمنع عن الاندماج في التأثّر من خلال التعبيرات المختلفة دون الخروج عن أدب الجلسة وبعيدا عن ممارسة رياضة الصراخ.  

انتقلت هذه الممارسات إلى الفضاء الافتراضي مع تطور التكنولوجيا التعبيرية مع فقر فكري مرعب. وصار الحوار ليس فقط حوار طرشان وإنما صراع ديكة تنهش في اللحم وتنتف في الريش. واختلط الحابل بالنابل بين أصحاب القضية الواحدة، فصار الطائفي والإقصائي والشعوبي والعنصري والمناطقي، صديقاً افتراضياً أو مفروضاً لمن يتقاسم الحد الأدنى من الأهداف السياسية معه دون تبني أي من تعبيراته المنحرفة. فكم من الصعب أن يُفَنِّدَ أحدهم بالحجة سوء التركيبة الحاكمة في بلده، ويشعر بأنه قدّم إضافة منهجية أو فكرية إلى أدبيات جادة في الاتجاه نفسه، ليأتيه آخرون، وإن كانوا مؤمنين بالعداء المشترك لهذه التركيبة الحاكمة، بتعابير خارج سياق الأخلاق والعقل، حمولتها مزيج من العنصرية والطائفية والجنسوية. وبالمقابل، يتصدّى له معادوه في المبادئ بلغة مهذبة ومنطق هادئ، فكيف له أن يجد نفسه بين الأولين، ويتصارع مع الآخرين؟

سينبري من يُندّد بطهرانية الطرح مستنداً إلى حقيقة الصراع ومشروعية التموضع فيه وتبريرية الضحية التي يجوز لها أن تخرج عن إطار العقلانية وعن الممارسة المسلكية. ربما يصح هذا، وربما لا يصحّ، وفي الأمر اختيار إنساني يوازن بين أرباح وخسائر الأسلوبين.    

في ريعان طفولتي، كان يحتد خلافي مع أخي على توافه الأمور، وعند شعوري بالظلم، مهما كان هذا الشعور مشروعاً أم لا، أبدأ بالصراخ الانفعالي للذود عما اعتبره حقي، ليأتي أبي ويحكم لصالحه في الجدل القائم في إطار هذا الصراع الطفولي مهما سخف. وهذا الحكم "الجائر" من وجهة نظري كان يدفعني للاحتجاج والتذمّر على الظلم الذي أُغدِقَ علي. ويوماً، قال لي أبي: "مهما كان الحق إلى جانبك، إن لم تستطع أن تعبّر عنه بهدوء وإن احتجت للصراخ، فأنت الخاسر الدائم".