الشرق الإيراني الجديد

تاريخ النشر: 21.06.2022 | 06:58 دمشق

لماذا احتلت أميركا العراق في 9/أبريل/2003؟ العرب لديهم ألف وألفَا إجابة عن هذا السؤال، ولكن ليس من بينها إجابة: لكي تسلمه غنيمة لإيران، سواء قصدت ذلك أم جاء كنتيجة لغباء وقصر نظر صناع قرارها.

من بين أول ما طفح على سطح التنظيرات والتحليلات العربية، استراتيجية وسياسية وإعلامية، كان إنتاج شرق أوسط جديد، من دون أن ينتبه أحد، حينها، إلى أن إيران كانت هي الفاعل الوحيد في إنتاج الشرق الأوسط الجديد.

وكما أثبتت السنوات، بل الأشهر اللاحقة لاحتلال العراق، لم تعرف أميركا ماذا تفعل بالعراق.. خربت كل شيء فيه، أجهزة دولته وجيشه وأجهزته الأمنية وأشاعت سرقة مخازن أسلحته للجميع... ثم ماذا؟ انفلت كل شيء وإلى حد أنها اضطرت أن يعمل جيشها كجهاز شرطة لحفظ الأمن الذي ضيعته ولن يعود.

ومنذ الأيام الأولى لذلك الوضع المختل، تسللت إيران إلى المشهد لترسم كل شيء وفق تصورها الطائفي - المذهبي، وهذا ما نجحت فيه بسرعة قياسية، لا من أجل أن يكون العراق تابعاً لعمامة الولي الفقيه فقط، بل ليكون قاعدة انطلاق متقدمة للحرس الثوري، لنشر المشروع الاستعماري للثورة الخمينية واحتلال المزيد من البلاد العربية.

عندما انطلقت ثورة الشعب السوري، في منتصف آذار من عام 2011 ، ضد طغيان واستبداد نظام بشار أسد، كانت إيران قد أتمت بسط نفوذها كاملاً على العراق

وسواء أن الأمر قد تم بالتوافق والاتفاق مع الإدارة الأميركية أم لا، فإن إيران نجحت فيما عجزت عن تحقيقه الولايات المتحدة وهو احتلال العراق وبسط نفوذها عليه وتحويله لقاعدة لتنفيذ مشروعها الاستعماري لدول المشرق العربي.

وعندما انطلقت ثورة الشعب السوري، في منتصف آذار من عام 2011 ، ضد طغيان واستبداد نظام بشار أسد، كانت إيران قد أتمت بسط نفوذها كاملاً على العراق، بإجبارها للولايات المتحدة على سحب قواتها العسكرية من أراضيه، وبهذا تكون قد أرست أول قواعد رؤيتها للشرق العربي الجديد، وهذا ما جعلها قادرة على تقديم كل الأشكال للدعم والمساندة للنظام السوري الأقلوي، عبر الأراضي العراقية وعبر ميليشيا حرسها الثوري وميليشياتها المذهبية العراقية، وهذا ما مكنها، ليس فقط في حماية نظام بشار الأسد وقمع الثورة، بل والتغلغل في الأراضي السورية واحتلال بعض مدنها وتهجير سكانها من أجل تغيير بناها الديمغرافية.

وبالعودة اليوم إلى الارشيف الإعلامي والأدبيات السياسية التي رافقت عملية احتلال العراق، نجد أن شعاريّ الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد، لم ترسم ملامحهما ولم تنفذهما ولم تستفد منهما، على الأرض، سوى إيران.

فإيران اليوم تبسط نفوذها على كامل التراب والقرار السياسي والأمني والاقتصادي العراقي، وتبسط نفوذها وتتحكم بقرار كامل الأراضي السورية التي يدعي بشار الأسد أنها تحت سيطرة نظامه. بل وتعمل بحقد نملة وتصميمها على تغيير البنية الديمغرافية لكثير من الأراضي والمدن السورية من أجل بسط نفوذها (المذهبي – السياسي) عليها، عبر شبكة ميليشياتها الطائفية، العراقية وميليشيا حسن نصر الله اللبنانية.

ورغم تعدد القوى الفاعلة على الأراضي السورية حالياً، يتقدمها العملاقان النوويان، روسيا وأميركا، إلا أننا نرى إيران تنفذ مشروع احتلالها وبسط نفوذها وكأنها القوة الفاعلة الوحيدة، وفي سباق محموم مع الزمن، لأنها ببسط نفوذها على سوريا تكون قد ضمنت لمشروعها الطوق الشمالي وإلى البحر المتوسط، والذي لن يكلفها أكثر من الدعاية المذهبية، والذي ستسهر على حمايته للميليشيات التي تقتات على تلك الدعاية.

وكما فعلت في العراق، لم تقدم إيران لنظام بشار الأسد غير السلاح والعتاد الذي يقتل به الشعب السوري. بل إنها حرصت، وكما حرصت أن تفعل في العراق ولبنان واليمن، على تدمير البنى التحتية ونشر الفساد

وكما فعلت في العراق، لم تقدم إيران لنظام بشار الأسد غير السلاح والعتاد الذي يقتل به الشعب السوري. بل إنها حرصت، وكما حرصت أن تفعل في العراق ولبنان واليمن، على تدمير البنى التحتية ونشر الفساد وتعطيل مفاعيل العملية الاقتصادية، هذا بالإضافة إلى تفتيتها لوحدة النسيج الاجتماعي، من أجل تحويل سوريا إلى بلد فاشل وإخراجه من منظومتيّ التاريخ والحضارة الإنسانيتين. وهذا ما أكدته جميع مؤشرات النمو العالمية لعام 2021 ، حيث حلت سوريا في المرتبة الثالثة، من آخر قائمة الدول الأكثر هشاشة وفساداً، من بين مجموع 179 دولة، حيث سبقتها اليمن والصومال، ولم تتبعها سوى جمهورية جنوب السودان وأفريقيا الوسطى والكونغو.

وكما أوضحت السنوات العشر الماضية من عمر المحنة السورية، فإيران لا تتوقف أمام أي اعتبار أو قيمة إنسانية أو أخلاقية أو حضارية، فكل شيء مباح لها فعله في البلاد التي تستطيع الدخول إليها، من نهب لثرواتها ومن تمزيق لوحدتها الوطنية ونسيجها الاجتماعي وتهجير أهلها، من أجل إعادة بناء خارطة ديمغرافية جديدة للبلاد، تمكنها من القبض على مقاليد الأمور وخيوط التحكم بمصائر الشعوب التي تقع تحت سيطرتها.

وإيران لم تكتف ببسط نفوذها على مناطق دولة بشار الأسد، بل حولتها إلى مخازن لأسلحتها، بصفة أن سوريا قاعدتها العسكرية المتقدمة. فهي تنقل وتخزن أسلحة في الأراضي السورية وبكميات مرعبة، وهذا ما يفتح شهية إسرائيل للقصف والتدمير في المدن السورية على هواها. ورغم دقة إصابات الطيران والصواريخ الإسرائيلية، إلا أن إيران تراهن على القليل الناجي، وهو ما يكفيها لمواصلة حربها على الشعب السوري وبسط نفوذها وإحكام قبضتها على أراضي دولة النظام، التي تمثل الركيزة السياسية الأهم في مشروع شرقها الكبير، لما تتمتع به سوريا من موقع استراتيجي، يحاذي دولة ميليشيا حسن نصر الله في لبنان، ويحاذي إسرائيل، ويطل على البحر المتوسط الذي يطل عليه جنوب تركيا، عدوها المذهبي (بحساباتها الطائفية)، قبل السياسية.    

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار