الشعبوية.. العودة إلى ثقافة: قاتل أو مقتول

تاريخ النشر: 23.08.2021 | 10:52 دمشق

إسطنبول - ياسر الأطرش

يختلف "الشعبوي" عن الشعبي والشعوبي اختلافاً كبيراً، فالثقافة الشعبية كانت وما تزال حاملاً رئيساً وصادقاً لثقافة عموم الناس وفنونهم وآدابهم وأساطيرهم، وهي في التراث العربي تأتي على نقيض "الثقافة الرسمية" التي تُنتج باللغة الفصيحة العالية، وتتناول موضوعات جادة برصانة تبقى معقولة ولا تتنازل عن حد معين من المعايير الفنية، أما الأدب الشعبي فلا حدود له إلا خيال الناس، فهو يتناول المسكوت عنه والمخبوء والمخجل والمخزي، والأهم أنه يكسر الثالوث المحرم "الجنس والسياسة والدين".

أما "الشعوبية" فهي حركة أدبية اجتماعية قومية؛ ظهرت في نهاية العصر الأموي واشتد عودها مع بداية العصر العباسي، وكانت تنطوي على رفض تفوق العنصر العربي على العناصر الأخرى المكونة للحضارة الإسلامية آنذاك، وقد قاد الفرس هذه الحركة محاولين إظهار تفوقهم على العرب.

ومع اندثار الشعوبية، وبقاء الثقافة الشعبية حاملاً لإرث الناس وحكاياتهم، ظهرت "الشعبوية" وباء يهدد المدنية الحديثة ويشي بتقويض أركانها ومكتسباتها، على أن "الشعبوية" لم تكن كذلك عند نشأتها في القرن السابع عشر وتبلورها الأول في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة وروسيا، فهي في ذلك الوقت ظهرت كحركة مناصرة لقطاعات الشعب العاملة (من مزارعين وعمال) ضد سطوة الإقطاع في روسيا القيصرية، وضد استغلال شركات السكك الحديدية والبنوك في الولايات المتحدة.

إلا أن الحال لم يدم طويلاً، فقد شهدت "الشعبوية" تحولاً كبيراً حاد بها عن طريق الخير مع بدايات القرن العشرين، على يد دكتاتور الأرجنتين خوان بيرون (1895- 1974) الذي حكم الأرجنتين منتصف القرن العشرين، واستبد بها من خلال زعمه امتلاك الحقيقة وتقويض كل الحريات باسم "الشعب".

وظهرت "الشعبوية" في أميركا اللاتينية على يد الرؤساء "الثوريين" الذين حكموا باسم الفقراء، ليصبحوا مستبدين يحكمون مدى الحياة، ويدخلوا بلدانهم في دائرة الفقر والاستبداد، وكل ذلك للمحافظة على "مكاسب الثورة وحقوق الشعب"!.

وفي العالم العربي، استغل الحكم العسكري منذ بداياته على يد جمال عبد الناصر الخطاب الشعبوي، فكانوا يفعلون كل شيء "باسم الشعب": الهزائم والضرائب وتفقير الناس وقتل المعارضين وسحق الحريات... كل هذا كان وما يزال يتم "باسم الشعب"، ولا أدل على ذلك من "رؤساء" حاليين يطلبون "تفويضاً شعبياً" في كل جريمة يرتكبونها ضد القانون والدستور!.

في شهر آب الجاري وحده، شهدت المنطقة أحداثاً مخزية سببها الرئيس الخطاب الشعبوي الذي يقوم على مخاطبة مناطق بدائية في الحس الإنساني

ومع حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، صعدت "الشعبوية" عالمياً صعوداً غير مسبوق، فهو قال صراحة في خطاب له عام 2016، إنه يريد أن يقوض حكم النخبة السياسية، علماً أن الديمقراطيات تقوم على هذه النخب، حتى انتهت حقبته بأسوأ مشهد في تاريخ أميركا الحديث: مشهد الهجوم البربري على الكونغرس.

وفي شهر آب/ أغسطس الجاري وحده، شهدت المنطقة أحداثاً مخزية سببها الرئيس الخطاب الشعبوي الذي يقوم على مخاطبة مناطق بدائية في الحس الإنساني، ليستثيرها ضد القانون والمنطق والمبادئ، ويعطل عمل العقل!

فما قتل الفنان الجزائري؛ جمال بن إسماعيل؛ حرقاً على يد مجموعة هائجة من الناس، أثناء حرائق الجزائر، إلا نتيجة خطاب شعبوي عطَّل العقل والقانون، وفعَّل إحساسات بدائية ما قبل بشرية عندهم.

وكذا مهاجمة اللاجئين السوريين في حي "ألتين داغ" في العاصمة التركية أنقرة، من قبل مجموعة من الزعّار، على طريقة القرون الوسطى، لم يكن ليحدث لولا الخطاب الشعبوي الذي تبثه أحزاب وجماعات سياسية واجتماعية مناوئة لوجودهم.

وفي تونس، يعيد الرئيس الشعبوية إلى عرشها، حين يستقوي "بالشعب" على الشعب وعلى القانون والمؤسسات، وحين نقول الشعب، فلنتذكر الشعوب العربية المقهورة التي "تبصم" لرؤسائها بالدم، وتوافق على قرارات لم تقرأ ولم تعرف ولا تريد أن تعرف شيئاً منها أو عنها، في مجتمعات الخوف والفقر والظلام.

وأخيراً، فإن الاستقواء بالشعب، وإن بدا برّاقاً أو حاول البعض إظهاره كذلك، فإنه استقواء على القسم الآخر من الشعب، بغية قتله أو إقصائه، لتؤدي الشعبوية إلى نتيجة واحدة محتومة: الشعب ضد الشعب: إما قاتل أو مقتول.