الشيطان في التفاصيل

تاريخ النشر: 03.05.2018 | 10:05 دمشق

آخر تحديث: 12.05.2018 | 05:40 دمشق

أثار النص "الوفاقي" الذي نُسِبَ "خطأ" إلى (الـ)مجتمع المدني السوري، و "المُسَرَّبْ" أولاً، ثم المعتمد من مؤتمر بروكسل للمانحين الى سوريا بشكل مؤقت ثانياً، أثار لغطاً كبيراً ونقاشاً مريراً بين السوريات والسوريين، وخصوصاً العاملين والناشطين في جُلِّ منظمات المجتمع المدني التي غُيّبَت بإرادة ديمستورية عن اللقاء. وإلى جانب النقد القاسي حتى الإدانة، المستند إلى شكل ومضمون هذه الوثيقة، والمُدعّم بالحقائق والمعطيات التي برزت من خلال تحليل النص ومقاربة تفاصيله، برزت أشكالٌ مختلفة للهجوم والتجريح مستعينة بمفردات لغة انتشرت بكثافة نتيجة فسحة التعبير التواصلية. وقد خرجت مجمل الانتقادات العنيفة عن سياق النقد المُجَرَّدْ مهما جاز له أن يكون قاسياً للوصول الى الشتم والتجريح والتخوين بحق من شارك في الوقوع في هذا الفخ المُحْكَمُ الإِعداد من قبل حاشية المبعوث الدولي وصغار موظفي الاتحاد الأوروبي المستندين إلى علاقات منفعة متبادلة مع بعض وسطاء التوافق. 

إنه نصٌ يمكن أن يعتبر "مدرسة" في سوء الأداء التعبيري ويحمل عديداً من الجمل المفخخة والتي هي في مضامينها "حمّالة أوجه" دون تعداد. ويمكن حتى لأكثر المراقبين موضوعية بأن يلاحظ أن من حرر هذا النص عمل على إقحام الصالح بالطالح للتوافق على ما لا معنى له حتى في أدبيات "التربية القومية الاشتراكية" المبسترة. هذا النص الذي ألّفته مجموعة من أصحاب النوايا الطيبة إلى جانب مجموعة أخرى من أصحاب الخوف المتجذّر أو التبعية الأيديولوجية / الأمنية أو المصلحة الشخصية، أو كل هذه العناصر مجتمعة، والذي تُليَ على الاجتماع الوزاري مسجّلاً انتصاراً وهمياً للمبعوث الدولي المتبجّح دائماً بقدرته على الالتفاف اللولبي حول عنق السياسيين من جهة المعارضة مع محاباته، أو جبنه، في التعامل مع السياسيين ـ إن وجدوا ـ على طرف السلطات الحاكمة.

وبمعزلٍ عن المحتوى الهلامي للنص، وبمعزل عن مقارباته المفاهيمية المتعرّجة والعرجاء، والتي أُشّبِعَت تحليلاً وتمحيصاً، والتي حظيت بتفكيك واعٍ لمفخخاتها العنقودية والانشطارية، فلقد أبت أقلام وأصوات البعض من الممتعضين أن تكتفي بما هو شديد البنية من النقد وقوي الغضب من الاعتراض، فقامت باستنباط السيناريوهات المركّبة لتوضّح مدى معرفتها بما لا تعرفه بخصوص العمل المدني.

"انبرى البعض إلى كيل الاتهامات من كل حدبٍ وصوب بحق من شارك من ممثلين لمنظمات مدنية سورية غير محسوبة على الأجهزة الأمنية. فبدءاً من اتهامهم بالخضوع لرغبات مشبوهة، ومروراً بنعتهم بالخبث"

فانبرى البعض الى كيل الاتهامات من كل حدبٍ وصوب بحق من شارك من ممثلين لمنظمات مدنية سورية غير محسوبة على الأجهزة الأمنية. فبدءاً من اتهامهم بالخضوع لرغبات مشبوهة، ومروراً بنعتهم بالخبث، ووصولاً إلى اتهامهم بالميل للاستسلام الطوعي تماشياً مع مرحلة "إدارة الهزيمة". وتجاوزت الاتهامات حدود الأشخاص لكي تصبّ أيضاً في حدود الحوكمة "الفاسدة" للمنظمات إياها. وعلى الرغم من الجهل العام بالمجتمع المدني ومقوماته، وتناسباً مع حجم الأمية العملية بأسس العمل المدني، خصوصاً في دول الأزمات أو في حالات الكوارث، إلا أن جُلَّ الاهتمام في أغلب الشتائم تركّز على قضية التمويل.

وكأن بمن يتطرق صعوداً ونزولاً، الى مسألة تمويل المنظمات المشاركة، قد أخرج الأرنب من قبعة الساحر. وكما وكأن من تبنّى التلويح بشمّاعة التمويل كان طوال حياته المهنية والمدنية والتطوعية ، مانعاً نفسه من البحث عن تمويلٍ مناسب لمشاريعه إن وجدت. ويكاد المرء يقول لهم: "من كان منكم بلا تمويل فليرمهم بحجر التمويل". ففي مجتمعات انعدم فيها مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" وانحصر الأمر بالتبرّع على أسس دينية إرادية أو مفروضة، ارتبط تمويل العمل المدني دائماً ـ وفي أذهان الأغلبية ـ بالارتهان إلى "أجندات" مفروضة وإلى انعدام في الاستقلالية. وعلى الرغم من إمكانية وقوع هذا الارتهان وقابلية الطرفين، المُمَوِّل والمُمَوَّل، للوقوع ضحايا أجندات تبادلية وتفاعلية عدّة، إلا أن القاعدة في العمل المدني في كل أصقاع الأرض هي في أن تقوم المنظمة غير الحكومية بالسعي لتحصيل دعمٍ ماديٍ يتناسب مع حجمها ومدى طموحاتها على الأرض، ويستند أساساً إلى مشاريعها المبنية على دراسة دقيقة ومسبقة.

شمّاعة التمويل هي المفضلة لدى الأنظمة المستبدة للتنديد بمجمل العمل المدني ومنعه والتشكيك بوطنية القائمين عليه، فهل جاء دور المعترضين لتبني خطاباً استبدادياً بامتياز؟

انتقاد ما ورد في نص بروكسل المهلهل واجبٌ وطني وضرورة منهجية. وإن تفنيد ما انتجه موقعوه من الردود او التبريرات التي جاءت لتفسر الماء بعد جهدٍ بالماءِ، أمرٌ أساسي. كما أن القيام بمطالبة من خانه الحظ وحادت عنه الرؤية وضعفت لديه الحنكة ووقع على هكذا نص في أن يتراجع ويعتذر، فلا شك أن في هذا الحاحّ. بالمقابل، يُخشى الوقوع في فخ التشكيك والتخوين والتمويل وأخواتها، لأن هذا ما يُريد فعلاً أن يوصل اليه الاستبداد رامياً الشك بمجمل الحَراك المدني. وإن لم يكن لدى المجتمع المدني السوري الذي يحبو، بتشعباته وتلويناته، القدرة، بعد سبع سنوات على المقتلة، أن يصل إلى درجة من الوعي الخطابي تسمح له بأن ينتقد الكبائر من الأخطاء دون أن يزل لسانه في مستنقع أسنٍ أُريد له أن يغمر مختلف جوانب حياته العامة منذ القديم، فعلى مستقبل هذا الأمل الوحيد الباقي السلام.

 

كلمات مفتاحية