الشعب السوري والاحتياجات الخاصة

تاريخ النشر: 06.06.2018 | 00:06 دمشق

عندما كنت أشتغل لدى وزارة الصحة في سوريا، عملت لفترة طويلة في مجال التشريعات الصحية وفي مجال الخدمات الطبية العامة التي تقدمها وزارة الصحة للقطاعين العام والخاص، ومن جملة المهام التي أوكلت إلي كانت لجنة ملاءمة الإعاقة.

كان عمل اللجنة يقوم على أساس فحص ذوي الاحتياجات الخاصة الحاصلين على مؤهل علمي أو تدريب مهني يتواءم مع إعاقتهم، وإقرار وضعهم الصحي بعد فحصهم وتوصيف حالتهم طبيا، كي يُصار إلى توظيفهم في دوائر الدولة عملاً بالقانون الذي يضمن 4% من الشواغر الوظيفية لهذه الشريحة من الشعب.

كان صاحب الحاجة الفعلي غالبًا ما يفقد فرصته لأن مكانه ذهب بطريقة ما إلى آخر بكامل صحته واكتمال قدراته الجسدية والعصبية

هذا نظريا، وكم كانت هناك من تشريعات وقوانين وخدمات تقدمها الدولة وترصد لها الميزانيات بينما الفساد يبددها ويحرفها عن مبتغاها فتصرف ميزانياتها في أنفاق وسراديب ملتوية يستفيد منها ذوو الشأن، من دون أن يلحق المواطن الجزء اليسير منها علمًا بأنها من حقه ووضعت لأجله.

وفي لجنة الإعاقة التي كانت في كل محافظة سورية لجنة تماثلها كنا نتعرض بشكل دائم لمحاولات الاحتيال والالتفاف على القانون أملا بالحصول على فرصة عمل، فيأتينا المراجع غير مدرك أننا أطباء، لا يرى فينا غير موظفين حكوميين يمكن شراء ذممهم بتقرير طبي كاذب طالما أن الأمور الأخرى التي تضمن لهم الوظيفة صارت مضمونة حتى لو كانوا سليمين فالأمر بالنسبة إليهم لا يتعدى تقريرًا طبيًا، أي حبرًا على ورق، وكان صاحب الحاجة الفعلي غالبًا ما يفقد فرصته لأن مكانه ذهب بطريقة ما إلى آخر بكامل صحته واكتمال قدراته الجسدية والعصبية، عدا عن نقص في الضمير أحيانا، أو في الوعي الوطني والانتماء كحالة عامة من الجهل والتجهيل اشتغل عليها النظام القمعي السياسي مدعومًا بالأنظمة الأخرى، الدينية والاجتماعية مما أنتج ثقافة تنهل من منظومة قيم تناسب المرحلة فتعزز الأنانية والحيازة والتعدي على الحقوق والاحتيال، وتُعرّف على أنها شطارة.

لا أنوي الكلام عن ذاك الفساد بالذات، الفساد الذي تخلّق بأشكال لا تحصى واستشرى حتى باتت سوريا مضرب المثل، وبات الشعب لا يحتمل عيشه بعدما أطبق الفساد على صدره وصادر القمع حريته، لقد صار الحديث عن الفساد مملاً لكثرة ما يتناسل من بعضه وينسخ بعضه البعض. لكن ما دفعني إلى الحديث عن هذا الأمر هو تجارب الدول التي تحترم شعوبها والحكومات التي تصون كرامة مواطنيها، ومن بين المواطنين أولئك ذوو الاحتياجات الخاصة، فالفرد منهم، في تلك الدول، لا يشعر بأنه ذو احتياجات خاصة أو هو مواطن منقوص المواطنة، ولا تشكل حالته إعاقة له لأن تفاصيل الحياة والمرافق العامة كلها مدروسة ومنفذة بطريقة تجعل من صاحب المشكلة الصحية من هذا النوع شخصًا غير اتكالي منتجًا يحقق منجزه الخاص، ويشعر بأهميته ومكانته في المجتمع الذي يعيش فيه، تزهو إنسانيته بدلاً من أن تذوي وتموت كما كان يحصل في سوريا والبلدان التي تشبهنا.

في سوريا التي يضمن القانون هذه النسبة لتلك الشريحة من الشعب، والتي كان يتم السطو عليها من قبل المقتدرين والواصلين إلى المتنفذين، لم تكن البنية التحتية مؤهلة لتخدمهم وتسهل عليهم حياتهم، أقصى ما أنجز في البنية التحتية إحداث عتبات مائلة في بعض الأرصفة، بينما الأرصفة بحد ذاتها كانت إحدى الكوارث الهندسية بحق المدن، فارتفاع الرصيف هو قيمة مقدسة في هندسة المدن لأنه قيمة معيارية، بينما أرصفتنا عبارة عن مساحات جغرافية تتراوح بين هضاب ووديان وحفر وبلاطات منزوعة، وفي بعض الأماكن مساحة يهندسها صاحب المحل المفتوح عليها وقد يبلطها بالرخام او السيراميك فيتزحلق حتى أبطال التزلج عليها، تحتلها السيارات ولا تترك مكانًا للمشاة فوقها. كذلك دوائر ومؤسسات الدولة، أو وسائط النقل،

إن المرحلة القادمة، مرحلة ما بعد صمت السلاح جديرة بالدراسة وتضافر الجهود للتخطيط لها ووضع رؤية مستقبلية

في الدول الحضارية وسائط النقل العامة مجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة، بإمكانهم الذهاب إلى العمل بمفردهم والتجول والنزهات والتسوق وممارسة الرياضة المناسبة لهم، وفي تلك الدول هناك وعي جمعي وثقافة تواكب الحضارة، هناك احترام للإنسان، وتقدير لحق كل شخص بأن يعيش ويمارس خصوصيته وفرديته مع احترام الجميع للقوانين التي ساهموا بصياغتها.

هذا الواقع كان عندما كانت سوريا في حالة استقرار، وهذا لا يعني أنها في حالة ازدهار، بل في حالة استنقاع مستقر، فكيف سيكون الحال بعد أن يصمت السلاح وقد تحول الشعب السوري إلى مجموعة من الأفراد المعاقين بسبب الحرب؟ الإحصائيات التي ترصد الواقع، وليس كل الواقع فهناك أماكن لا تجري دراستها، تقدم أرقامًا مخيفة من الإصابات الجسدية، عدا الإصابات النفسية والرضوض التي خلفتها الحرب عند شريحة واسعة من الشعب، وهناك حاملو السلاح، أولئك الذين لم يعرفوا أو يتعلموا شيئًا غير حمل السلاح والقتال، هذا الشعب الذي صدعته الحرب وجعلت غالبيته معاقًا، كيف سيكون وضعه في المرحلة القادمة؟ خصوصًا وأن الحديث النشط حاليًا هو عن إعادة الإعمار، فأي إعمار سيكون إذا لم يكن الفرد في صميم أي تخطيط مستقبلي؟ الفرد الإنسان الذي على الدولة أن تحترمه كي يحترمها، عليها أن تدرس احتياجاته ويكون غاية التخطيط والتنمية لديها حتى يحق لها أن تطالبه بواجبه ويساهم في بنيان بلاده. إن المرحلة القادمة، مرحلة ما بعد صمت السلاح جديرة بالدراسة وتضافر الجهود للتخطيط لها ووضع رؤية مستقبلية، فإذا كان سيُعاد البناء بنفس العقلية القديمة، العقلية التي لا تهتم بالشعب ولا تعتبره الشريحة المستهدفة، فستكون الكارثة مفتوحة على احتمالات لا يمكن تصورها، وليس كلامًا في غير مكانه أن يُحكى الآن عن تلك المرحلة، خصوصًا أن وضع سوريا المستقبل ما زال مجهولاً، لكن مهما كان الوضع المستقبلي لسوريا ككيان سياسي أو أكثر، يبقى الشعب المقصود هو الشعب السوري الذي احتمل الكثير وظلم أكثر.

كلمات مفتاحية