icon
التغطية الحية

الشركس يكتشفون صوتهم من جديد في سوريا الجديدة

2026.01.09 | 09:18 دمشق

بزيهم التقليدي.. شراكس سوريا يحيون (يوم الحزن) بساحة الأمويين وسط دمشق - المصدر: الإنترنت
بزيهم التقليدي.. شراكس سوريا يحيون (يوم الحزن) بساحة الأمويين وسط دمشق - المصدر: الإنترنت
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في الأول من أيار 2025، احتشد الشركس في دمشق لإحياء يوم الحزن علنًا لأول مرة منذ نصف قرن، مستذكرين تهجيرهم القسري من القوقاز في 1864، مما يعكس التغيرات السياسية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
- تاريخ الشركس في سوريا مليء بالتحديات، بدءًا من إعادة توطينهم في الأراضي العثمانية، مرورًا بنزوحهم من الجولان في 1967، لكنهم تمكنوا من بناء مجتمعات مترابطة مع الحفاظ على هويتهم الثقافية.
- يسعى الشركس في سوريا الجديدة لتعزيز وجودهم الثقافي بعيدًا عن السياسة، مع التركيز على الحفاظ على لغتهم وتراثهم، حيث يلعب الجيل الشاب دورًا محوريًا في تنظيم الفعاليات الثقافية وتحقيق التوازن بين الاندماج والخصوصية الثقافية.

في الأول من أيار عام 2025، وتحت أشعة شمس ربيع دمشق الحارقة، احتشد بضع مئات من الناس بالقرب من ساحة الأمويين، حيث كان الهواء مثقلاً بالحرارة، وعلى الرغم من ذلك ارتدى عدد من الرجال الذين تقدموا الموكب قبعات من الفرو ومعاطف سميكة، في محاكاة ترمز لوطنهم: القوقاز، كما رفع الحشد رايات خضراء حملت 12 نجمة ذهبية وثلاثة أسهم، وهذه الرايات تمثل العلم الشركسي.

كانت تلك المرة الأولى التي يتمكن الشركس في سوريا من إحياء يوم الحزن بشكل علني منذ أكثر من نصف قرن، إذ في ذلك اليوم يستذكرون كيف طردتهم روسيا القيصرية من أرض أجدادهم في عام 1864. فعلى مدار عقود طويلة، بقيت قصة نفي الشركس في سوريا غير مقبولة على المستوى السياسي، ولهذا قمعها نظام الأسد الذي سقط اليوم، والذي كان حليفاً لروسيا في الماضي. والآن، تحاول سوريا أن تقدم نفسها بصورة جديدة، في وقت تفاوض الحكومة السورية الجديدة على شكل علاقاتها مع روسيا ومع إسرائيل التي تسببت بنزوح الشراكس هي أيضاً، ولهذا فإن ذلك الصمت الذي هيمن في الماضي بدأ يتبدد اليوم، كما بدأت أجيال عديدة من الشراكس تعيد تعريف نفسها من خلال هويتين: الشركسية والسورية.

إعادة التوطين

في ساعة مبكرة من صباح ذلك اليوم، غادرت حافلة من بلدة مرج السلطان ذات الغالبية الشركسية والتي تقع على أطراف دمشق، واسم هذه البلدة بحد ذاته يذكرنا بجذورها العثمانية، إذ مع بداية القرن التاسع عشر، منح السلطان عبد الحميد الثاني هذه الأرض لمئة وخمسين عائلة شركسية هربت من بطش روسيا. أي أن الإمبراطورية العثمانية أعادت توطين الشركس في الأراضي الحدودية لتحكم سيطرتها على سكان تلك المناطق الذين ناهضوا حكمها، مثل البدو والدروز. وهكذا ألفت معظم المجتمعات الشركسية نفسها وقد حطت رحالها في مرتفعات الجولان السوري بعد أن أعيد توطينها، كما وجد آخرون منهم أنفسهم يسكنون ريف المدن الكبرى مثل دمشق وحمص حيث ترتحل العشائر البدوية إلى تلك المناطق وتتنقل فيها.

داخل تلك الحافلة، أخذ الشبان والشابات يصفقون على أنغام الموسيقى الشركسية التقليدية، وفي الطريق إلى ساحة الأمويين، كان المزاج في أحسن أحواله ولهذا كان الجميع مستعدين للاحتفال. عن ذلك يقول بشار ابن الثلاثة والعشرين ربيعاً الذي فضل الاكتفاء بذكر اسمه الأول: "فخور جداً بتوجهنا إل دمشق لإحياء يوم الحزن وإظهار أننا موجودون كجالية وبأننا لم ننسَ". إذ بالنسبة لبشار، مثلت تلك المناسبة فرصة لنشر قصة أهله، ولهذا وبمجرد وصوله إلى دمشق نشر العلم الذي بحوزته وانضم إلى الموكب الذي أخذ يسير ببطء، فبدت الهيبة على محيا ذلك الشاب وهو يتكيف مع المزاج العام السائد.

 

 

كانت منى، 57 عاماً، من بين المشاركين في ذلك المسير، إذ لم يخطر ببال تلك المرأة أنها ستحيي في يوم من الأيام ذكرى تلك المناسبة بشكل علني، بما أنها عاشت معظم حياتها في ظل نظام الأسد، لكنها ظلت مترددة في ذكر اسمها الكامل، وعن المناسبة قالت والدموع تملأ عينيها: "عندما وصلت إلى الساحة، شعرت بانقباض في قلبي، إذ على الرغم من أنني لا أعرف أسلافي الذين ماتوا وقتئذ، شعرت بحزن وبوطأة الجرائم التي ارتكبتها روسيا بحق شعبنا".

بداية القصة

بدأت قصة الشركس في الجبال الواقعة شمال غربي القوقاز، شمالي ما يعرف اليوم بدولة جورجيا، حيث قاوم الشركس التوسع الإمبريالي القيصري لمدة تزيد عن قرن كامل، وعندما أخضعت الإمبراطورية الروسية تلك المنطقة في نهاية الأمر وكان ذلك في عام 1864، أطلقت العنان لوحشية أعتى حملة ترحيل جماعي في القرن التاسع عشر، إذ أحرقت بموجبها قرى بكاملها، وسيق الناجون منها نحو ساحل البحر الأسود، حيث فارق الآلاف منهم الحياة وهم ينتظرون ترحيلهم إلى الأراضي العثمانية.

 

يقدر المؤرخون عدد الشركس الذين خضعوا للترحيل القسري من وطنهم بنحو مليوني إنسان، وقد مات ربعهم تقريباً على الطريق، في حين توزع من نجوا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، ضمن ما يعرف اليوم بتركيا والأردن وسوريا، حيث أسسوا هناك مجتمعات ذات نسيج مترابط، وأعلنوا عن ولائهم للدول التي استضافتهم على الرغم من أنهم ظلوا يحملون ألم غربتهم في قلوبهم، إذ حتى الآن ماتزال بعض العائلات ترفض تناول السمك القادم من البحر الأسود، إكراماً لأرواح من غرقوا في أثناء عمليات العبور.

النزوح مجدداً

بعد مرور قرن على ذلك، عاش الشركس نزوحاً جديداً، إذ في عام 1967، وخلال الحرب التي قامت بين العرب وإسرائيل، احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان، وأجبرت الآلاف من الشراكس السوريين على النزوح من جديد. وهكذا وبين ليلة وضحاها، ترك هؤلاء القرى والأراضي التي أسسوها في تلك المرتفعات بعد أن طردهم العساكر الإسرائيليون منها.

لمظهر عبد الله نظرة حادة وشارب رفيع ومنبت شعر انحسر عن جبينه كثيراً، ويعيش هذا الرجل اليوم في بلدة مرج السلطان، ويتذكر تماماً تلك اللحظة التي غيرت حياته، كونه يتذكر كيف هرب من قرية الخشنية في مرتفعات الجولان بصحبة أهله عندما كان في الخامسة من عمره، وعن ذلك يقول بكل هدوء: "في ذلك اليوم، قضى الإسرائيليون على طفولتي، عندما سرقوا الأرض التي عشنا عليها". وعلى الرغم من أنه يحلم بالقوقاز، مايزال يشتاق لرؤية مرتفعات الجولان التي تنتشر فيها أشجار التين والتفاح مرة أخرى، ويعلق على ذلك بقوله: "لو كان بوسعي أن أرحل غداً فسأفعل، إلا أن الحلم شيء وإمكانية تحقيقه شيء آخر". بلغ عبد الله من العمر الآن ستين عاماً، وهو لا يعارض فكرة التطبيع مع إسرائيل إن كان ذلك يمكنه من العودة إلى الجولان، ويضمن عودة المنطقة لسيطرة سوريا، على الرغم من أنه أوضح بأنه ليس متفائلاً بتحقيق ذلك في حياته.

 

في فرع الجمعية الخيرية الشركسية بحي ركن الدين الدمشقي، ماتزال خريطة معلقة هناك تشهد بأن مرتفعات الجولان جزء من سوريا. وهنا يتعقب بيبرس بإصبعه وهو أحد رواد هذا المكان مكان القرى الشركسية الأربع عشرة التي كانت موجودة في تلك المرتفعات، ويقول: "لم يبق من الأربع عشرة سوى ثلاث قرى فقط" ثم يضع إصبعه على المنطقة العازلة التي أقيمت بموجب اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل في عام 1974، تلك الاتفاقية التي فسختها إسرائيل من جانبها فحسب في كانون الأول عام 2024. كما يستذكر بيبرس أيضاً ذلك العام الذي أجبر فيه على النزوح من تلك المنطقة "على كتفي أبيه" كما أخبرنا.

"تاريخ من الغربة والفراق"

أما أشرف حسين الذي يرتاد مركز ركن الدين كثيراً، فقد قال: "تاريخنا كله غربة وفراق". بيد أن الشركس مثلهم مثل بقية السوريين والسوريات تحملوا الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية التي بدأت في عام 2011 واستمرت حتى سقوط بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024. وقبل انهيار البلد، كانت أعداد الجالية الشركسية تتراوح ما بين 100-150 ألفاً، ولكن منذ ذلك الحين، فر معظمهم إلى أوروبا وكندا والولايات المتحدة، وعن ذلك يقول عبد الله: "إننا نعاني اليوم من المشكلات التي يعاني منها غيرنا من السوريين"، ويقصد بذلك فراق الأهل والخسائر في الأرواح، وفي الأطراف، وفي الممتلكات، بعد أن عانى السوريون من كل ذلك خلال الحرب، ويضيف: "ولكن يجب علينا أن نتذكر هويتنا، فنحن شراكس سوريون".

 

بالنسبة للشركس في سوريا، فإن غربتهم لم تنته بحط رحالهم في هذا البلد، بل إنها أعادت تشكيل علاقتهم بالدولة السورية على مدار أجيال، حيث أصبحوا موالين ومندمجين بشكل جيد، من دون أن ينسوا الاختلاف التاريخي بينهم وبين الشعب السوري. وفي ظل حكم نظام الأسد، بقي الشركس في الظل مثلهم مثل معظم الطوائف، حيث عملوا في مؤسسات الدولة، وخدموا في الجيش، وشاركوا في الحياة المدنية بكل هدوء، إلا أن إحياء ذكرى الصدمات الكبرى التي تعرضوا لها بشكل جمعي كان يتم بشكل صامت للغاية.

العودة إلى الأصول

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، تمتع الشركس بحرية أكبر في التنقل والسفر إلى القوقاز، ولهذا سافر كثيرون إلى هناك بقصد الدارسة، إلا أن تلك الزيارة تعتبر رحلة مقدسة أيضاً، لأن الشركس من خلالها كانوا يرجعون إلى أصولهم. وعن ذلك يقول حسام إسماعيل، وهو عضو في مركز الجمعية الخيرية الشركسية بقدسيا: "كانت العودة حلمنا، وقد سمح سقوط الاتحاد السوفييتي لنا بذلك". غير أن العودة إلى الوطن والارتباط به من جديد لا يعني تأييد الحكومة الروسية أو الانحياز لها، ولهذا أخبرنا أحد أبناء تلك الجالية الذي رفض ذكر اسمه بأنه ينتظر رحيل فلاديمير بوتين بشوق، وبأن هذا الإحساس مشترك بين أبناء وبنات المجتمع الشركسي. أما بالنسبة لحسين، فإن الحكومة السورية تحالفت مع "أسوأ نظامين في العالم: إيران وروسيا". في حين يضيف بشار الذي شاركناه الجولة بالحافلة: "يعتقد كثيرون بأننا كنا أصدقاء لروسيا ومؤيدين لحكومتها، ولكن العكس هو الأقرب للواقع في الحقيقة".

الارتباط بالدولة 

لعل الأجيال الأكبر من أبناء وبنات المجتمع الشركسي لا يشعرون بارتياح كامل حتى الآن، ولهذا يرفضون التعليق على سياسة الحكومة السورية الجديدة تجاه روسيا، ويفضلون عدم انتقاد استراتيجيتها الدبلوماسية فيما يخص بوتين، إذ أكد لنا هشام قات، وهو الرئيس الجديد المنتخب للجمعية الخيرية الشركسية بسوريا: "لسنا منظمة سياسية، بل إننا نركز على الثقافة، ولهذا أترك أمر العلاقات مع إسرائيل وروسيا لوزارة الخارجية". أما جودت يونس أونوجاك، 81 عاماً، وهو عضو في تلك الجمعية على مدار 70 عاماً، ومدير فرعها في قدسيا، فقد تمثلت غريزة البقاء لديه بالحياد، ولهذا قال: "إن عدم الانحياز لأي طرف يحمينا"، وذلك قبل أن يضيف: "إننا مرتبطون بالدولة لا بالأشخاص الذين يمثلون الحكومة".

ولكن لدى السؤال عن الرئيس المؤقت أحمد الشرع وعن زيارته لموسكو في أواسط شهر تشرين الأول الماضي، لم تمسك سيرين قاسم لسانها عن الكلام وهي ناشطة شركسية سورية شابة نشأت في الغربة ما بين السعودية ونيوجيرسي، ولهذا علقت بالقول: "أعتبر دولة روسيا الاتحادية نظاماً مجرماً، ولن أسامحها أنا شخصياً عما فعلته بأجدادي وبالسوريين، لكني أتفهم الموقف السياسي منها"، وأضافت بأنها تتمنى أن ينخرط الجيل الجديد في رسم مستقبل سوريا بشكل واضح وصريح، فقد ولت تلك الأيام التي كان فيها الكبار بالسن من مجتمعها الشركسي "يصدقون دعاية النظام عن حماية الأقليات"، وتابعت قائلة: "علينا أن نساعد وأن نعمل على بناء البلد من جديد".

 

وكغيره، يشاطرها حسام كوجكار الأمل بالتغيير، لكنه يرى بأنه مايزال أمام الجيل الأقدم دور ليلعبه، وعن ذلك يقول: "لقد عاشوا في خوف، ولم يعتادوا على التعبير عن رأيهم بصراحة، ولهذا نختلف عنهم نحن جيل الشباب، لأننا على استعداد للمخاطرة، أما الجيل الأكبر فهو أكثر حكمة، وأشد حرصاً وحذراً، ولهذا فإن دوره يتلخص في إرشادنا وتوجيهنا".

وكغيرهم من المجتمعات الأخرى في سوريا، يقوم الجيل الشاب بكتابة عهد وميثاق جديد مع الدولة والشعب في هذا البلد، ومعظم بنود ذلك الميثاق تتصل بالنشاط المدني الذي ازدهر خلال الثورة والحرب السوريتين. فقد كان الجيل الشركسي الشاب هو من قرر تنظيم موكب لإحياء يوم الحزن في ساحة الأمويين، تلك الساحة التي تتمتع برمزية كبيرة كونها المكان الذي أقيمت فيه الاحتفالات بسقوط نظام الأسد، وعن ذلك يحدثنا كوجكار، 24 عاماً، وهو أحد منظمي ذلك الموكب، فيقول: "في السابق لم يكن بوسعنا نشر تلك الرسائل عبر الإنترنت، أما الآن، فقد صار بإمكاننا النزول إلى الشوارع والتعبير عن أنفسنا بشكل قانوني".

ثقافة بعيدة عن السياسة

في سوريا الجديدة، بدأ الشركس بحجز مكان واضح لهم وخاصة ضمن السياق الثقافي، إذ بخلاف الثقافة الدرزية والكردية اللتين ماتزالان تخضعان لتسييس كبير بسبب حدوث تطورات جيوسياسية مستمرة، لا تحمل الثقافة الشركسية بسوريا في جعبتها سوى القليل من الحمولات السياسية، ولهذا تقول قاسم: "نحن آخر مجتمع لديه مبرر للخوف الآن" وذلك بعد إدخال الرقص الشركسي مؤخراً ضمن فعاليات إعادة افتتاح قلعة حلب.

 

لطالما كانت الثقافة صوتاً للشركس، إذ في مختلف أنحاء سوريا، اعتمد المجتمع الشركسي على مؤسساته الخيرية ليحفظ من خلالها لغته ورقصه وتماسكه الاجتماعي، فهنالك سبعة فروع رئيسية للجمعية الخيرية الشركسية في مختلف أرجاء سوريا، إلى جانب مراكز تتبع لها أقيمت في كل من دمشق وريفها. ويعتبر فرع ركن الدين الذي تأسس في عام 1948 صلة وصل مهمة على المستويين الاجتماعي والثقافي، إذ يشتمل برنامجه على فعاليات متنوعة تشمل الرياضة وإقامة ورشات للعناية بالصحة، وصولاً إلى الرقص الشركسي ودروس تعلم اللغة الشركسية. ولهذا يعتبر كثيرون تلك المراكز منبعاً لتناقل أحداث التاريخ المشترك.

يرى قات وهو الرئيس الجديد المنتخب للجمعية الخيرية الشركسية في سوريا بأن فكرة تناقل أحداث التاريخ بين الأجيال هي الجوهر الذي تقوم عليه هذه الجمعية، ولكن الشركس في سوريا، مثلهم مثل أي مجتمع يعيش في الشتات، يحاول خلق حالة توازن صعبة ما بين الاندماج والحفاظ على هويته وتقاليده، ولهذا يقول حسين: "تعلمنا العربية حتى نندمج، ولكن ينبغي على الشباب ألا ينسوا لغتنا"، فاللغة الشركسية التي تعرف بالأديغية ماتزال مصدر فخر في هذا التراث، إلا أن تعلمها تراجع مع تفضيل الجيل الشاب لتعلم الإنكليزية على تعلمها.

معظم الأمور المتوارثة بين الأجيال تتم داخل الأسرة، إذ يقول جودت يونس أونوجاك، مدير فرع الجمعية بقدسيا: "لا توجد لدينا مدارس شركسية، ولهذا تعلمنا الكثير في البيت وفي المراكز الخاصة بالمجتمع الشركسي".

صراع الأجيال

إلا أن المحافظة على هذا المجتمع وخصوصياته لم يكن أمراً سهلاً، إذ في يوم الحزن، قال لنا بشار: "إننا نمثل لغزاً بالنسبة لمعظم السوريين، كونهم لا يعرفون أي شيء عن عاداتنا كما لا يعرفون بأننا مسلمون"، إذ على الرغم من أن الشراكس مسلمون، فإن غيرهم من المسلمين في سوريا "كثيراً ما يسألوننا إن كنا نصوم في شهر رمضان، ويعود ذلك لأننا نمضي معظم الوقت مع بعضنا، كما أننا نتزوج من بعضنا".

غير أن تلك الغريزة الساعية لحفظ الهوية عززت حالة عزلة كانت سائدة في "العالم القديم" بين كبار السن في المجتمع الشركسي، والذين مايزالون يؤمنون بفكرة "الدم الأزرق" كما مايزالون يفخرون بأنسابهم ويصرون على الزواج ضمن هذا المجتمع حصراً. فالهوية الشركسية تكتسب من طرف الأب، إذ لا يعتبر الشخص شركسياً إلا إن كان والده كذلك، وهذا ما يزيد الضغط على النساء ويجبرهن على العزوف عن الزواج من خارج هذا المجتمع. وهنالك جانب اقتصادي لابد من مراعاته هنا أيضاً، وذلك لأن المجتمع السوري يطلب مهوراً مرتفعة من الرجل عندما يتقدم لخطبة فتاة بهدف الزواج، ويشرح عبد الله الفكرة بقوله: "لو رغب ولدي بالزواج من فتاة في دمشق، فعليه أن يجمع مبلغاً كبيراً من المال حتى يدفعه مهراً لها، ولهذا من الأسهل له الزواج من شركسية"، بما أن الشركس يحددون مهوراً بسيطة بهدف التشجيع على الزواج داخل هذا المجتمع. أما زوجته رغدة غوجال فقد قالت: "لو تزوجت شخصاً من خارج الجالية، فلن يكون بمقدوري أن أبقى قريبة من أهلي، أي لن يكون بوسعي تناول وجبة معهم أو قضاء عطلة بصحبتهم".

 

غير أن تلك الأفكار تغيرت لدى الجيل الشاب من الشركس، بما أن أفراد هذا الجيل صاروا يعيشون في أحياء مختلطة ويتفاعلون مع سكانها على المستوى الاجتماعي، ولهذا يحلم معظم الشراكس الشباب مثلهم مثل معظم من هم في سنهم من السوريين باكتشاف عوالم أخرى، ولكن بالنسبة لبعضهم، ومنهم بشار، مايزال ما يشدهم نحو القوقاز قوياً، ولهذا يقول: "سوريا بلدي الثاني". أما ابن عبد الله، محمد، والبالغ من العمر 19 عاماً، فقد قال: "ربما بعد مرور مئة عام، قد ينسى الناس أننا أتينا من القوقاز، ولكن الآن لا أحد يفكر بهذا الأمر" ثم يتحدث عن توقه للتنقل والاكتشاف، فيقول: "سافرت إلى روسيا وتركيا، وأمضيت 14 عاماً في الحرب، ولهذا أريد أن أرى شيئاً جديداً، وأريد أن أصبح طياراً في إحدى شركات النقل الجوي".

في يوم الحزن، عندما خيمت ساعة الغسق على دمشق، طُويت الرايات الخضراء، ثم تفرق الجمع. ولوهلة، أصبح بإمكاننا أن نتخيل الغربة الطويلة التي عاشها شراكس سوريا وقد أكملت دورة كاملة، إلا أن هذه الدورة لم تنته بالعودة إلى الوطن الذي خسروه، بل باكتشاف صوتهم من جديد، ذلك الصوت الذي كان مقموعاً في الماضي.

 

المصدر: The New Lines Magazine